يوسف يـخربط اللعبة سلام عبود

يوسف الصائغ شجرة عراقية مثمرة، في المقاييس كلّها، رمزيّا وثقافيّا وفنيّا، بصرف النظر عن التباين في سبل تقييم مؤهلاته الثقافيّة، وأساليب تقدير مواهبه المتعددة كشاعر وروائي ومسرحي. إنه عنصر بارز في المشهد الثقافي العراقي، مثير للجدل العنيف. فازت جلّ سردياته النثرية بجوائز أدبيّة. ربّما لم يكن شعره ذا قيمة عالية جدّا، كما رُوّج له من الشيوعيين قـَبل “خيانته” لهم، ومن البعثيين بعد “خيانته” لصالحهم.

كان الذكاء في اختياراته أسطع في شعره من مهارات الخلق الفنيّ للنص. أحسن الذهاب الى لحظات وجوديّة وإشكاليّة، مركـّزة ذاتيّا، مصحوبة بتكثيف اللحظة العاطفيّة الفرديّة والمصيريّة، ممزوجة بالسرديّة الحكائيّة التاريخيّة والشعبيّة، ذات الامتداد الواسع: مالك بن الريب مثلا. مال الى تطعيم النصّ بخليط حكائيّ تراثيّ عربيّ أو مسيحيّ، أو حياتيّ صميم، جعل من صوته الشعريّ مميّزا على نحو معيّن، ذا بحّة خاصة، حرّة تماما من التعقيد الصوريّ أو التعبيريّ واللفظيّ، تجعله أجشّ البوح مثل موجة آتية من بعيد، مقارنة بسعدي ذي المجسات السحريّة، المشاغب الأبدي همسا أو لعنة، وبالبياتي الصائت حينا، والباطنيّ في تلك المرحلة، أو عبد الرزاق عبد الواحد الميّال الى لغة القعقعة، وعلو النبرة، والبوح الخارجي. مهارات التقاط موضوعاته نجدها في نصوصه النثريّة، بما في ذلك أضعفها، رواية “اللعبة”، حيث يظهر لديه نزوع الى صناعة نصّ فيه جاذبيّة عاطفيّة مخلوطة بمكر فنيّ وسلوكيّ، موجهة بفراسة صيرفيّ، لاقتناص اهتمام القارئ، على نحو خاصّ.
في مسرحه الكثير من الحياة، أمّا حياته ففيها الكثير من المسرح. وفي أحوال كثيرة يكون عسيرا فكّ الارتباط بين المسرحيّ والحياتيّ في لعبته الفنيّة والواقعيّة. مقدمته عن حبّه الفاشل واحدة من أعقد لحظات الاختلاط بين الواقعيّ والمسرحيّ في الثقافة الوطنيّة العراقية، ومن أكثفها، رفعها بوعيه المسرحيّ الى مستوى القدر الجماعيّ.

ديوانه “اعترافات مالك بن الريب” 1973، نصّ ينطوي على مفارقة قائمة في قوّة الاختيارات، التي توازي بغنائيّتها الحزينة، القدريّة، قوّة المقدرة الخطابيّة، المصمّمة للامتداد عاطفيّا وعقليّا وفنيّا، الى أبعد مسافة ممكنة بين الناس، من مستويات متباينة.

لماذا مالك بن الريب؟ الحوار الشعريّ الداخليّ بصوت مسموع، الموقف الوجوديّ، الغربة، علوّ نبرة الأنا المهصور بين فورة الحرّية الخاصة التوّاقة الى التمرّد وجبروت القدر الخارجيّ، اختلاط العصيان بالطاعة. هل كانت اعترافات مالك بن الريب ممرّا سريّا الى مقدمة لقصيدة عن حب فاشل؟ نعم، هي كذلك بحكم النتائج، وليس بحكم شروط المنطق، أو تسلسل المصير والقدر. مصير الصائغ لا يرتبط بقبح “الخيانة”، بل يرتبط في تقديري بالخيبة، بالخذلان، بتفتت يقين الذات، وبالانكسار المسوّر بالقوة المصانعة، التي ندّعيها جميعا، حتـّى ونحن في أوج هبوطنا الى قعر الجحيم، بالطهارة ونحن نخوض في مستنقع.

حينما نتبصّر في مصائرنا ننظر عادة الى ما آلت اليه أحوالنا. الأقدار تتبع خطى الحياة. هذه بديهيّة نلهو بها أحيانا من طريق تهشيمها، أو تلفيق بديل منها، حينما نخلق مصيرا ما متخيلا من صنع رغباتنا. الشعراء يفعلون ذلك بصدق شرّير على الورق، وسائر البشر يفعلونه بكذب الأخيار في رؤوسهم وحواسهم. المصائر الخياليّة مرعبة أحيانا أكثر من المصائر والأقدار الواقعيّة، مهما كانت قسوة الأخيرة. أتساءل أحيانا في سرّي: ماذا كان يحدث لو أنّ البعث لم يقم بفضّ الشراكة مع الشيوعيين؟ بعض الحتميين يقولون إنـّه لا يجوز تصور مثل هذا المصير الملفـّق، لأنّ البعث كان لا بدّ له أن يفضّ تلك الشراكة البغيضة، ولا بدّ له أن يبصق في صحون الوليمة التي أقامها في لحظة خداع للتاريخ والذات. أنا لا أصدّق هذه الحتميّة. البعثيّون أغبياء بامتياز. غباؤهم قادهم ويقودهم الى حتميّات، لا يمكن لربع عاقل القبول بها. لو أنّ المصير الخياليّ امتدّ بتحالف الشيوعييّن والبعث الى فترة سقوط النظم الاشتراكيّة، لعاش الشيوعيّون مصيرا لا يحسدون أنفسهم عليه. ربّما يجب عليهم أن يشكروا الأقدار، غير الخياليّة – صدام أحدها- التي دفعت الديكتاتور الى إقصائهم عن التحالف. فليس مبهجا أن نراهم في فيالق الجيش الشعبيّ، أو في مؤسسات الحرب مع إيران، وفي جهاز الدعاية عند غزو الكويت. أو أن يكون أحدهم في طليعة مهاجمي الكرد في الجبال، والمنتفضين في الجنوب. هذا خيال مرعب، على ما أظن. ولكن مهلا. مشهد المسير يداً بيد ضد الطابور الخامس عاشه الحلفاء بنجاح، عاشوه واقعيّا، قبل فضّ الشراكة. الخندق الواحد تمّ السكن فيه بسعادة وحريّة موقتة أيضا. إذاً، نحن في خيالٍ، ما هو بالخيال. لذلك علينا هنا، في هذه اللحظة الخياليّة المصطنعة، أن نشكر صدام الذي ركل الجبهة بأقدامه، ولم يدعها تسير أبعد من ذلك الحدّ المشين، الذي يحتـّم قيام مصير لا يقبله الخيال. لذلك أرى أنّ المصائر الواقعيّة، بكلّ قسوتها، أرحم من الخيال القدريّ. شكرا للديكتاتور، الذي كرهنا، وأجبرنا بالقوة على أن نكرهه. لقد صنع الطاغية، من إخلاصه الأحمق للطغيان، “خونة” رغما عنهم!

تلك هي اللعبة!

اللعبة الواقعية والخيالية.

في هذا الخندق العميق رأيت يوسف الصائغ يصنع لنفسه مصيرا شخصيّا، يقرّر فيه، بمعزل عن حزبه، أن يستمر في التحالف مع البعث منفردا. من جانبهم، رأى البعثيّون فيه جبهة وطنيّة وقوميّة تقدميّة اشتراكيّة منفردة بديلة. تخطر هذه الفكرة في بال كل من قرأ بيان تنازله عن شيوعيته لصالح بعثيته. لا طعم مميزا للنصّ المأسوي المصانع الذي سطّره الصائغ حول لعبة حبه الفاشل. اللعبة نفسها مرويّة بقلم حميد سعيد لها رونق مختلف عن نصّ الإعتراف نفسه. لقد جعل حميد من الخيانة لعبة سرديّة تحمل أنفاس كاهن عطوف، يساعد المنتحر ويعينه على تجرّع السمّ الواقعي. ثمّ يشجّعه ويقوّي عزيمته، لكي يمنحه الترياق الخيالي. لأنّ التضحية بالوهم الشيوعيّ لصالح الجنـّة البعثيـّة الواقعيـّة، ولكن المميتة، هي أمثل طريقة لصناعة مصير فرديّ، مميّز وسحريّ، لا يستحقه القطيع كلـّه، لما يحويه من طرائد نافقة ومريضة وهزيلة، وربما منافسة.

لم يحمل ما كتبه الصائغ شيئا خارج التوقـّع. سوى أنـّه أراد أن يحملنا على قبول انكساره على أنـّه اعتراف كنسيّ، له قدسيّة طقسيّة مفترضة وموهومة. لا نرى صلة روحيّة ونفسيّة وعقليّة، ولو بنسب ضئيلة، تربطه باعتراف ابن الريب القدريّ، المفجع. قبل أن نقرأ النصّ، يخيّل لنا حرفيّا أنـّه مقدم لا محالة على قول ذلك الإنشاء الملّفق، عدا بعض العبارات، التي لم يستطع توضيحها أو التعبير عنها جيّدا، لأسباب غامضة. لم يكن في صناعة مصير فرديّ، بمعزل عن القطيع، ما يثير الخيال أيضا. بيد أنّ أهمّ ما يستوقفنا هو أوّل كلمة في العنوان “مقدّمة لقصيدة عن حبّ فاشل”. هل حقا كانت تلك مقدّمة؟ لقد أخطأ الصائغ وهو يختار الكلمة الأولى من تاريخ حبّه الفاشل. لقد كتب نقيضها. فلم تكن تلك الكلمات بداية الحبّ، كانت نهايته. كيف سها عن ذلك؟

لم يكن هناك سهو عفوي، هناك تصميم على ممارسة السهو!

بيد أنّ الصائغ لم يكن لاعبا فاشلا، كما ظنـّنا جميعا، ونحن نراه يغادر السفينة الآيلة الى الغرق، متجها صوب المنفى.

كان ماهرا ومخلصا لذاته الى أبعد الحدود. كان الشيوعيّون ينتظرونه على الضفة الأخرى شامتين. لبث القمّامون في انتظاره، لكي يكسبوا به ثوابا حزبيّا، بعد أن يتمّ انتشاله قرب الساحل، ثمّ يجري تجفيف ثيابه التاريخيّة وإعادة كيّها، وإلباسه إيّاها، وهي تحمل شارة المطرقة والمنجل، بدلا من عبارة أمة عربيّة واحدة. بهذا يكتب الصائغ استطرادا على قصيدة حبّ فاشل مغتفرة. ولا يهمّ هنا إن كان يكتب مقدّمة أو خاتمة، يكتب عن خيانة أو عن إخلاص.

لكنّ الصائغ لم يفعل ذلك. جرجر جسده المتعب، وانزوى تحت ظلال سفينة رست على شاطئ الأمان، قبل عبوره البحر. كما لو أنّ هذه السفينة كانت تنتظره عند تخوم المهجر، منذ زمن شعريّ بعيد. استقر عند “صحيفة الزمان”، لكي يتجنب كتابة مقدّمة أو خاتمة لقصيدة حبّ فاشل جديد. لم يذهب الى ما ذهب اليه عبد الرزاق عبد الواحد مثلا، الذي واصل السجود لرب المستنقعات، متعمدا بمائه المقدس. لقد آثر عبد الواحد أن يخبئ رائحته الشخصية في هيجان الروائح العامة، روائح تسميد الجثث والحروب البشعة، ليس بطولة ووفاء، كما يحسب البعض. على العكس، كان جبنا، وهلعا من أن ينفرد بنفسه فيواجه ذاته الكسيرة.

كان الصائغ حذرا، ومراقبا وجلا. لكنـّه كان أقوى مما ظنـّه خصومه. لم يسقط في الفخاخ المنصوبة من الصيّادين المتنوعين، الذين ملأوا ساحل العمر ومنعرجاته الأخيرة بالمكائد السياسية. الاقتراب من “صحيفة الزمان” خطوة فطنة، تشي بحسن اختيار مسافة اللعبة الجديدة: الهروب الى الفراغ، وتسجيل خيانة جديدة للضمير في صحيفة أعمال المفخخين. كما لو أنـّه أراد أن يصنع جدليّة إعجازيّة قوامها خيانة الخيانة. ربّما كان يرى في ذلك خاتمة منطقية لقصيدة وجود في سبيله الى الزوال، خاتمة من دون لعبة بدايات جديدة، ومن دون استمرار في مصير انتهى زمن اللعب فيه، وأقفلت أبوابُ ملعبه.

بهذا الاختيار أغلق الصائغ دورة المصير، وخلط مجددا الواقعي بالمسرحي، بطريقته التصعيديّة الانتقائيّة الماهرة.

حينما خاب سعي الصيادين في جذبه الى الفخ، انفجروا غضبا. وحينما يئسوا من إمكان أسره راحوا يصوّبون اليه السهام الجارحة مجددا. لقد جرّدوه من كلّ شيء. ولم يبقوا له حتـّى الكفن. وحينما تأكـّدوا تماما أنـّه ذهب ولن يعود، وأنـّه ارتحل ولم يعد قادرا على كتابة مقدّمة أو نهاية لقصيدة جديدة عن حب ما، منعوا عنه حتـّى قدسيّة العزاء. وأقسموا أن يموت بلا مأتم.
فلا عزاء للخونة!
إنـّهم يمسرحون اللؤم الشخصيّ، يصنعون منه جدلا تاريخيّا طبقيّا!

حينما كنت أدرس شخصيّة صدام، استلفت نظري أمر مثير للريبة: هناك إجماع بعثيّ، لدى كلّ من خالطوا صدام حسين، من الذين انفكـّوا عنه في أوقات لاحقة، ينصّ بقوّة، على أنّ صدام حسين كان ديكتاتورا بالفطرة. كان حاكما مستبدا بالولادة، وشرّيرا بالغريزة.

هؤلاء كانوا يريدون أن يمنحوا بعثيتهم لحظة خالبة من النقاء الاستثنائيّ، من طريق جعل ديكتاتورهم استثناء قدريّا، مولدا خارج الرحم التي أنجبتهم. لم يكن صدام بعثيّا خالصا وطاهرا مثلهم. كان بعثيّا مطعما بشرّ لا بعثيّ، غريزيّ، حمله من بطن أمه، ولم يكن محفورا في صلب النهج السياسيّ للحزب الأمّ.

مثل هذا المصير الغريزيّ صنعه الشيوعيّون للصائغ أيضا، حينما أدينت محاولات النيل منه ميّتا، وحين طولبوا بالكفّ عن مثل هذه الحماقات الروحيّة، حفاظا على ما تبقى من خلق.

بعد ممات الصائغ كتب ياسين النصير، عن الصائغ، مؤكـّدا هذه الغريزيّة المصيريّة المطلقة، التي تحلى بها الصائغ، وسمّاها “جدليّة الخيانة”. كان الصائغ خائنا بالفطرة، يحمل جرثومة خيانيّة في روحه، وجينات “جدليّة الخيانة” في خلاياه. لقد رصدها النصير في الصائغ حتـّى حينما كان الصائغ طالبا في المدرسة الثانويّة. ولم يكتف بذلك، بل أراد لها أن تكون خصيصة إعجازيّة، تضع الصائغ في مصاف العباقرة والمبدعين النادرين، لسبب وحيد، هو إخلاصه لمبدأ الخيانة الفطريّ “جدليّة الخيانة”! من المؤكد أنّ النصير حاول، مثل أصدقاء صدام، أن يصنع مصيرا خياليّا للصائغ، مصيرا، قال عنه “يعمق إحساسنا بأن الفكرة (الخيانة) ولدت قبل أن يتحول يوسف الصائغ من الحزب الشيوعي الى حزب البعث”. في ظنـّي أنّ هذا المقال أعمق مقالات النصير، وأكثرها اجتهادا وكدّاً. ليس بسبب صحة استنتاجاته. على العكس، بسبب بذله جهدا خارقا لإثبات خطأ أفكاره، القاضية ببراءة الصائغ من الخيانة الحزبيّة الخالصة، ووقوعه في شرك الخيانة الفرديّة الفنيّة، الخيانة باعتبارها وجها من وجوه الفشل الشخصي في كتابة قصيدة حبّ جبهويّة جماعيّة، حرّة وسعيدة. إنـّه اكتشاف جدليّ أيضا، يشبه انفجار كوكب قريب معروف، يفضي الى اكتشاف سرّ الانفجار الكوني العظيم.

الخيانة الخيانة هنا لا تعني سوى: لماذا أقمت جبهتك البعثيّة الإنفراديّة؟

باختصار شديد: ولد الصائغ خائنا، وعاش الحزب الشيوعيّ بريئا. كما عاش البعث بريئا وولد صدام ديكتاتورا.
بهذه الجدليّة تمّ وضع نهاية للصراع حول مصير يوسف الصائغ سياسيّا وثقافيّا.

أحيانا تخطر في بال المرء فكرة غريبة عن صناعة المصير خياليّا: لو أنّ الحزب الشيوعيّ استمر في التحالف مع البعث حتـّى مرحلة الحصار، لاستحال الشيوعيّون أجمع، نسخا مشوهة وقبيحة من يوسف الصائغ “الخائن”، وربما لم يوفـّق أعلاهم مقاما حتـّى في كتابة مقدّمة أو خاتمة عن حبّ فاشل.

في رواية خياليّة أخرى عن مصير الصائغ، نجد أنـّه حينما تمّ حفر نفق الخروج من التحالف، الذي كانت السلطة تمدّ حافريه بأدوات الحفر سرّاً، بدأ الجميع بالتسلل الى خارجه. خرج الجميع عدا من مات قبل الحفر وأثناءه. تردد يوسف في قطع المسافة بين نهاية النفق وبداية اللانفق. هنا، تأكد بحدسه الشعريّ وبديهيته المسرحيّة، من إدراك أنّ سفينة النجاة لم تعد تنتظره عند مخارج النفق، أو عند تخومه. لذلك أضحى النفق بيتا، والتابوت سريرا. كل شيء أصبح أي شيء. في تلك اللحظة الغادرة مات شيء ما، كان حيّا في أعماقه، وفي أعماقنا جميعا. مات الحزب المقدس.

هذه هي الحقيقة التي حاول البعض التستـّر عليها.

لكي نكتشف ما تحت سطوح ذوات الآخرين، علينا أن نفتش في قعر ذاتنا.

***

من غير المستبعد أن يكون الصائغ، أسوة بغيره من السجناء، فكـّر وهو في زنزانته، في الفرق بين الخيانة باعتبارها خيانة، وبين الخيانة باعتبارها لا خيانة. وقد وجد أنّ ضربَي الخيانة السالفين لا يختلفان في المضمون، لكنـّهما يختلفان في طريقة اللعب، وتحديدا في لعبة قياس المسافات. في أي نقطة من مواضع حفر النفق تكون الخيانة خيانة، وفي أيّها تكون لا خيانة!

إنها لعبة قدرية ماكرة! لعبة مسافات، لا أكثر!

لكنـّها لعبة إجباريّة، لا خيار لأحد فيها. لعبة مرّ بها جميع الذين حفروا النفق بأيديهم، أخيارا وأشرارا، وأجابوا، كلّ واحد بطريقته، عن المسافة التي قطعها، وأين كتب مقدمة حبه الفاشل ونهايته.

لذلك أرى أنّ من المستبعد أن يكون الصائغ قد فكـّر في أمرٍ اسمه “جدليّة الخيانة”. ولكن، لا يُستبعد أن يكون قد فكـّر في جدليّة الخيانة واللاخيانة. لأنّ تلك الجدليّة ليست اكتشافا خاصا به، وليست من صناعته، وليست من منتجات عقله ومشغله الإراديّ أو اللاإراديّ. جدليّة الخيانة العبثيّة من صناعة الأحزاب المصابة بالعمى الايديولوجي الغريزي. وما نحن، الحافرون في النفق، سوى كتّاب قصائد عاطفيّة، نلفـّق مقدّمات أو نهايات لمعضلات حبـّنا المقدس أو المدنس.

في جدليّة الخيانة واللاخيانة، التي عبّر عنها مالك بن الريب شعريّا، حينما اكتشف جدليّة الغضا والركب، كان القدر مرهونا بالمسافات أيضا. كان لا بدّ للركب والراكبين أن يقرروا أحد أمرين، الأول: البقاء في الغضا، بصرف النظر عن طبيعته، سواء أكان شجرا أم حجرا أم جبهة وطنيّة أم جنـّة وطنيّة أم مستنقعا استبداديّا، أم كان مجرد وهم سياسيّ. الثاني: اجتياز الغضا الى حيث تكون المفجوعات في انتظارنا، وهنّ يطلقن صرخة الفقد والفراق ووجع المهالك. كان ابن الريب يرصد هذا القدر الإجباريّ المحيّر، ويتساءل بدهشة حزينة، كسيرة، مليئة بالسخرية الوجوديّة: يقولون لا تبعد (لا تخن، لا تمت، لا تتسمم، لا تتبعث) وهم يتركونه لديغا! يتركونه في حفرة قبر في نظر المرتحلين، وفي سرير نوم أبديّ في نظر المقيمين. كان كلاهما – الركب والغضا، المقيم والمرتحل- يبعد، ولم يكن هناك، في العراء المخيف، سوى حقيقة مؤكدة اسمها القبر.

لقد فـُرض على الركب، بكلّ أحماله، أن يقطع الغضا. كان في مقدوره أن يماشي الغضا لياليا. ولكن، ليس الى أبد الآبدين. لذلك غدت جدليّة الخيانات قدرا جماعيّا لازما، أكثر منها خيانة حزبيّة فرديّة نزويّة، أو مجرّد مقدّمة ونهاية لقصيدة عن حبّ فاشل.

هكذا ابتدأت اللعبة، وهكذا انتهت.

إنها لعبتنا جميعا.

لعبة عشتار مع تموز، لعبة جلجامش مع انكيدو، ولعبة الحيّة مع الخلود.

إنها مقدمة قديمة لقصيدة حب فاشل متجددة.

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق