تلك الأماكن وذلك الحفل والسَّنة الهجريَّة

حفل تكريم الشَّاعر محمد الصَّغير أولاد أحمد في المسرح البلديّ هو حدث ثقافيٌّ استثنائيٌّ من جهة تنظيمه من قبل وزارة الثَّقافة، ومن جهة فضاء التَّكريم على ركح المسرح البلديّ، أهمُّ معلم ثقافيّ للعروض والمناسبات الفنّيَّة الكبيرة في البلاد، وخصوصا من جهة الشَّخص المكرَّم والجمهور الحاضر بكثافة، وهو من صفوة النُّخبة الثَّقافيَّة والسياسيَّة. ثمَّ من جهة توقيت التَّكريم الَّذي هو رأس السَّنة الهجريَّة 1437.

شاعر تونسيٌّ من شعراء هذا العصر ومن أسماء هذا السّياق الثَّقافي الغامض، والَّذي يبدو في راهنه كأنَّه فاقد للمعايير والأقدار والموازين، والجميع في حالة شكوى، والجميع يلعن الجميع، في مثل هذا لسياق يحدث هذا الحفل الَّذي حظي بتنويه الجميع، تقريبا… لولا بعض الشَّماتة من الحاقدين على الشّعر والحياة الَّذين روَّجوا صورة للشَّاعر تجسّد معاناته الصّحيَّة والمرض الخبيث على ملامحه من المنتسبين للإسلام في هذه البلاد المنكوبة بأمثالهم وأمراضهم العقائديَّة السَّرطانيَّة.

وصدق رسول الإسلام الَّذي يقول: “لا تظهر الشَّماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك” والأخوة هنا أخوَّة الدّين أو أخوَّة الإنسان.

٭٭٭
لم أحضر من الحفل إلاَّ لحظة عناق الوزيرة للشَّاعر المُحتفى به، وعناق الشَّاعر للوزيرة وسط التَّصفيق والحضور الملتهب المشاعر، مع أنّي تابعت البرنامج الَّذي ضبطه الشَّاعر بالتَّنسيق مع وزارة الثَّقافة والمحافظة على التراث منذ البداية… 

عوض أن أحضر وقائع حفل الشَّاعر بالمسرح البلديّ رحت أبحث عن أولاد أحمد في الشَّارع الرئيسيّ، شارع الحبيب بورقيبة، حيث نما الشَّاعر وترعرع في جوف ذلك الشَّارع الشَّهير وقاعاته وعلى عتبات ليله وما يطوّح به النَّهار…

من ذلك الشَّارع ابتدأ الشَّاعر مغامرته الشّعريَّة كعدَّاء ريفيّ لغويّ يتدرَّب على السُّرعة انطلاقا من نصب تمثال ابن خَلدون، على ناصية الشَّارع، جنب الكنيسة الكاتوليكيَّة بمعمارها المسيحيّ الرَّاسخ، وعلى يساره سفارة فرنسا بتونس، ووجه التّمثال في حالة قيام فولاذيّ شامخ في اتّجاه مطلع الشَّمس، وكان نصب تمثال الزَّعيم الحبيب بورقيبة على حصانه الحديديّ على مرمى نظر المؤرّخ في نهاية الشَّارع الرئيسي لعاصمة البلاد… وبين تمثال المؤرّخ وتمثال الزَّعيم مسافة أشجار وعصافير والمقر الرَّمادي لوزارة الداخليَّة.

إنَّه شارع رئيس ولكنَّه صغير بما فيه الكفاية ليتَّخذه الشَّاعر أولاد أحمد مرعى لأحلامه وكوابيسه وصحوه وسكره، حيث يؤسّس دولته الفاضلة بعد أربع قوارير خضر، مثلما أشار إلى ذلك في إحدى قصائده المبكرة.

ومنذ كتابه الأوَّل: “نشيد الأيَّام السّتَّة” المنشور في بداية الثَّمانينات، وهو أوَّل كتاب/ ديوان تونسي يمنع من النَّشر وتتلف نسخه، وكان ذلك في حكومة الوزير الأوَّل محمد مزالي ورئاسة الحبيب بورقيبة، اختار الشَّاعر لنشيده فضاء الشَّارع الرَّئيسيّ وأقام حواريَّة شعريَّة بين التّمثالين، الَّذي لم يبق منهما إلَّا تمثال ابن خلدون، أمَّا تمثال بورقيبة فقد وقع اقتلاعه من مكانه وتعويضه بساعة عندما أزاح الجنرال زين العابدين بن علي الرَّئيس الحبيب بورقيبة عن الحكم وتولَّى رئاسة الجمهوريَّة التُّونسيَّة، وأحال زعيم البلاد على عزلة شبه انفراديَّة في مدينته المنستير…

بالكيل الَّذي تكيلون به، يكال لكم. كما يقول السَّيّد المسيح. وأزاح الشَّعب بن علي مثلما أزاح بن علي بورقيبة… ودخلنا في أطوار جديدة من الشَّرعيَّة الوطنيَّة صار فيها الشَّعب والصندوق الانتخابيُّ هو صاحب السّيادة، بعد ثورة لم نصدّقها بعدُ، رغم أنَّها لا تنفكّ تعلن عن فعلها العميق في كلّ شيء. وصار يمكن للبلاد أن تحتفي بأحد أبنائها الشُّعراء/ الأشقياء المنشقين. 

٭٭٭
تمَّ ذلك الحفل التَّكريميُّ الرَّسميُّ للشَّاعر محمَّد الصَّغير أولاد أحمد في يوم الأربعاء، الأوَّل من السَّنة الهجريَّة الجديدة 1437 الموافق 14 أكتوبر 2015، وهو يوم عطلة رسميَّة، فالبلاد تعطّل إدارتها في الأعياد الوطنيَّة والدّينيَّة والعالميَّة، دون أن يكون سكَّان البلاد على علم ودراية بالأسباب تجعلهم يعطّلون أو تجعلهم يشتغلون، إلَّا بما تدرُّه الاحتفاليات والأعياد على البطون من مأكولات ومشروبات المناسبات…

٭٭٭
تلك الأربعاء الهجريَّة كانت يوم عطلة وطنيَّة دينيَّة تونسيَّة، وحين نزلت للشَّارع الرَّئيس في المساء قرَّرت أن أتجوَّل مع طيف أولاد أحمد في تلك الأماكن الَّتي أكلنا فيها وشربنا في الضَّوضاء، وأكلت أيَّامنا والضوضاء، وكانت مناديلنا وأوراقنا على الطَّاولة.

من الأنهج المتفرّعة على الشَّارع الرَّئيس تبدأ الجولة المسائيَّة وهجرتنا بين خمَّارات البلاد واختمارها وضوضائها المرعبة وهمس العيون والانفلاتات والمعلومات والوشايات والثَّرثرات تتجوّل عارية ونحن نصفّق لها ونهلّل…

في تلك المنعطفات الَّتي تجندل الرّجال والنّساء وتذاع فيها الأسرار وتتدهور السَّرائر والأسرَّة والكراسي. كان أولاد أحمد أنس المجالس وشيطانها، وكان يتكلَّم بصوته الَّذي أكله الجفاف من فرط التَّدخين والشُّرب والصياح، ويقول ما في نفوس الجميع ويسكر ويبثُّ السّكر في المحيط. تحتفي به المعارضة ويحتفي به الحزب الحاكم، كلٌّ بطريقته، وأولاد أحمد يلاعب الجميع ولا يتعب، ومثلما يُفرط ولا يفرّط في الكلام يُفرط في السُّكوت، حين يتولَّى المسؤوليَّة والإدارة، إلاَّ إذا طفطف عنده الكيل واختلَّ الميزان، حينها يزلزل الوضع برمّته. إنَّه من سيدي بوزيد ويعرف كلّ ألوان الذُّعر وسرعة السباق واللَّحاق بالنَّار حال اندلاعها، وإذا تطلَّب الأمر يعلن من أجل ذلك قيادة شعريَّة للثَّورة التُّونسيَّة لم يعيّن فيها إلَّا شخصه وشعره ولا غير ذلك، إنَّه وريث واحد وحيد للبوعزيزي، سارق النَّار، ومستعدٌّ للقتال في سبيل ذلك والطلوع للجبال مثلما هدَّد ذات اندلاع ثورة وثورة مضادَّة…

أولاد أحمد لا يُضاهى في هذا الشَّأن، شأن الرؤية عن بعد، وبمنظار شعري فريد، قلَّ نظيره في هذا الزَّمان، وكان النَّاس حين يستمعون إليه، في تلك الأماكن، يستمعون للأشواق والرؤى والقول الفريد. 

٭٭٭
تلك الأماكن كانت في كلّ شارع بورقيبة الرَّئيس والطرقات والأنهج المتفرعة عنه مغلقة، حسب استقصائي الصَّحفيّ في ذلك المسائيّ الهجريّ لمدينة تونس، بما في ذلك المطاعم الَّتي لها طعم المهانة البشريَّة والصَّخب والخدمات الرَّديئة والمتربصين والمتربصات…

وكنت أتفادى الذَّهاب إلى دار الصّحفي، خشية أن أصادف من يسكر بي أو أسكر به، وحالتي الصحيَّة، كما يعيّرني بها الملولي رضا، لم تعد تسمح لي بالعربدة، وملاكمة أمثال الملولي رضا، مع أنّي دائما في مثل تلك الحالات أعوّض غالبا اللَّكمات بالكلمات كلَّما اقتضى الأمر…

ولكن طمأنني زميلي الجزائري الَّذي يشتغل عند الألمان والَّذي أناديه عبد الحقّ عبد الغني عبد الغفور عبد ماذا أنت، يا لخو… وكان دائما معي بالأحضان لرفعة أخلاقه الأمازيغيَّة الجزائريَّة الصميمة، وأعلمني في خبر، من شيم الزُّملاء، أنَّ دار الصّحفي ليست فائضة بالخلق، وأنَّه يمكن تناول كأس للرَّأس السَّنوي الَّذي في هجرة الدّماغ…

دخلت الدَّار وأنا أبسمل خشية أن ينبثق لي أولاد أحمد من حائط أو جدار أو لوحة معلَّقة، أو يهجم عليَّ شخص ينتحل ظلَّه وسلوكه، وكان حفل أولاد أحمد في المسرح البلديّ على البال، وكان ما يشغل البال، خصوصا، كيف ينعكس ظلال الاحتفال على الشَّارع الرَّئيس، شارع الحبيب بورقيبة، ودار الصّحفي هناك تقابل وزارة الدَّاخليَّة، والبثّ مباشر تقريبا…

٭٭٭
زميل عتيق مثلي يدخل لدار الصّحفي فهو يَسكر بالقبلات والعناق وإدارة الأعناق والاختناق، حفاوة تصيب بالسّكر، في حدّ ذاتها، من فرط كرم الزُّملاء السَّكارى في دارهم، وعلى حسابهم الشَّخصي، حتّى نكون منصفين، تقريبا…

اتَّخذت مجلسي سريعا قبل أن يغمي عليَّ من تبويس الأعناق والشّفاه تتمتم بتعويذة مَّا. وكان مجلسي بالمصادفة المحضة حذو رئيس من رؤساء القطاع الصَّحفي، وقد أحسنت الاختيار المحض لأنذَ الزَّميل حماني بأحاديثه المفيدة لشخص مثلي منقطع عن القطاع…

٭٭٭
ولكنَّ العرف، أحمد الحاذق العرف، سيّد المكان، وأقصد بالمكان فضاء شارع الحبيب بورقيبة كلّه، وأقصد بالسيادة سيادة العرف على المشهد الثَّقافيّ المشاغب حين انبثق أولاد أحمد في الوجود الثَّقافي للبلاد، وكان أحمد الحاذق العرف نجم النُّجوم والملتقيات والنَّوادي الثَّقافيَّة، وكان يشرف على الملحق الثَّقافيّ الشَّهريّ لجريدة الشَّعب الَّتي تصدر عن الاتّحاد العام التُّونسي للشُّغل، وكان ملحقا ثقافيًّا رائدا ضمَّ أبرز الأسماء… 

نطَّ العرف بخفَّته المشهودة بجانبه وأوحى لي أن ثمَّة مكيدة في الأمر…

قلت: ماذا؟

قال: ألا تفهم يا أيُّها الأبله، أنَّ أولاد أحمد تعرّض للسَّنة الهجريَّة، حين خاطب القوم في اعتصام الرَّحيل بباردو سنة 2013، ذات رمضان، والقلوب مهتاجة والصيام يكاد يفتكُّ بالمفطرين، بأنَّ الحداثة تنتمي إلى الزَّمن الميلاديّ، في ذلك اليوم الثلاثاء 06 أوت 2013، وأنَّ القدامة والظَّلام ينتميان إلى يوم 28 رمضان 1434 من السَّنة الهجريَّة… كان ذلك كذلك في تلك الأوقات الَّتي كانت تنذر بالدّماء وصدام الحداثة والقدامة في البلاد…

أضاف أحمد الحاذق العرف:

لقد احتفلوا به في رأس السَّنة الهجريَّة بإغلاق الأماكن، تلك الأماكن الَّتي تغنَّى بها أولاد أحمد في شارع الحبيب بورقيبة وفيها عاش وكتب المقالات والأشعار… فهل فهمت أنَّ البلاد تُحسن الشعوذة وذرَّ البخور على الجمرات وإغلاق الخمَّارات الَّتي يهاجر إليها الَّذين في قلوبهم ضيق بكلّ هذا الواقع وما يقع فيه… 

وكان ردّي على أحمد الحاذق العرف، حين أوحى لي بما أوحى: أعوذ بالله منك أيُّها الإمبراطور، كما هو اسمه عند أهل الشَّارع الرَّئيس، لقصر قامة العرف وعثنونه الطويل وسحنته الَّذي تشبه أباطرة اليابان القدامى.

وأضفت:
كم أنت فظيع…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This