دفاع عن حضارة مفترى عليها كارل رودبيك Carl Rudbeck

السُّمعة السَّيِّئة للإسلام وعلى نطاق واسع في الغرب لم تعد سرًّا، ولا حتَّى خبرًا جديدًا. فطوال أكثر من ألف سنة جرى إظهار محمَّد وأتباع دينه كأكبر تهديد للحضارة الغربيَّة والعالم المسيحيِّ. وعلى مدار السِّنين كان هذا التَّهديد يأخذ في كلِّ مرَّة شكلاً مختلفًا، وها هو اليوم يأخذ كما نرى ونسمع شكل تهديد ديموغرافيٍّ. فهناك أحزاب معينة تقوم برامجها على افتراض مغلوط بأنَّ المسلمين في الغرب صاروا من الكثرة بحيث أنَّهم سوف يستخدمون الوسائل الدِّيمقراطيَّة للوصول إلى الحكم وفرض الشَّريعة وتعدُّد الزَّوجات ويمنعون الكحول ويجبرون جميع النِّساء على ارتداء الحجاب. فإذا لم يكن هذا السيناريو مرعبًا بما يكفي يتمُّ دمغ المسلمين بأنهَّم مشاريع إرهابيين سيدمرون هذه الدِّيمقراطيَّة اللِّيبراليَّة ويبدلونها بالاستبداد الشَّرقيِّ. أمَّا النُّقاد لهذه الحمى العنصريَّة، الَّذين يجرؤون على الإشارة برصانة علميَّة إلى مواطن الضُّعف في هذا التَّهديد المزعوم فتتمُّ مهاجمتهم ويوصفون بأنَّهم “حمقى نافعون” يلعبون دور حفاري قبر الغرب.

ووسط هذه البروباغاندا المبتذلة، صُوِّر المسلمون بأنَّهم أعداء لكلِّ القيم الخيِّرة، معارضون للتَّعليم والتَّنوير ويريدون أن يستبدلوهما بظَّلاميَّة الإيمان النُّصوصيِّ. وإلاَّ بماذا نفسر تدمير المسلمين لمكتبة الإسكندريَّة عندما فتح جيش الخليفة عمر المدينة سنة642، بعد عشر سنوات فقط من وفاة النَّبي محمَّد؟ في هذه المكتبة جمعت معارف العالم، ودمِّرت إمَّا بحجة أنَّ المعرفة موجودة في القرآن وبهذا فلم تعد ثمَّة حاجة إلى المكتبة، وإمَّا بحجة أنَّ الأفكار الَّتي تضمُّها المكتبة مخالفة للقرآن ولهذا فلا حاجة بها أيضاً! هذا ما يردِّدونه بيقين تامٍّ. لكن هل حقًّا أحرق المسلمون مكتبة الإسكندريَّة؟!

إنَّ حرق المسلمين مكتبة الإسكندريَّة هي كذبة تاريخيَّة استخدمتها فيما بعد البروباغاندا المعادية للمسلمين، وهي كذبة نشطة بحيث ما يزال هناك إلى اليوم من يعتقد بأنَّها حقيقة. في كتابه “إرث بغداد: كيف تمَّ الحفاظ على المعرفة اليونانيَّة وإثراؤها” يتناول إنغمار كارلسون، الدُّبلوماسي السُّويديُّ والكاتب السِّياسيُّ المخضرم، هذه الحادثة التَّاريخيَّة المختلَقة كإحدى النِّقاط الَّتي ينطلق منها ليظهر كمّ الزَّيف في الصُّورة المتداولة عن الحضارة الإسلاميَّة. إنَّ هذه الصُّورة لا تقتصر على مكتبة الإسكندريَّة، الَّتي كانت مدمَّرة قبل زمن بعيد من وصول الجيوش العربيَّة إلى الإسكندريَّة. فالمؤلِّف يطمح إلى أن يستعيد للحضارة الإسلاميَّة مكانتها الأخلاقيَّة، ويبيِّن كيف أنَّها – على أقلِّ تقدير – أنقذت جزئيًّا التُّراث الثَّقافيَّ القديم للغرب وقامت بتطويره أحيانًا ثمَّ أعادت إرساله إلى أوروبا.

بدأ ذلك في بغداد عندما أمر الخليفة العباسيُّ ببناء بيت الحكمة، حيث كان يجري هناك تشجيع الدِّراسات الحرَّة وقبل كلِّ شيء تشجيع أعمال التَّرجمة والَّتي كانت دائبة ونشطة. وكان أفضل ازدهار للتَّرجمة قد حصل زمن الخليفتين هرون الرَّشيد وابنه المأمون في أوائل القرن التَّاسع. وكان من أهمِّ الأسباب المساعدة لذلك هو تبني الخليفة لفكر المعتزلة، الَّذين كانوا يمثِّلون مدرسة فكريَّة قائمة على العقل، فقد رأوا أنَّه عندما يتعارض القرآن مع العقل فعلى المرء أن يفسِّر القرآن تفسيراً مجازيًّا، فالله أعطى الإنسان العقل ليفكِّر به ولا يريدنا أن نكفَّ فجأة عن استخدامه.

جعل فكر المعتزلة من بغداد مكانًا صالحًا لعمل الدِّراسات الحرَّة الَّتي لم تكن معتادة وقتذاك. فقامت مجموعة كبيرة من المترجمين – يهودًا ومسيحيين ومسلمين في مزيج ناجح – بترجمة نصوص يونانيَّة إلى العربيَّة، سواء كانت نصوصًا في علم الطبيعة أو في الفلسفة، ولكن – لسبب مَّا – نادرًا ما كانت بينها نصوص أدبيَّة. وقد يكون ذلك لاعتقاد العرب وقتها بأنَّ جودة الشِّعر العربيِّ هي من الكمال بحيث لا حاجة بهم إلى الشّعر اليونانيِّ. أمَّا الدراما، الَّتي اشتهرت اليونان بها، فكانت شكلاً فنِّيًّا شعبيته ضئيلة في العالم الإسلاميِّ آنذاك.

كانت الرياضيات والطبُّ والفلك – المرتبط غالبًا بالتَّنجيم – ثلاثة علوم تولَّت معالجة التُّراث الكلاسيكيِّ اليونانيِّ. فطوَّر علماء الرياضيات الجبر واتَّخذت الخوارزميات اسمها من أسم العالم “الخوارزمي”. وكانت للرياضيات أغراض عمليَّة مثل توزيع الإرث في الأسر ذات الرَّوابط المعقَّدة في ظلِّ تعدُّد الزَّوجات والإخوة وأنصاف الإخوة. كذلك علم الفلك كانت له غايات عمليَّة وذلك لأهميَّة معرفة وجهة الكعبة ومعرفة ابتداء شهر رمضان وانتهائه. ونجح الجغرافيون، كالبيروني الَّذي نشط في ما يعرف اليوم بأفغانستان، في حساب محيط الأرض بدقَّة مثيرة للدَّهشة؛ وبعد قرن من ذلك كلَّف الملك المسيحيُّ روجر الثَّاني في صقلِّيَّة جغرافيَّه المسلم محمَّد الأدريسيَّ بوصف جغرافية كلِّ العالم المعروف آنذاك. وأرسلت الدَّولة العبَّاسيَّة الباحثين في رحلات بحثيَّة بهدف التَّوصل إلى أكثر النَّتائج يقينيَّة. وفي الطبِّ نجد أنَّ كثيرًا من كتب العلماء المسلمين ظلَّت تستخدم لعدَّة قرون في الجامعات في أرجاء أوروبا.

هذا ولا يسع المرء إلَّا أن يعجب بالسُّلوك العلميِّ الَّذي يسم هذه البحوث. فهي لم تكن مقيَّدة بفكر السَّابقين. حين تناقضت الملاحظات الجديدة مع ما قاله أرسطو فقد تمَّ تجاوز أرسطو. فلدينا هنا نظر علميٌّ درس الواقع بلا شروط مسبقة ورمى بعيدًا- في الوقت عينه – بالأساطير القديمة والأحكام المسبقة. إنَّما يستحقُّ منَّا الإعجاب هنا هو الأسلوب بحدِّ ذاته بصرف النَّظر عن النَّتائج.
الفلسفة أيضًا كانت مجالاً بارزًا خلال عصر الازدهار الإسلاميِّ. ويعرض كارلسون باختصار لأهمِّ الأسماء في هذا المجال، كالفارابي مثلاً الَّذي وصف في فلسفته السِّياسيَّة – إتّباعًا لأفلاطون وأرسطوطاليس – كيف تبدو الدَّولة الفاضلة. وعند الفارابي سنتذكَّر مسألة الصِّراع بين العقل والوحي، ذلك الصراع الَّذي صار أقوى حدَّة مع الوقت بعد أن فقدت مدرسة المعتزلة حظوتها وصارت مُزدراة. أمَّا ابن سينا، المعروف في أوروبا باسمAvicenna، فهو الأعظم بين فلاسفة المسلمين. وكان أيضًا طبيبًا نابغًا منذ شبابه المبكِّر. نجد ذروة فلسفته في القسم الختاميِّ (الميتافيزياء) من موسوعته “كتاب الشِّفاء” الَّذي بحث فيه الوجود؛ وقاده ذلك إلى مناقشة مفهوم الله، فحاول، بطريقة لها أهميَّة بالغة في مدارس العصر الوسيط، أن يمازج اللاَّهوت الإسلاميَّ مع الفلسفتين الأرسطيَّة والأفلاطونيَّة الجديدة.

كان عصر ازدهار الفلسفة الإسلاميَّة قصيرًا نسبيًّا، ويشارك كارلسون مستشرقين آخرين في اعتباره الغزالي مسبِّبا رئيسيًّا في ذلك. فقد نأى هذا اللاَّهوتي الحادّ الذِّهن بنفسه عن العلم والفلسفة، وازدرى مفهوم السَّببيَّة البالغ الأهميَّة للعلم واستبدله بقدرة الله. ورفض اعتبار العقل مصدرًا شرعيًّا للمعرفة فيما يتعلَّق بالأشياء الأخرويَّة. وقد تلقى الغزالي ضربة مقابلة من ابن رشد الَّذي كان يقف في صفِّ التَّقاليد الأرسطيَّة وحاول في كثير من كتاباته التَّوفيق بين الدِّين والفلسفة، بين العقل والوحي. كان ابن رشد غالبًا ينشط في الأندلس، البلاد الَّتي ازدهرت في العصر الإسلاميِّ وفيها أبدعت الطبقة العليا في مجال الفنِّ المعماريِّ والشِّعر. ويقدر المؤلف عاليًّا كلَّ ما تمَّ إنجازه في الأندلس ولكنَّه لا يدخل في مجال التَّمجيد المعتاد لتلك الحقبة؛ فهو يبرز التَّعايش بين أتباع الدِّيانات المختلفة في الأندلس، ذلك التَّعايش الَّذي لم يكن يمكن تصوُّره في ظلِّ الدَّولة المسيحيَّة، ولكنَّه يوضِّح في الوقت نفسه أنَّ الأندلس لم تكن مكانًا مثاليًّا تمامًا فقد كانت الأقليَّات فيها تحسّ بالتَّهديد والملاحقة والظُّلم.

يتساءل كارلسون، كما تساءل كثيرون غيره، كيف أنَّ هذه الحضارة الثَّريَّة قد انهارت بسرعة وانتهت إلى حالة من الركود الفكريِّ الطويل. ففي عام 2005 نشرت جامعة هارفارد لوحدها نصوصًا علميَّة أكثر ممَّا نشر في العالم العربي كلُّه. ويعرض المؤلف إحصاءات محبِطة عن الجمود الفكريِّ في هذا الجزء من العالم. ويؤكِّد أن الدُّوغمائيَّة الدِّينيَّة هي أحد الأسباب الرئيسيَّة. والسَّبب الآخر هو الطريقة الَّتي تمَّ التَّعامل بها مع الشَّرق الأوسط بعد الحرب العالميَّة الأولى، عندما وضعت بريطانيا وفرنسا حدودًا تعسفيَّة تناسب المنتصرين في الحرب دون إيلاء اعتبار لسكان المنطقة. ورغم ذلك لا يرى كارلسون الوضع ميئوسًا منه: “يمكن لمسلمي أوروبا في المستقبل أن يكونوا قدوة من خلال نقلهم التَّفكير الدِّيمقراطيَّ والأفكار اللِّيبراليَّة والإصلاحات إلى بلدانهم الأصليَّة”، يكتب إنغمار كارلسون.

“إرث بغداد” كتاب محكم وثري بالمعلومات، هذه المعلومات الَّتي هي عناصر دفاع المؤلِّف عن حضارة تعرَّضت سمعتها لتشويه كبير. إنَّه مساهمة قيِّمة في فهم حضارة كان لها تأثير عميق في التَّطوُّر الَّذي حصل بعد ذلك فوق أرض أوروبا، وفي فهم المسلمين والعرب بعيدًا عن القولبة العنصريَّة وإنَّما كشعوب يمكن أن تبلغ الذرى في العلم وفي الحضارة مثلما يمكن أن ينحطَّ حالها الثَّقافيُّ إلى الحضيض وذلك تبعًا لظروفهم السياسيَّة والاجتماعيَّة، مثلهم مثل أيِّ شعوب أخرى في العالم.

الهامش:

(عن الملحق الثَّقافي لصحيفة سفينسكا داغبلادت)
عنوان المقالة الأصلي: Försvarstal för en förtalad civilisation
عنوان الكتاب: Arvet från Bagdad: Hur det grekiska vetandet bevarades och berikades
المؤلف: Ingmar Karlsson

النَّاشر: هستوريسكا ميديا – ستوكهولم، 2014.
كاتب المقالة حول الكتاب: Carl Rudbeck

* إنغمار كارلسون: دبلوماسيٌّ وكاتب سياسي. عمل سفيرًا للسُّويد في عدَّة بلدان منها تركيا ودمشق. أصدر كتبًا عديدة في السياسة الدُّوليَّة ومنها كتب عن بلدان وشعوب الشَّرق الأوسط. وكانت كتبه تثير على الدَّوام اعتراضات من القوميين والمتطرفين من أبناء الشَّرق الأوسط المقيمين في السُّويد(شهد مترجم هذه المقالة محاضرة لكارلسون في العام الماضي (2014) قام خلالها شبَّان صهاينة بإثارة التَّشويش والتَّهجم اللَّفظي عليه لأنَّ موضوع محاضرة هو كتابه عن الصهيونيَّة. منح أكثر من دكتوراه فخريَّة.
* كارل رودبيك: ناقد وكاتب سياسيٌّ سويديٌّ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This