من «الهدوء الحذر» إلى الملجأ / دلال البزري

القوات السورية التي كانت ترابط على الحدود تدخل الآن العمق اللبناني، ومن الجهات المتاحة لها، من الشمال والشرق. والقصف العشوائي، يطال المحاور التقليدية، خصوصاً في الضاحية الجنوبية. الحصار حول مخيم تل الزعتر يشتدّ، والقوات السورية تقترب من نقطة دعمها للميليشيات اليمينية، صاحبة السبق في محاصرة المخيم وقصفه بأهله. ياسر عرفات وكمال جنبلاط يهاجمان القوات السورية، ويدعوان إلى النضال بكل الوسائل لمقاومة غزوها لبلادنا. ولكن الحياة اليومية الطبيعية تفرض نفسها، خصوصاً ان شريف الأخوي، ذاك المذيع الذي يوافينا عن الأوضاع الأمنية كل لحظة بلحظتها، يعلن على الراديو بأن «هدوءاً حذراً» يسيطر على بيروت.

نحن في أول شهر من حزيران، عيد ميلاد شقيقتي كان البارحة، نقرر أن نحتفل به اليوم كلنا عند أهلي في منطقة الكولا. إنها مناسبة عائلية اشتاق إليها بعد أشهر من النضال والتشتت العائلي، في مركز الشياح، وشهر آخر، مثبَّتة في الفراش. «الهدوء النسبي» هو أكثر من «وقف إطلاق النار»، وأقل من نهاية المعارك: هو يعني انه يمكنك التجول في شوارع المدينة، ولكن ابتعد عن خطوط التماس، وانتبه من قذائف الهاون، أو من شظاياها، التي يمكن أن تسقط على رأسك في أية لحظة. نشدّ الرِحال إذن، من حارة حريك إلى الكولا، أنا وابني وزوجي، وكلنا «حذر» وآذان مترقبة لأزيز رصاصة أو صفير قذيفة.

نصل عند أهلي سالمين، فرحين اننا ما زلنا عائشين، ننسى لساعتين الحرب الدائرة حولنا، نحتفل باجتماعنا، بعيد أختي، وبالأطايب التي أعدّتها أمي. ولكن فترة السماح لا تدوم، ويتحول «الحذر» فجأة إلى هدير طائرات وانفجارات قريبة، نعلم عبر شريف الأخوي انها القوات السورية، تصبّ حممها على منطقة المدينة الرياضية، القريبة من الكولا. ثم تقترب أصوات الانفجارات، كأنها تمشي على خطوط متتالية. الارتباك كبير بيننا، لا نعلم ماذا نفعل؛ النشرة الأمنية تفيد بأن منطقة رأس بيروت، حيث تسكن أختي، «هادئة»، لم يمتد القصف إليها. تحاول أختي إقناعنا بالذهاب معها إلى رأس بيروت، ولكننا نرفض ونقول بأننا سننتظر نهاية القصف… فتحمل اختي ابنها وتخرج مع زوجها ليأخذوا السيارة متجهين نحو منزلهم. أما نحن، فننتظر نهاية القصف ونحن جالسون كلنا، نحن الثمانية، أنا وعائلتي ووالديّ وإخوتي، في الممر الداخلي، «الكوريدور»، الذي نعتقد بأن لا رصاصة تصله ولا شظية. لكن الوقت يتأخر، والليل يحلّ، والقصف يزداد عنفاً، ولا سبيل إلى عودتنا لحارة حريك. فيكون الحل أن ننزل الى «الملجأ». و»الملجأ» هو الطابق السفلي لعمارة ملاصقة لبيت أهلي، يسكنها مستثمر عراقي، اشتراه من مالك البناية، وحوّله إلى «معمل» خياطة. تروي أمي انه، في الأشهر السابقة، كان ينزل هذا المستثمر، مع عائلته، الى «المعمل»، عندما يشتد ضجيج السلاح حول المنطقة، حيث أقام ما يشبه غرفة، تحتل حيزا ضيقا منه؛ فالأشغال لم تتوقف طوال هذه الأشهر، على الرغم من كل شيء. الآن، وبعدما تراجع «الحذر»، ليحلّ الخطر المؤكد، يدعونا الرجل إلى النزول لمعمله، حيث سبقنا أهل بنايته، ولا ينسى العائلة الساكنة بجوارنا، في بيت قديم، له حديقة، وأشجار وبئر ارتوازي. ولكن كيف؟ قبل أن ننزل الأطفال إلى الملجأ نود تفقّده، والإتيان بالأشياء التي نحتاج اليها، إذا قررنا أن نمضي ساعات الليل فيه. ولا نتصور لحظة واحدة بأننا سنمكث فيه مدة أسبوعين. كل ما في بالنا الآن، هو أن تمر هذه الساعات، وغداً نعود إلى بيوتنا. الملجأ، عندما ننزل إليه، هو على حاله: الآلات مصفوفة كما لو كانت سوف تدور بعد قليل، بعضها فقط أزيح جانباً، الأرض متسخة، ولا يوجد شيء يمكن الركون إليه. فاجأتنا القوات السورية نحن في عزّ «حذرنا»؛ كان علينا إزاحة صفة «الهدوء»، والإبقاء على الحذر وحده، ليكون حقيقيا، لا حذر يتحجج بأية إشارة ليتفاءل بداخله، ولا يأخذ بالتحليلات المتشائمة التي تصدر عن منظمتنا، والقائلة بأن الحرب ستطول. ولكن من كان يتصور بأن الذي سيطيلها هو الجيش السوري، حليفنا السابق، وبكل هذا الزخم؟

المهم، هذه الليلة، علينا إيجاد طريقة للنوم في هذا «الملجأ». جارنا العراقي وعائلته «سكنوا» في الغرفة التي خصصت لهم منذ أشهر. اما نحن، فبما اننا لن نبيت فيه إلا لنومة واحدة، فنزيح الآلات، نصفّها بالقرب من بعضها وبمحاذاة الحائط، نكنِّس الأرض قليلا، نجلب بعض الفرش والأغطية والمخدّات، ومعنا راديو الترانزستور لمتابعة الوضع الأمني، و»الأنتريك»، الضوء على البطارية بلمبة واحدة؛ والاثنان، من عدّة ايامنا في المركز… تنقضي الليلة الأولى، بعدما ينام الصغار، ونحن نتعرف إلى بعضنا أكثر، نبدأ بـ»تحليل الموقف»، وننتهي برواية قصص، هي خميرة الأيام التالية…

فاليوم التالي لا يشهد أي هدوء، تشتدّ الانفجارات والقذائف، تقترب، تبتعد، تعود… وأخبار شريف الأخوي عن الجبهات الجديدة التي فتحتها القوات السورية تُدخل الفكرة إلى عقولنا، من اننا عالقون هنا… وان علينا تنظيم إقامتنا القصرية في «الملجأ»، نحن والعائلات السبع. أولاً، طبعاً، النظافة. علينا كنْسه، وشطْفه بالماء. ثم جلب المزيد من الفرش والأغطية والمخدّات، لتفادي نقص الليلة الأولى. وبعض الكراسي الصغيرة، إذ لا يمكن ان نمضي الليل، والنهار من بعده، ونحن مستلقون على الفرش، أو جالسون عليها، وركبِنا إلى فوق. علينا أيضا جلب مزيد من الترانزيستورات من البيوت. فالمراهقون من الأولاد لا يطيقون هذا الاستماع المستمر لأخبار القتال على المحاور، وتعليقاتنا عليها. وجلب بطاريات «الأنْتريك»، وقنديل «اللوكس»، وأكياس الشمع، لكي لا ننقطع في حال… لا نعرف أي حال. النظافة الشخصية هي الأصعب؛ كيف نستحم؟ كيف نقضي حاجاتنا البيولوجية الصرفة؟ في «الملجأ»، لا وجود لحمام، فقط شيء مثل حنفية عالية، يمكنها ان تعبئ غالونات أو قناني. بما ان هذه الحنفية لن تقوم بالغرض، علينا، كلما اقتضت الحاجة، ان نترقّب «هدوءاً حذراً»، لنصعد إلى البيت مثل البرق، نستحم على عجل، ثم نعود راكضين الخمسة أمتار الفاصلة بيننا وبين «الملجأ». الآن، هناك أيضا الطعام. في اليوم الأول أكلنا كل ما تبقّى من أطايب الليلة السابقة، ولكن الآن، علينا تدبير أمر الطعام هذا. بائع الخضار المتجول غاب في الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم السوري على بيروت؛ لكنه يعود الآن، وهو يصدح بأعلى صوته في هذا الممر الذي يشهد عبورنا من بنايتنا إلى باب «الملجأ«. أبو خضر، هو اسمه، أو ربما اسم التسويق لخضرواته، نظرا لكون «أبو خضر» هو أشهر محل لبيع السندويشات على كورنيش المزرعة، ولأنه أيضاً، بهذا الاسم «الأخضر»، يمكنه أن يجتذب الشاردات من ربات البيوت؛ نعرف أبو خضر منذ خمس سنوات تقريباً، نعرفه من صوته الذي يعبِّر عن حالته النفسية بحلاوة تبعث على التسلية. في أيام ما قبل الحرب، نترقبه من الشرفة، وهو يبدأ مشواره مارا في حينا، يصرخ بجوارحه، متحمساً للكوسا فقط، معدّداً فوائدها. وعندما يحلّ الليل، ويعود من الطريق ذاتها، حيث ننتظره أيضاً، يكون صوته حينها خافتاً، تعباً، محبطاً، ومع ذلك يصر على المناداة «كوسا… كوسا…»، كمن يردِّد تعويذة ضد غلّة النهار، البائسة، القليلة. المهم ان ابو خضر يخاطر بحياته الآن من أجل مساعدتنا على تنظيم شأن طعامنا: «كيف وصلتَ إلى هنا يا أبو خضر؟»، وجوابه «شو بعمل يا بنتي…؟ بدي طعمي هلعَيْلة» (ماذ افعل يا ابنتي…؟ أريد ان اطعم عائلتي). المشكلة الثانية، بعد الخضار، هي الخبز واللحوم. الأول يصل إلينا مما نسميه «خطوط الإمداد الخلفية»، أي منطقة رأس بيروت وفردان التي لم يصبها الكثير، حيث تعيش خالتي، وترسل لنا «ربطات» الخبز مع أحد المتطوعين، غالباً هو ناطور عمارتها. أما اللحوم، فهناك دكانة أم عفيف، التي تحتوي على معلبات التون والساردين و»الكورن بيف»، وهذه الأخيرة عبارة عن لحمة معلبة، غارقة في الدهن، يمكنك طبخها او أكلها نيئة، لذيذة مع الحامض في قلب سندويشة. فيها الكثير من الدهن، «الكورن بيف» هذه، ولكننا نحبها، نشتهيها بكل شحمها وقرفها.

انها تجربتي الأولى مع الحرب وأنا خارج المركز الحزبي. انه درسي الأول في الحرب الصريحة، غير المحمية لا بمبنى ولا تنظيم ولا مسلحين، الحرب بصفتها مواجهة مباشرة مع كل الاحتمالات: وكلها احتمالات أن تبقى عائشاً، أن تعدّ نفسك كل لحظة لاختراع طريقة جديدة تبقيك عائشاً. أكثر ما أحفظه من هذين الأسبوعين في الملجأ هو تحضير كيس كبير، أو شنطة، تحتوي على راديو ترنزستور، انتريك، بطاريات، أغطية، معلبات، شمع، صابونة، كعك (بدل الخبز)، قنينة مياه، غيارات لابني، وشنطة صغيرة للإسعافات الأولية… الشنطة موضوعة على باب البيت، بحيث يمكن أن نتناولها ونحن هاربون منه. ومع الوقت، وضعت على الباب شنطة أخرى، زرقاء، تحتوي على كل صوري الفوتوغرافية. فكرة ضياع الصور أو احتراقها راودتني أثناء «الهريبة» الثالثة. ولم أطقْ الفكرة، فوضعت شنطة الصور على الباب، تنتظر مع غيرها فرارنا.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق