سرائيل: معارك أخرى إضافة الى إطلاق النار! / نهلة الشهال

… وأول تلك المعارك تلك المتعلقة بالصورة. فقد وجهت وزارة الخارجية الإسرائيلية نهاية الأسبوع الماضي خطاباً رسمياً إلى «غوغل» الذي يدير موقع «يوتيوب»، تطلب فيه حجب «الفيديوات الحاقدة» باعتبارها تمجد عمليات رمي الحجارة والطعن بالسكاكين التي يقْدم عليها الفلسطينيون. ويبدو انه تم بالفعل حجب عدد من الأشرطة. ما لا يُمنع هو أن الذي يتوافر منها على شبكات التواصل الاجتماعي، كـ «فايسبوك»، تبقى كميّته هائلة و «كافية»، والأهم أنه، وعلى أية حال، يصعب «قلب الصورة» (كصورة وكانطباع راسخ)، ناهيك عن منعها.

فصور القتل والسحل وترك الجرحى ينزفون حتى الموت، وإطلاق النار على أي مشتبه به، والإصابات القاتلة عن عمد، واستهداف الأطفال الخ… تشكل سلسلة بشعة، وهي متوافرة ومتداوَلة. لا يمكن بسهولة الشفاء من الفيديو الذي يظهر ولداً مصاباً يطلب المساعدة والإسعاف، بينما يحيط به إسرائيليون لا يستجيبون لنداءاته، بل يصرخ في وجهه واحد منهم بتكرار: «يللا، مت با ابن الـ…»، وهو بالفعل نزف حتى الموت. وفي 2013، انتشرت صورة التقطها قناص إسرائيلي عبر منظار بندقيته، لرأس فتى كان يصوب عليه فوهتها. وضع الجندي مور اوستروفسكي (20 سنة) تلك الصورة على «انستغرام»، ثم ادعى حين استُنكر المشهد أنها ليست له وأنه وجدها على الشبكة. وأغلق حسابه بعد ذلك بقليل. وهو ما تكرر مع مئات الصور المختلفة والفيديوات (وبعضها بذيء فعلاً، وبعضها يتوسل الجنس) التي راحت تنتشر بكثرة بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي رسمياً في 2012 انه سيستخدم «انستغرام» كجزء من آلته الدعائية.

لكن يبدو أن ضبط الأمر في حدود «اللائق» أمر في غاية الصعوبة. فبعد تلك الصورة لرأس الطفل ضمن المربع، انتشر فيديو لجندي إسرائيلي يلعق سكيناً يوحي بأنه يقطر دماً ويقول: «دم العرب لذيذ المذاق»!

وفي مجال آخر يتندر الفلسطينيون (وسواهم) على صور وفيديوات تظهر الرعب الذي بات ينتاب الإسرائيليين من ظلهم كما يقولون. وآخرها منذ أيام مشاهد الفرار من ذلك القطار بالقرب من حيفا، حين صرخ جندي في داخل مقصورة مغلقة: «مخرّب»، ثم أطلق النار، لأنه تراءى له ان هناك فلسطينياً يحمل سكيناً. توقف القطار وهرع ركابه إلى الخارج وانتشروا على خطوط السكة الحديد ليتبين أن الأمر كان مجرد تخيل وخوف. أو السخرية من الحادث الذي طاول أوري رزكين، وهو شاب اسرائيلي يهودي تعرض للضرب المبرح (يقول لأربع مرات!) قرب حيفا لمجرد أن سحنته «تشبه العرب»، وهو يقول في مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي من سريره في المستشفى انه ظل يقول للمعتدين عليه «أنا يهودي»… من دون جدوى، واصفاً الفعل بأنه ينم عن الحقد. أو تلك الصورة لشاب آخر يتنزه مرتدياً «تي شرت» كتب عليها «اهدؤوا، أنا يمني»، لعلها تلخص وحدها تلك المفارقة، فالشاب، وإن كان يهودياً، فهو بالفعل عربي!

في المقابل تنتشر صورة ذلك المسن الفلسطيني بحطته وعقاله الذي اقترب بكل شجاعة من الجنود وهم مشتبكون مع رماة الحجارة، وراح يناقشهم لمنعهم من إطلاق النار على صبي، فضاقوا ذرعاً به ورماه أحدهم بطلقة. وأما الأكثر «شعبية» فصور الشابات الفلسطينيات اللواتي يجمعن الحجارة أو يرمينها أو يستعملن المقلاع لرميها، أو، وبكل بساطة، يتظاهرن. وحين يجري توقيفهن لا يأبهن، وترتسم على وجوههن ابتسامة عريضة، هي نفسها ابتسامة الشبان عند الاعتقال، مما يثير غيظ الإسرائيليين إلى أبعد حد.

وهذه كلها وقائع مشهدية أبلغ من أي نص أو بيان. فالقاعدة المعلومة هي أن السلطة لا تشتغل أو هي لا تصبح مهيمِنة إلا باعتراف المتسلَّط عليهم بها وخضوعهم لها.

وأما الأغرب من خوض إسرائيل معركة الصور تلك، والتي تبدو فيها فاشلة على رغم ضخامة إمكاناتها وقوة آلتها الدعائية وتشعبها العالمي، فهو القرارات الرسمية للاجتماع الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية قبل أيام، والذي أقر بأنه لن يسلم جثث الفلسطينيين الذين يستشهدون لذويهم بعد الآن، ويدرس إمكانية دفنهم في «مقابر الأرقام» التابعة للجيش الإسرائيلي. وأشار «وزير الأمن الداخلي» الإسرائيلي جلعاد أردان (صاحب الاقتراح) إلى أن هذا القرار يأتي «للحد من تحويل جنازات الفلسطينيين إلى تظاهرات تدعم عمليات جديدة».

لكن هناك بعداً آخر انتقامياً جلياً في ذلك القرار، خصوصاً حين نستذكر أهمية استعادة الرفات في المعتقد اليهودي (وأي جزء من الجثة)، وهناك طقوس خاصة في الشأن كما منظمات غير حكومية متخصصة (أشهرها «زكا» التي توجهت العام الماضي إلى الأمم المتحدة بطلب لمساعدتها على الدخول إلى غزة لاستعادة رفات أو بقايا الجنديين الإسرائيليين المقتولين هناك)، كما يرافق الوحدات العسكرية الإسرائيلية رجال دين عسكريون، وهم هنا لهذه الغاية، علاوة على السهر على تعيين الحلال والحرام في شكل مستمر. وكانت الوزارة المصغرة قد أعلنت أن مساكن الفلسطينيين الذين يهاجمون إسرائيليين ستهدم خلال أيام، وان حق أسرهم بالإقامة في القدس سيسحب منهم، ولن يسمح بإعادة بناء المنازل التي تُهدم، وستتم مصادرة ممتلكات من يقوم من الفلسطينيين بعمليات تراها إسرائيل «إرهابية».

وعلى ذلك، تم نشر حواجز تفتيش داخل القدس الشرقية وعلى مداخل القرى والأحياء المحيطة بها بلغت أكثر من 32 حاجزاً، ما دفع منظمة «هيومن رايتس ووتش» للاعتراض على القرار والتنديد به باعتباره لا يستهدف واقعة بذاتها بل حالة عامة، وهو لذا يصبح تنكيلياً. والطريف أن ذلك الاجتماع قرر نشر قوات إضافية من الشرطة والجيش في المدن وعلى الطرقات وفي داخل وسائل المواصلات العامة… وعلى «الجدار العازل» الذي بنته إسرائيل على طول الضفة الغربية، على رغم أنه لم يبد فعالاً في منع عمليات الفلسطينيين، حيث ينتفض اليوم سكان القدس الذين يخضعون لوضعية خاصة ويحوزون على «بطاقات إقامة»، وكذلك أبناء أراضي 1948، الحائزون على الجنسية الإسرائيلية… إلا أن ذلك الاجتماع قرر، وبغض النظر عن الفعالية، الاستعجال باستكمال بناء الجدار في منطقة جنوب الخليل!

وكما قال موشيه يعلون، وزير الحرب الإسرائيلي منذ أيام، فلن يمكنه سحب كل سكاكين المطبخ من القدس! تلك هي الورطة.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق