المهاجرون والأنصار

الغرب جعلته خبرة ضرورته التَّاريخيَّة في التَّراكم الرأسمالي كاستعمار همجيّ خلف الكثير من جرائم الحرب ضدَّ الإنسانيَّة، كما جعلته سيرورة سيطرته وهيمنته الإمبرياليَّة والعولميَّة قادرا على تحريك يديه بمرونة عالية تعكس هدوء المجرم المتمرّس على الفتك بضحيته بدم بارد، حيث يد تذبح في الميدان داخل الوطن خلف سياسة محكمة شعارها “لا غالب ولا مغلوب” بين الأطراف المتصارعة والمتحاربة في سوريا والعراق… بمعزل عن إرادة الشُّعوب في تقرير مصيرها بشكل اختياريّ حرّ ومستقل، واليد الأخرى تفتح ذراع التَّضامن وحسن اللُّجوء والاستقبال.

في ظلَّ غياب الإلمام الشَّامل بخلفيات الحدث وصورته وبمنظور زاوية الرؤية الَّذي تختبئ في حجابه الممارسة السياسيَّة والاعلاميَّة للقوى الاقليميَّة والدوليَّة وهي تصنع الحدث وصورته وكذلك بسبب ما يبدو أنَّه خاضع لمنطق الاعتباط في تشتُّت معطيات بؤر التَّوتر الَّتي تحصل في العالم من حروب أهليَّة وهجرات أو لجوء تؤطرها ممارسات سياسيَّة لقوى دوليَّة تصارع بالحديد والنَّار من جهة والتَّحكم النَّاعم حماية وصيانة لما تعتبره مجالها الحيويَّ ومصالحها الاستراتيجيةَّ من جهة أخرى، في سياق هذا كلّه يجد المستهدف القريب المباشر في وجوده ووطنه كما يجد المستهدف البعيد بشكل غير مباشر كشاهد عيان إعلامي، نفسيهما أمام مأزق الهيمنة على إدراكهما وإدارة وعيهما وفعلهما المجتمعيّ السياسيّ. لذلك لم يعد لهؤلاء جميعا متَّسع للأسئلة حول ما تنقله الصورة هل الأمر يتعلَّق بالهجرة أم بالفرار؟ بالتَّهجير والتَّرحيل القسريّ أم بنوع من التَّطهير والإبادة البشريَّة من خلال القضاء ليس فقط على مفهوم الوطن في بعده الجغرافي، بل أيضا وبشكل خاص على الإنسان وإرادته، وقيمته وحصانته الإنسانيَّة باغتيال حلمه بوهم قوارب الحياة الَّتي تقتحم عالم النَّجاة والحريَّة الَّتي ستحوّلهم سريعا إلى مجرَّد سلع تباع في السُّوق بالمعنى الرأسمالي؟

أن تكون حركة الواقع الحيّ هي حركة الواقع الافتراضيّ الَّذي تخلقه القوى الكبرى في الصناعة السياسيَّة والإعلاميَّة كحقيقة نازلة من السَّماء ومخلوقة من العدم، أن تطغى وتسود الصورة كحقيقة وواقع قدريّ طبيعيّ خاصّ بشعوب وثقافات دون غيرها، فهذا ما تريده القوى الإقليميَّة والدُّوليَّة الَّتي تتخفَّى في زاوية الموقع السّياسيّ والإعلاميّ لصناعة الحدث في بنيته وتاريخه. بمعنى أنَّ الحرب السياسيَّة والإعلاميَّة للقوى الإقليميَّة والدُّوليَّة لاتقلُّ همجيَّة ودمويَّة عمَّا يحدث على الأرض من مجازر وإبادة ومآسي إنسانيَّة. وبعبارة أخرى نقول بأنَّ تلك الحرب السياسيَّة والإعلاميَّة وذلك التَّنسيق والتَّنظيم والتَّخطيط الممنهج لخلق الفوضى وإنتاج الماسي والحروب   واجتثاث الشُّعوب من أوطانها تشتغل وفق آليات الرعب والإرهاب النَّفسيّ تبعا لزلزال الصدمة المولد للرعب والتَّبلد وفقدان الذَّاكرة وفق ايقاع سريع مشحون بالغموض وانعدام اليقين في مقاربة الواقع الحيّ بكلّ تعقيدات مستوياته الصراعيَّة، الشَّيء الَّذي يجعل من الانفعال سيَّد الموقف ويجعل من المستحيل التَّفكير أصلا وبالتَّالي التَّفكير بطريقة السُّؤال النقَّديّ والرَّغبة في الفهم والمعرفة.

فما الَّذي تخفيه حركة الشُّعوب الهاربة من أوطانها باسم الهجرة أو اللُّجوء كما تريد منَّا أن نفهم اللُّغة السياسيَّة والإعلاميَّة ؟ ما السّر في هذا الانسجام النَّادر بين تجار تهريب البشر والمؤسَّسات الأمنيَّة والعسكريَّة الأوربيَّة والتَّفاعل الأوربيّ الرَّسميّ والشَّعبيّ مع هدر البشر؟

إنَّ ما لا تدركه الشُّعوب الأوربيَّة في تضامنها كمادَّة وأداة في الصناعة السياسيَّة والإعلاميَّة شبيه إلى حدّ مَّا بما تعيشه الشُّعوب المرحَّلة من أوطانها لأنَّ ما أريد له أن يكون في صدارة الانطباع للسَّيطرة على الإدراك والتَّحكم في الوعي هو أنَّ أوربا وأمريكا هي بلدان الخير والرَّحمة والنَّجاة الأقرب إلى مفهوم الخلاص الدّينيّ، فهي الجنَّة الوحيدة الَّتي لا جهنم فيها لأنَّها لا تستثني حتَّى المتطرّفين.

إنَّ ما يحدث في العالم من كوارث إنسانيَّة، من حروب وأزمات ماليَّة واقتصادية، من حروب في شكلها السياسيّ العرقيّ والطَّائفيّ والمذهبيّ وأيضا من كوارث إيكولوجيَّة ليس اعتباطيًّا في أسبابه وفاعليته ومعطياته بل لكلِّ هذه الويلات في العراق واليمن وسوريا ومصر ومالي والنيجر واليونان وقريبا في إسبانيا والبرتغال وجنوب شرق آسيا… وحدتها وبنيتها ودينامياتها الَّتي تتلازم بنيويًّا في وحدة حركة التَّراكم الرأسماليّ العالميّ ليس في وجهها اللّيبراليّ الدّيمقراطيّ ولا في التَّقدم الاقتصاديّ والاجتماعيّ والعلميّ التّكنولوجيّ، ولا في حقوقها المدنيَّة وحريَّاتها السياسيَّة الَّتي يستأثر بها الغرب الأوربيُّ والأمريكيُّ بل من خلال الوجه البشع لهذا التَّقدم والازدهار السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ والعلميّ الَّذي يتأسَّس على أنقاض ما يخلّفه هذا الوجه الآخر الدَّموي و لخبيث والبشع للتَّراكم الرأسمالي في تجلياته العولميَّة من كوارث ماديَّة وإنسانيَّة وحضاريَّة، في السيطرة والهيمنة سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، إعلاميًّا وعلميًّا، وفي التَّحكم في مصائر الشُّعوب بالتَّدخل الاقتصاديّ والماليّ والعسكريّ المباشر كما حدث بالأمس في الكثير من الدّول حروبا وتشجيعا للانقلابات العسكريَّة واليوم في ليبيا وسوريا واليمن والعراق ومالي والنيجر…

أن تمارس القوى الإقليميَّة الإيرانيَّة والخليجيَّة وبشكل أساسيّ القوى الدُّوليَّة الروسيَّة والأوربيَّة والأمريكيَّة باسم مؤسَّسات ومنظمات المجتمع الدُّولي، وباسم المواثيق الدُّوليَّة في حماية المدنيين من الخراب والدَّمار وهدر الإنسان والشُّعوب الَّتي أكرهت على أن تقامر بحياتها استجابة لمصالح تلك القوى ليس فقط في نهب الخيرات والثَّروات الوطنيَّة بل أيضا في نهب موارده وثرواته البشريَّة بنوع من القدر الطبيعيّ الخاصّ بثقافات وتاريخ هذه الشُّعوب الضعيفة والمنهكة بالاستبداد والقهر والفساد، وبالحروب الأهليَّة وهي تفرُّ من موتها المحتوم نحو الحياة الحقيقيَّة الَّتي ينعم بها الإنسان الغربيُّ. وتفتح هذه القوى ذراعيها للهاربين من جحيم الموت ورعب الدَّمار والخراب، فهذا ما يمكن اعتباره الوجه العنصريَّ القذر واللاَّإنساني للحداثة الغربيَّة وهي تشتغل بأسلوب الصدمة المتجاوز لقدرات الضَّحيَّة ليس في الصمود والمقاومة ولا في الدّفاع والفرار بل تدفعه إلى الشُّعور بأبخس أشكال النُّقص والاحتقار والدُّونيَّة، مع فقدان الوعيّ ومسح الذَّاكرة وحسم العلاقة مع الوطن بالرَّغبة الدَّفينة ليس في حرق القوارب والأوراق الثبوتيَّة بل في حرق الانتماء.

ونحن نرى الشُّعوب تفرُّ من أوطانها وهي تدخل أفواجا إلى أوربا كرأسمال بشريّ يكمل بشكل تلقائيّ إرادي عمليَّة الهجرة غير الشَّرعيَّة للأموال والخيرات والثَّروات المنهوبة إلى جانب بحيرات الأموال المهرَّبة من قبل المستبدين الفاسدين نحو البنوك والمصارف…لانجد سياسيًّا وإعلاميًّا من يحاول فهم هذه النَّتيجة والاشتغال بفكر نقديّ قصد تفكيك وتعرية ما تحاول تلك القوى إخفاءه والتَّستر عن أسبابه حفاظا على الشَّكل السّياسيّ للسَّيطرة والهيمنة ولو تطلب ذلك نشر الخراب وتدمير الأوطان وسفك الدّماء سواء من خلال التَّدخل العسكريّ الصريح ونشر مستشارين وخبراء وجنود أو من خلال توفير الأسلحة والتَّلاعب بالمؤسَّسات القانونيَّة والأمنيَّة الدُّوليَّة إمعانا في قتل الإنسان وقيمته كلَّما تطلَّبت مصالحها ذلك.

إنَّ ما تنقله الصورة اليوم حول الشُّعوب الهاربة بأرواحها هو نتيجة لفعل قوَّة السَّيطرة والهيمنة، والتَّدخل الأجنبيّ في صناعة مصير الدُّول والمجتمعات والأوطان. تلك الشُّعوب الَّتي ليس من حقّها أن تكون وتصير حتَّى تستحق أن تهدم جدار الخوف الرَّهيب وترفع شعار الشَّعب يريد…
من الَّذي تساءل سياسيًّا وإعلاميًّا، أوعلى مستوى التَّحليل النَّقدي الفكريّ والثَّقافيّ أوفي المقالات الرَّخيصة أو الثَّرية لرصيف الصحف عن شرعيَّة الأموال والثَّروات الهائلة الَّتي كشفت بعض معطياتها وبياناتها الثَّورات العربيَّة التي أسقطت أنظمة الاستبداد والقهر. ولماذا لم يسهّل الغرب عودة تلك الأموال؟ وما الإجراءت القانونيَّة الَّتي اتُّخذت في حقّ تلك البنوك والمصارف…؟ ولماذا ظلَّت الشُّعوب الأوربيَّة صامتة في الشَّوارع والملاعب إزاء تلك الهجرة غير الشَّرعيَّة ليس فقط لحركة رؤوس أبل أيضا للأموال المهربة والَّتي الآن لم تعد سرًّا ينبغي كتمانه. نقول هذا ونحن نعرف ما يخفيه جمال الحسّ الإنسانيّ للصُّورة السياسيَّة والإعلامية الغربيَّة من وحدة التَّاريخ الرأسمال العالميّ في وجهيه المتناقضين للسَّيطرة والهيمنة فالوجه الأول يمثّل نموذج نهاية التَّاريخ في صورته الدَّاخليَّة الدّيمقراطيَّة والمتقدّمة على كلّ الأصعدة، هذا الوجه الَّذي لم يكن ليكون كذلك لولا ارتكازه على وجهه البشع والدَّموي في تحقيق التَّراكم والنُّهوض والديمقراطيَّة والتَّقدم على حساب حياة الشُّعوب الضعيفة الَّتي ليس من حقّها اطلاقا أن تفكّر في النُّهوض والثَّورات وتأسيس مفهوم الدَّولة الحديثة والمجال السياسيّ لتصريف التوترات والصراعات و بناء سيرورة أشكال الانتقال السّياسيّ الدّيمقراطيّ. 

على الهامش
تعرض ضحايا التَّدخل العسكريّ الإقليميّ والدُّوليّ في الوطن والَّشتات للكثير من الاستثمار الاقتصاديّ والسّياسيّ والإعلاميّ، واستطاعت هذه القوى أن تخلق أطرافا لها من حركات ومنظَّمات وجيوش متقاتلة فيما بينها باسم أجندتها الخفيَّة. كما غالبا ما تجعل من إحدى الفزاعات الَّتي صنعتها مبررا للتَّدخل العسكريّ تحريفا لمنطق حركة التَّطور التَّاريخيّ الدَّاخلي للشُّعوب في عيش سيرورة التَّحول والتَّغيير.

وفي هذا السّياق تعامل الإعلام الغربيُّ بوقاحة سياسيَّة لا أخلاقيَّة في تسميتهم بالمهاجرين لما لهذا المصطلح من إيحاءات الآخر غير المرغوب فيه كمهاجر غير شرعيّ أي الاعتداء على قيمته الإنسانيَّة بسحبها منه ليسهل تهميشه وازدراءه وتبخيسه كهمجيّ غير متحضّر وبالتَّالي التموقف ضدَّه وربَّما الاعتداء عليه. وعندما تطلَّب الأمر إخفاء اليد الغربيَّة الَّتي تذبح داخل الوطن تمت تسميتهم باللاَّجئين نظرا لما يتأسَّس عليه المصطلح من مواثيق وقوانين دوليَّة تضمن حقوق اللاَّجئ حتَّى يظهر الغرب في صورته النّفاقيَّة كموطن للحضارة وكحام للقيم الإنسانيَّة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق