الأصول العقائديَّة والفكريَّة للإرهاب السِّياسيِّ الإسلاميِّ

يستوجب البحث في تأصيل الأصول العقائديَّة والفكريَّة للإرهاب السّياسيّ الإسلاميّ تجنب خطأين يهدّدان أيَّ بحث في الموضوع: يتمثَّل الأوَّل في إرجاع الظَّاهرة إلى القرآن والسّيرة النَّبويَّة والمنظومة المغلقة للفقه الإسلاميّ، والثَّاني ينزع إلى تبرئة الإسلام جملة وتفصيلا من أيّ علاقة بالإرهاب. فالأوَّل غير مقبول مبدئيًّا (لأنَّه لا يوجد دين في جوهره إرهابيٌّ) والثَّاني هو “رفض للواقع”(déni du réel).


يمنعنا من فهم هذه الظَّاهرة المعقَّدة أنَّها يتقاطع فيها الثَّقافيُّ/الدّينيُّ مع الهيكليّ/الاجتماعيّ بدرجة تجعل من الصعب إفراز المتغيّر المحدّد للعنف أي سببه الرَّئيسيُّ. فالإرهاب الإسلاميُّ لا يعني أنَّ جوهر الإسلام إرهابيٌّ، ولكنَّه إسلاميٌّ بمعنى أنَّه تركيب انتقائيٌّ تلفيقيٌّ مدان لأديولوجيا دينيَّة قروسطيَّة من جهة وسياسة حديثة وليدة عصرها من جهة أخرى. 


يصعب تحديد مفهوم الإرهاب لغياب الإجماع. ولكن من زاوية العقل النَّظري، يمكن إرجاع الإرهاب إلى مبدأ جنايالوجيّ (مبدأ أصليّ توليديّ غير تاريخيّ) مفاده إلغاء الوجود الجسدي للآخر عبر القتل غيلة بدون ضوابط العنف المشرعن. وهذا المبدأ يتقاطع مع ما سمَّاه فتحي بن سلامة القسوة (والَّتي تحوّل الكراهية إلى إضرار بجسد الآخر). ويختلف هذا المنحى عن نزعات مشابهة مثل الغلوّ في الدّين والتزمّت أو التَّعصّب والدغمائيَّة والرَّغبة الجامحة في الحقيقة ما لم تفضِ هذه الأهواء “المعقلنة” إلى فسخ الغير ماديًّا عبر القتل الهمجيّ المبرمج. ويتجاوز الإرهاب قواعد العنف الشَّرعيّ أو قوانين الحرب مهما كان مصدر الشَّرعنة (الدَّولة أو الدّين أو الأيديولوجيا) ومظاهره (عنف ماديٌّ أو معنوي) أو ضحاياه (مدنيون أو محاربون). 


أمَّا الأصول العقائديَّة والفكريَّة التَّاريخية للإرهاب السياسيّ فهي حديثة. نشأت في خضم الثَّورات وتبعتها الحركات القوميَّة والاشتراكيَّة في أوروبا حتَّى وإن اعتبر البعض أنَّ المتشدّدين الدّينيين وقتلة الطواغيت في العصر الوسيط يمثّلون أوَّل ارهاصاته. وينسحب الأمر على الإرهاب الإسلاميّ مع فوارق. وهي التَّركيب والتَّفريخ: التَّوظيف المقاصديُّ غير التَّاريخيّ لمنظومة التراث في إطار إيديولوجيا سياسيَّة تعمل بوسائل حديثة؛ والتَّفرُّع اللاَّمتناهي في حركات تتوالد وتتعاقب بحيث يصعب تحديدها نهائيًّا حتَّى في أبشع مظاهرها الحاليَّة. ويمكن اعتبار الفكر الإخوانيّ القطبيّ والسَّلفيَّة الوهابيَّة والسَّلفيَّة الجهاديَّة الثَّالوث المؤسّس لأخطبوط الإرهاب الإسلاميّ المعولم. ويتقاطع هذا الثَّالوث العقائديُّ مع ثالوث الفاعلين وهم الدَّاعية والسّياسيُّ والجهاديُّ. فالدَّاعية مسالم لا يبالي بالفعل السّياسيّ. مجال عمله الأمَّة الإسلاميَّة وهمُّه أسلمة النَّاس فردًا فردًا أخلاقًا وسلوكًا. يجوب المدن على شاكلة جماعة التَّبليغ والحواريين والمتصوّفة، ويدَّعي إبلاغ العلم الدّينيّ التَّقليديّ السُّنّي الفقهيّ على نمط السَّلفيَّة العلميَّة، ويفتي على شاشة التّلفاز وشبكة الأنترنات على غرار الدُّعاة المشرقيين. أمَّا السّياسي فهو ينصهر في الدَّولة الوطنيَّة ويتخلَّى عن الجهاد والأمميَّة الإسلاميَّة وتطبيق الشَّريعة بحذافيرها ويشارك في الانتخابات. وتمثل أطياف الإسلام السّياسيّ ذي المرجعيَّة الدّينيَّة (بما فيها حركة النَّهضة في تونس) هذا التَّحوُّل من الرَّاديكاليَّة العمياء إلى البراغماتيَّة المرنة. وأخيرًا وليس بآخر الجهاديُّ الَّذي ينظّر للعنف ويمارسه. وينقسم بدوره إلى ثلاثة أنواع حسب ترتيب الأولويات: الجهاديُّ المحلّيُّ الَّذي يوجّه ضرباته للدَّولة الوطنيَّة، والجهاديُّ القوميُّ الَّذي يحارب الغزاة الأجانب، والجهاديُّ المعولم الَّذي يوسّع دائرة الأعداء على نمط القاعدة وغيرها.


وتتمثَّل جاذبيَّة الاسلامويَّة لدى العامَّة شبه المتعلّمة في التَّركيب بين ثلاثة أنساق مفهوميَّة تعمل ثلاثتها في المخيال الجمعيّ (الدّين والايديولوجيا والطوبى): الدّين كعقيدة مسترسلة تميّز بين المقدَّس والمدنَّس وتبعاته من جزاء وعقاب دنيويّ وأخرويّ؛ الأيديولوجيا كمنطق الفكرة إلى أقصاها والَّتي تقلب الواقع العينيَّ لتغيّره الآن وهنا؛ والطوبى (أي اللاَّمكان) الَّتي تحلم بعالم أفضل سواء كان العصر الذَّهبي سلفًا أو قيام السَّاعة خلفًا. وهكذا أصبح الدّين إيديلوجيَّة سياسيَّة احتجاجيَّة تجيّش الطَّاقات لتغيّر المجتمعات العربيَّة والإسلاميَّة الحديثة بالعنف إذا أمكن أو لزم.


وما يفسّر هذا التَّوجُّه ليس التَّقليد بل كراهية مرضية للحداثة (ولا أزمة الحداثة كما يقول البعض) وكلُّ ما يمثّل تحوُّلا من المجتمع التَّقليديّ إلى المجتمع الحديث في كلّ جوانبه القيميَّة باستثناء استعمال التَّقنية الحديثة واستهلاك بضائعها. واعتمدت الحركات الدّينيَّة على مجموعة من المقولات لا هي ماضوية صرفة ولا حديثة العهد بل هي تلفيق وإسقاط لمقوّمات المنظومة الكلاسيكيَّة على واقع مغاير وتطويع ما أمكن لرفض المجتمع الحديث وتغييره. ويمكن تقسيمها منهجيًّا إلى نظريَّة قيميَّة عقائديَّة ونظريَّة وسائلتيَّة. وكليهما تعتمد على إجراءات معرفيَّة أولاها إسقاط السَّابق على اللاَّحق أي تطبيق آيات وقواعد صدرت في حقّ الكفَّار وغير المسلمين على المسلمين في زمن غير زمانها. وثانيها توسُّع في مقاصد مضبوطة فقهيًّا وكأنَّها تدين بالاجتهاد السَّيّء، وثالثها نزعة إقصائيَّة عنيفة منافية للإنسيَّة الكلاسيكيَّة، فضلا على الإنسيَّة الحديثة. 


النَّظريَّة القيميَّة:


ثمَّة شبكة من المفاهيم والعديد من المداخل للمقالات القيميَّة العقائديَّة الأصوليَّة. كلُّها جائزة لأنَّنا لسنا أمام عقل نظريّ نسقيّ استدلاليّ بل حلقات من المقولات تشكّل دائرة تأويليَّة من المهمّ الولوج فيها. وأوَّل المداخل تشخيصيٌّ مفاده أنَّ المجتمع الإسلاميَّ ليس بإسلاميّ ومن يُسمُّون بالمسلمين ليسوا مسلمين والحكَّام غير ملتزمين بشرع الله. ولا وسطية في هذا كلّه، “إمّا إيمان أو كفر، إسلام أو جاهليَّة أو شرع ولا وسط في هذا الأمر” على حدّ تعبير سيّد قطب. وبانتزاع صفة الإسلام على الجميع، يختلُّ الانتساب للمجموعة. ويصاحب التَّوصيف مفهوم “الولاء والبراء” الَّذي تلقفه محمد بن عبد الوهاب من ابن تيمية وغفل عنه الإسلام الرَّاديكاليُّ واسترجعته حلقة السَّلفيَّة الجهاديَّة في نصّ للظواهريّ “فرسان تحت راية الرَّسول”. ومعناه أن لا نلي ولا نولي غير المسلمين ولا نجيرهم ولا نستأجرهم ولا نخالطهم. والهدف هو قطع الصلة والتَّواصل مع الغير وكرهه. هنالك مدخل إقراريٌّ/ قيميٌّ يتمثَّل في إطلاقيَّة الحكم بما أنزل الله أو الحاكميَّة لله عبر الاستدلال بآيات معروفة حول كفريَّة وظلم ونفاق من لا يحكم بما أنزل الله. ويرمي إلى سحب صفة الشَّرعيَّة عن المنظومة القانونيَّة العصريَّة. 


أمَّا المدخل الميتافيزيقيُّ فيتمثَّل في التَّوحيد أي أن لا نعبد إلا إيَّاه ولا نعبد من دونه ولا نعتمد أيَّ واسطة خير. وتنسحب الدُّونيَّة إلى الحكَّام وممثليهم والأولياء الصَّالحين والفقهاء الرَّسميين: كلُّهم طواغيت. ومن هنا نفهم حملة تسوية القبور وتحطيم مقامات الأولياء الَّتي اختصت بها الوهابيَّة منذ نشأتها وتسرَّبت العدوى إلى السَّلفية دون غيرها (بما فيها الفكر الإخوانيُّ القطبيُّ). 


النَّظريَّة الوسائلتيَّة:


ترمي منظمة القيم إلى تجييش المنتدبين لإعادة أسلمة المجتمع وبناء الدَّولة الإسلاميَّة مجدَّدا. ويستوجب ذلك فكَّ الارتباط مع المجتمع بالهجرة “الدَّاخليَّة” (لا ماديًّا من مكَّة إلى المدينة) واسترجاع اللَّحظة التَّأسيسيَّة ومن ثمَّة الاستعداد للقتال. ويمرُّ هذا التَّجييش عبر إفراغ مفهوم الجهاد من مضامينه المتعدّدة واختزاله في القتال. وتحديدا في القتال الهجوميّ. ويستوجب هذا الإجراء استعادة أسس الجهاد. والجهاد الهجوميّ مضبوط فقهيًّا في الإسلام الكلاسيكيّ. يعنى أوَّلا بالكفَّار المشركين (لا المنافقين ولا أهل الكتاب ومن لهم شبهة كتاب إلاَّ إذا رفضوا دفع الجزية) وثانيا: يشترط مسبقا الدَّعوة الصريحة إلى الإسلام قبل المعركة، وثالثا: هو فرض كفاية يسقط على الجميع إذا قام به البعض إلاَّ في حالة الدّفاع الشَّرعيّ ضدَّ غزاة لحماية بيضة الإسلام. 


وإن بادرت حركة الإخوان بالقيام ببعض الاغتيالات في بدايتها إلاَّ أنَّ التَّنظير القطبي جعل من الجهاد القتاليّ نتيجة حتميَّة لجاهليَّة المجتمع. وتلقفت مجموعات الجهاد والجماعات المفهوم. ويعزى لعبد السَّلام فرج منظر اغتيال أنور السَّادات في 1981 أنَّه جعل الجهاد “فريضة غائبة” تنضاف إلى فرائض العين الخمس، اعتمادا على قراءة فتوى “ماردن” الَّتي شرع بها الخروج على حكم المغول المسلمين ظاهريًّا. وكان الهدف الاستراتيجيُّ لعبد السَّلام فرج هو توجيه القتال ضدَّ “العدوّ القريب” أي الطَّاغية المحلّي عوض التَّصدي للامبرياليَّة أو تحرير فلسطين فهما “إضاعة للوقت” كما يقول لأنَّها أهداف بعيدة المنال حالا. ومع القاعدة تعولم الجهاد وانتقل مرماه من العدوّ القريب إلى “العدوّ البعيد”، لحرق أيادي من يشعل النَّار في ديارنا على حدّ قول الظَّواهري في “فرسان تحت راية الرَّسول”. وفرَّخ الجهاد إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه من همجيَّة لا إنسانيَّة خارجة عن كلّ أعراف القتال الَّتي تحدَّثنا عنها أهدافًا وطرقًا. وقد تكون وثيقة “إدارة التَّوحش” المشكوك في نسبتها إحدى أعراض المرحلة اللاَّإنسانيَّة الَّتي يمرُّ بها العالم العربيُّ لا لشيء إلاَّ لأنَّها تنظّر للعنف مديرة الظَّهر للمراجع الكلاسيكيَّة، وكأنَّ الكاتب عقل حربيٌّ بارد لا مجاهد ديني ملهم. ويتزامن هذا الطرح مع نزعتين الأولى شبه عقلانيَّة تتمثَّل في بعث إمارات إسلامويَّة على أنقاض الدُّول العربيَّة المتهاوية. والثَّانية كارثتية متمسحة طوباويَّة تنبئ بقرب السَّاعة ومجيء الدَّجال ونزول المسيح في دمشق أين تتلاحق الفرق الإرهابيَّة في الفوضى الخلاَّقة، اعتمادا على أحاديث مشكوك في صحَّتها. 


يستوجب اقتلاع الأصول العقائديَّة والفكريَّة للإرهاب التخلي عن مفهوم براءة التراث من التلوث والاختفاء وراء إدانة قرَّائه السُّذَّج؛ بل التَّحلي بالشَّجاعة لإعادة الاجتهاد الجيّد قبالة الاجتهاد السَّيّء وإخضاع التراث كليًّا إلى تفكيك يعتمد منهجيًّا العلوم الإنسانيَّة وفكريًّا الانسانويَّة الحديثة.


هامش:


مساهمة الكاتب في التَّقرير التَّأليفيِّ لمؤتمر المثقَّفين التُّونسيين ضدَّ الإرهاب، المنعقد يوم 12 أوت 2015 بقصر المؤتمرات بتونس. 


 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق