الحريَّة والمسؤوليَّة الفكريَّة: كارل بوبــر

المستقبل مفتوح جدًّا. إنَّه متوقّف علينا جميعا، أنا وأنت والآخرون، متوقّف على ما نقوم به اليوم، وما سنقوم به غدا. إنَّ ما سنقوم به، وما سنفعله رهين بدوره بأفكارنا ورغباتنا وآمالنا ومخاوفنا؛ بعبارة أخرى، رهين بنظرتنا للعالم، وبالحكم الَّذي نصدره عمَّا يتيحه لنا المستقبل من إمكانات.

هذا دليل جسامة مسؤوليتنا، مسؤوليَّة على قدر كبير من الأهميَّة خاصة عند الوعي بالحقيقة التَّالية: أنَّنا لا نعرف شيئا، أو بالأحرى لا نعرف إلاَّ النَّزر القليل، لحدّ اعتباره جهلا مطبقا بكلّ ما يتعين معرفته لنكون في مستوى اتّخاد قرارات سديدة و صائبة.

كان سقراط أوَّل من أدرك هذه الحقيقة. اعتبر سقراط أنَّ رجل الدَّولة ينبغي أن يكون حكيمًا، حكيمًا بما فيه الكفاية لكي يعرف أنَّه لا يعرف شيئا. ذهب أفلاطون، هو الآخر، إلى أن رجل الدَّولة فضلا عن كونه ملكًا، يتعيَّن عليه أن يكون حكيما وهو بذلك لا يقصد ما ذهب إليه سقراط. ما يتوخَّى من قوله أن يكون الملوك فلاسفة وأن يلتحقوا بالأكاديميَّة، لتعلُّم فنّ الجدل، بوصفه أسمى مراتب المعرفة وأعقدها، هو أن يصبح الفلاسفة بحقّ ملوكا يحكمون العالم، كما تشهد على ذلك قولته الشَّهيرة. ترتب عن هذا القول، الَّذي عزاه أفلاطون لسقراط، سوء فهم. تحمّس الفلاسفة لدعوى أفلاطون هذه، فانعكس هذا سلبا على الاختلاف الكبير بين ما ينتظره سقراط وأفلاطون من رجل الدَّولة وضاعت انتظاراتهما في متاهات الجدل الفلسفي.

لهذا أودُّ مرَّة ثانية توضيح هذا الاختلاف. يفيد قول أفلاطون “أن يكون رجل الدَّولة حكيما” أحقيَّة الفيلسوف في السُّلطة؛ فكان طموح المثقَّفين والمتعلمين و“الُّخبة” قويًّا لامتلاك السُّلطة  وممارستها. الأمر ليس كذلك بالنّسبة لسقراط، ما دامت نفس العبارة تعني ضرورة وعي رجل الدَّولة بمحدوديَّة معرفته وتواضع طموحاته. إنَّ مسؤوليته جسيمة، زمن الحرب وزمن السّلم، على بيّنة بما قد يتسبَّب فيه من مصائب وفجائع . فهو لا يعرف إلاَّ النَّزر القليل كما تشهد على ذلك قولة سقراط “اعرف نفسك بنفسك” و“اعترف في قرارة نفسك أنَّك على قدر كبير من الجهل”. ( اكزينوفان ).

ذلك هو موقف سقراط، وتلك هي الحكمة السُّقراطيَّة “اعرف نفسك بنفسك”: أي اعترف بجهلك. ليس الأفلاطونيُّ عموما ملكا، قد يكون زعيما قويًّا لحزب وإن تشكَّل هذا الحزب منه وحده فقط. إنَّ جلَّ زعماء الأحزاب، خاصَّة الأحزاب القمعيَّة والأحزاب المعروفة، أفلاطونيون، هم كذلك، لأنَّهم من المنظور الأفلاطونيّ خيرة الأفراد، وأكثرهم خبرة، وأفضلهم حكمة، وبالتَّالي أجدرهم بتقلُّد مهام الحكم.

من الَّذي ينبغي أن يحكم؟”. هذا هو السُّؤال الأساسيُّ والجوهريُّ في الفلسفة السياسيَّة الأفلاطونيَّة. جواب أفلاطون هو التَّالي: “أفضل النَّاس وأكثرهم حكمة هو الجدير بالحكم” يبدو هذا الجواب، للوهلة الأولى، سديدًا وصائبًا. لكن ما الَّذي يحصل لو اعترف هذا الشَّخص وبكلّ تواضع، بجهله وعدم حكمته ورفض بالتَّالي تقلُّد مهام السُّلطة؟ هذا بالضبط ما كان ينتظره اكزينوفان، أحد تلامذة سقراط، من شخص هو الأفضل والأكثر حكمة. إنَّ من يخال نفسه الأفضل والأحكم مصاب لا محالة، في نظر اكزينوفان، بهذيان العظمة، إنسان كهذا، لن يكون بأيّ حال حكيمًا ولا فاضلاً. 

السُّؤال“من الَّذي ينبغي أن يحكم؟” سؤال مغلوط، ومع ذلك طرحه، بنفس الكيفيَّة وإلى يومنا هذا عدد من المفكرين، فكانت العودة دائما للجواب الَّذي قدَّمه أفلاطون. ظلَّ الجواب ولعهد طويل هو التَّالي: تعود السُّلطة للإمبراطور الَّذي اختاره الجند، فهو وحده المؤهَّل لتقلُّد مهام السُّلطة والحفاظ عليها. سيصبح الجواب فيما بعد: السُّلطة للأمير بتفويض إلهيّ. كارل ماركس طرح هو الآخر نفس السُّؤال: من له الحقُّ في السُّلطة، البروليتاريا أم البرجواويَّة؟ كان جوابه واضحا: يعود الحقُّ في السُّلطة للبروليتاريا الَّتي تملك وعيًّا طبقيًّا، طبعا لا الرأسماليَّة الأنانيَّة ولا البروليتاريا الرثَّة، هما معا يستحقان الإهانة والاحتقار.

واصل جلُّ منظري الديمقراطيَّة، هم كذلك، الاجابة عن هذا السُّؤال الأفلاطونيِّ: “من الَّذي ينبغي أن يحكم؟” لقد استبدلوا التَّفويض الإلهي للأمير، الجواب الَّذي ساد طيلة العصور الوسطى، بالصيغة التَّالية: “الحاكم هو الشَّعب بإرادة الشَّعب” وهي صيغة كانت متداولة ومعروفة في روما القديمة “ صوت الشَّعب هو صوت الإله”. Vox populi, vox Dei

ظلَّ السُّؤال الأفلاطونيُّ قائما وما زال يكتسي أهميَّة قصوى في النَّظرية السّياسيَّة، في نظريَّة المشروعيَّة La légitimité، وبالضَّبط في نظرية الدّيمقراطيَّة. نعتبر أنَّ من حقّ الحكومة ممارسة السُّلطة والاحتفاظ بها ما دامت حكومة مشروعة، أي منتخبة من طرف أغلبيَّة الشَّعب أو من يمثله بموجب مبادئ الدستور. لكن لن يغيب عن بالنا أنَّ هيتلر وصل للسُّلطة بكيفيَّة شرعيَّةlégalement وأنَّ القانون الَّذي متَّعه بسلطات جعلت منه ديكتاتورا، هو قانون صادقت عليه أغلبيَّة برلمانيَّة. مبدأ المشروعيَّة إذن غير كاف. إنَّه جواب فقط عن سؤال أفلاطون، في حين أنَّ ما ينبغي فعلا تعديله هو السُّؤال ذاته.

يبدو إذن أنَّ مبدأ سيادة الشَّعب هو أيضا جواب ممكن. يتعلَّق الأمر، رغم ذلك، بمبدأ على درجة كبيرة من الخطورة، ذلك أنَّ عواقب ديكتاتوريَّة الأغلبيَّة، قد تكون وخيمة على الأقليَّة.

يعدُّ كتاب “المجتمع المنفتح وأعداؤه” الَّذي نشرته لأربعين سنة خلت، مساهمة منّي للتَّفكير في الحرب العالميَّة الثَّانية. اقترحت في هذا الكتاب استبدال سؤال أفلاطون: “من يجب أن يحكم؟” بسؤال آخر مختلف كلية عنه “كيف نتصوَّر تنظيم الدَّولة بحيث يحقُّ لنا إقالة الحكومة من دون إراقة الدّماء؟”. لا يشدّد هذا السُّؤال على كيفيَّة تشكيل الحكومة، بل على إمكانيَّة إقالتها.

إنَّ كلمة ديمقراطيَّة، الَّتي تعني “سلطة الشَّعب” هي للأسف كلمة خطيرة. يدرك كلُّ واحد من أفراد المجتمع أنَّه لا يتحكَّم في السُّلطة، فيتولَّد لديه انطباع بأنَّ الدّيمقراطيَّة مجرَّد خدعة. هنا مكمن الخطر. إذ من الأهميَّة بمكان أن نتعلَّم منذ ولوجنا المدرسة أنَّ كلمة “ديمقراطيَّة” هي الكلمة التَّقليديَّة الَّتي نطلقها، منذ الدّيمقراطيَّة الآثينيَّة، على مؤسَّسة تشريعيَّة تحول دون قيام الدّيكتاتوريَّة والاستبداد. الدّيكتاتوريَّة هي أفضع النُّظم، كما هو الأمر في الصين، نظام يتعذَّر التَّخلُّص منه ولو بإراقة الدّماء. الدّيكتاتوريون، في زماننا هذا، أقوياء جدًّا، ذلك ما عايناه عند محاولة الإطاحة بهيتلر في العشرين من يوليوز سنة 1944 .

الأنظمة الدّيكتاتوريَّة أنظمة عديمة الأخلاق، الدّيكتاتوريَّة حقيرة أخلاقيًّا لأنَّها تدفع مواطني الدَّولة للتَّعامل، ولو في صمت، ضدًّا على ضمائرهم، وقناعاتهم الأخلاقيَّة، مع الشَّر. إذ تسلب الإنسان مسؤوليته الأخلاقيَّة الَّتي من دونها لن يكون إنسانا قطُّ. تغدو كلُّ محاولة، في ظلّ نظام ديكتاتوريّ، لاضطلاع الفرد بمسؤوليته، محض محاولة انتحاريَّة. 

بإمكاننا البرهنة تاريخيًّا أنَّ الدّيمقراطيَّة الأثينيَّة، على عهد برْكليس وتيوسديدس، لم تتمثَّل في سيادة شعب، بقدر ما كانت وسيلة لتفادي الاستبداد مهما كان الثَّمن. كان الثَّمن فعلا مكلفا جدًّا إذ انهارت هذه الدّيمقراطيَّة في أقلّ من قرن. هذا الثَّمن هو النَّفي والإبعاد الَّذي طال كلَّ مواطن حظي بشعبيَّة واسعة. هكذا تعرَّض رجال الدَّولة الأكفاء كأرِسْتيدس وتِمِستوكَل للنَّفي. ومن العبث القول إنَّ أرستيدس تمَّ نفيه وإبعاده لأنَّه أعاق طموحات تمستوكل، أو لأنَّ لقبه “العادل” أثار حسد مواطنيه وغيرتهم، لا علاقة لكلّ هذا بالحقيقة. يدلُّ لقبه هذا على شعبيته الواسعة. تتمثَّل وظيفة الإبعاد في عدم إتاحة الفرصة لدكتاتور شعبيّ لتقلُّد مهام السُّلطة. كان هذا بالضبط الدَّافع الوحيد وراء نفيه، ونفي تمستوكل كذلك (رجل دولة وقائد عكسري. توفّي سنة 453 ق.م) Thémistocle.

يبدو أنَّ بركليسPériclès قد أدرك من تلقاء نفسه بأنَّ الدّيمقراطيَّة الأثينيَّة لا تتمثَّل في سيادة الشَّعب، فما كان لهذه السيادة أن توجد. عبّر عن ذلك في خطاب شهير نقله تيوسِديد (توفي سنة 400 ق.م) Thucydide: “بالرَّغم من ندرة الأفراد المؤهَّلين لصياغة مشروع سياسيّ، فإنَّنا جديرون رغم ذلك بالحكم عليه”. يفيد هذا القول استحالة تقلُّد مهام الحكم وتدبيره بكيفيَّة جماعيَّة، إلاَّ أنَّ ذلك لا يمنع من الحكم على الحكومة، و تقويم أدائها، أي القيام بدور هيئة التَّحكيم.

هذا بالضبط، ما ينبغي في تقديري، أن يكون عليه الأمر يوم الاقتراع: يوم لا نضفي فيه الشَّرعيَّة على الحكومة الجديدة، بل مناسبة نحدّد فيها موقفنا من الحكومة القديمة. إنَّه اليوم الَّذي تحاسب فيه الحكومة عن أدائها.

أودُّ أن أبيّن بإيجاز كون الاختلاف بين الدّيمقراطيَّة بوصفها سيادة الشَّعب والدّيمقراطيَّة من حيث هي حكم الشَّعب، ليس محض اختلاف لغويّ، بل له مضاعفات عمليَّة. إذ يبدو جيّدًا أنَّ فكرة سيادة الشَّعب تعلي من شأن التَّمثيليَّة النّسبيَّة. ينبغي لكي تقدّم التمثيليَّة البرلمانيَّة صورة صادقة عن الشَّعب وتتحقَّق قدر الإمكان فكرة حكم الشَّعب، ينبغي أن يكون كلُّ حزب، بما فيه الأحزاب الصغرى، ممثلا في البرلمان. لقد اطلعت أخيرا على مقترح مثير نوعا مَّا، حيث يدلي كلُّ مواطن بصوته حول ما تداوله ممثلوه، بالضَّغط على زر كهربائيّ فقط. أضف فضلا عن ذلك أنَّه يليق بنا، من منظور الدّيمقراطيَّة بوصفها حكم الشَّعب، التَّرحيب بالمبادرات الَّتي تقدم عليها الجمعيات.

تبدو الأمور من وجهة نظر الدّيمقراطيَّة كحكم للشَّعب ـ وهو ما أدافع عنه ـ على نحو مغاير. اعتبر شخصيًّا أنَّ تكاثر الأحزاب وتوالدها مصيبة كبرى. وبالتَّالي فأنا ضدُّ نظام الاقتراع النّسبيّ. يفضي في الواقع تكاثر الأحزاب لحكومات ائتلافيَّة، حكومات لا أحد فيها مسؤول أمام محكمة الشَّعب، لأنَّ كلُّ ذلك يفضي بالضَّرورة للتَّراضي. يغدو بالإضافة إلى ذلك التَّخلص من حكومة كهذه، غير مضمون، إذ يكفي الدُّخول في ائتلاف مع حليف جديد دون أهميَّة، لتستمرَّ هذه الحكومة في الحكم.

بالمقابل عندما يكون عدد الأحزاب قليلا، تكون الحكومات فعلا حكومات أغلبيَّة، مسؤوليتها واضحة وجلية. أعتقد، زيادة على ذلك، أنَّه لا فائدة أن تنعكس نسبيًّا آراء النَّاس، على مستوى ممثليهم ومستوى الحكومة. يفضي هذا لتملُّص الحكومة من مسؤوليتها، لأنَّ المرآة لن تكون مسؤولة، بأيّ حال، إزاء أصلها.

إلاَّ أنَّ أقوى اعتراض لديَّ على سيادة الشَّعب كونها تعلي من شأن الإيديولوجيَّة اللاَّعقلانيَّة، والمعتقدات الباطلة: معتقدات تسلطيَّة، نسبويَّة، لا يقرُّ الشَّعب (أو الأغلبيَّة) بموجبها بخطئه ولا بصواب تصرفاته. إنَّها إيديولوجيا عديمة الأخلاق، مرفوضة أصلا. نعلم منذ ثيوسديدس، أن الدّيمقراطيَّة الأثينيَّة (الَّتي أكنُّ لها كلَّ التقدير لاعتبارات عدَّة) اتَّخذت هي الأخرى قرارات جائرة. إذ هاجمت (من دون أدنى تحذير) جزيرة ميلوس المحايدة، فقتلت الرّجال، و سابت النّساء والأطفال، ثمَّ باعتهم في سوق النّخاسة. ذلك ما كانت الدّيمقراطيَّة الأثينيَّة قادرة على القيام به.

لقد جعل البرلمان الألمانيُّ لجمهوريَّة فيمار، المنتخب بكلّ حريَّة وطواعيَّة، من هيتلر ديكتاتورا، عبر القنوات المشروعة وبفضل النُّصوص الدستوريَّة المتعلّقة بالسُّلطات المطلقة.

الإنسان معرض للخطأ، هذا يعني أنَّ الشَّعب هو الآخر، شأن أيَّة جماعة بشريَّة، معرَّض كذلك للخطأ. إن كنت أدافع عن فكرة أنَّ من واجب شعب مَّا إقالة حكومته، فلأنَّه لا علم لي بطريقة أفضل من هذه لتجنب ويلات الاستبداد. الدّيمقراطيَّة من حيث هي حكم الشَّعب، بالصيغة الَّتي أدافع عنها، لا عيب فيها. والتَّعبير السَّاخر لتشرتشل ينطبق عليها فعلا: “الدّيمقراطيَّة هي أسوء أنظمة الحكم، باستثناء كلّ الأنظمة الأخرى”.

باختصار ليس الاختلاف بين الدّيمقراطيَّة كسيادة للشَّعب، والدّيمقراطيَّة كحكم لشعب، اختلافا لغويًّا. إنَّ تبعاته العمليَّة على قدر كبير من الأهميذَة، قد تهمُّ بلدا كسويسرا على سبيل المثال. ما فتئنا، للأسف، ندافع باستمرار ـ على ما أعتقد ـ في المدارس الابتدائيَّة والثَّانوي، عن النَّظريَّة الإيديولوجيَّة الخطيرة الَّتي تعلي من سيادة الشََّعب، عوض النَّظريَّة المتواضعة والواقعيَّة الَّتي تعتبر الدّيمقراطيَّة وسيلة لتفادي الدّيكتاتوريَّة بوصفها نظام حكم لا يُحتمل ولا مبرر أخلاقي له.

أودُّ الآن العودة لنقطة البداية. المستقبل مفتوح جدًّا، بوسعنا التَّأثير والتَّدخل فيما سيؤول إليه. مسؤوليتنا إذن جسيمة ولا نعلم عنه، إن صحَّ القول، شيئا. ما العمل؟ هل بوسعنا الحيلولة دون وقوع أحداث مرعبة كتلك الَّتي عرفها الشَّرق الأقصى؟ أقصد العنصريَّة، النَّزعة القوميَّة، ضحايا بول ـ بوت بالكامبودج، ضحايا آية الله بإيران، ضحايا الاجتياح الروسي لأفغانستان، ما يقع حاليًّا بالصين. ما الَّذي علينا فعله للحيلولة دون وقوع كلّ هذه الأحداث المرعبة والرَّهيبة الَّتي لا يمكن تصوُّرها؟ هل نحن فعلا في مستوى الحيلولة دون وقوع هذا؟

أجيب عن هذا السُّؤال بالإيجاب. نعم أعتقد جازما في قدرتنا على فعل الكثير. عندما أقول “نحن” أقصد الحديث عن المثقَّفين، أي المهتمين بالأفكار، أولئك الَّذين يقرؤون ويكتبون. فما الَّذي يدفعني إذن للاعتقاد في الدَّور الايجابّي للمثقَّف؟

بكلّ بساطة، لأنَّنا نحن معشر المثقَّفين، تسبَّبنا، ومنذ آلاف السنين، في أفضع المصائب والمحن. الإبادة الجماعيَّة باسم مذهب أو نظريَّة هي من أعمالنا وإبداعاتنا. إن توقفنا عن إثارة الأشخاص بعضهم بعض ـ عن حسن نيَّة ـ سيكون ذلك أمرا مهمًا وإن لم نتجاوز هذا الحدَّ. لا أحد بإمكانه الادعاء بأنَّ ذلك عصيٌّ علينا.

تلخص على نحو تقريبي، أهمُّ وصيَّة من الوصايا العشر: “لا تقتل أبدًا” الأخلاق كلُّها. هكذا لم تكن الكيفيَّة الَّتي صاغ بها شوبنهاور نظريته الأخلاقيَّة إلاَّ امتدادا لهذه الوصيَّة المركزيَّة. النَّظريَّة الأخلاقيَّة لشوبنهاور بسيطة، واضحة ومباشرة. إنَّها تقول: لا تؤذ أحدا ولا تلحق به ضررا، بل على العكس، ساعد البشر وقدم لهم يد المساعدة ما استطعت إليه سبيلا.

لكن ما الَّذي وقع لموسى عند نزوله لأوَّل مرَّة من جبل سيناء، بل قبل أن ينشر الوصايا العشر، حاملا الألواح الصَّخريَّة؟ وجد نفسه أمام بدعة قاتلة؛ عبادة المال. نسي موسى عندئذ الوصيَّة “لا تقتل أبدًا” وصاح في قومه: “ليتحلق حولي شعب الله … هكذا تكلم الرَّبُّ .. إله إسرائيل ..ليتقلَّد كلٌّ منكم سيفه وليخنق أخاه وصاحبه وقريبه…” هكذا سقط هذا اليوم قرابة ثلاثة ألف قتيل.

كانت البداية، فيما أظنُّ، على هذا النَّحو. هكذا استمرت الأمور فعلا على نفس الحال بالأرض المقدَّسة وبعد ذلك بالغرب، خاصَّة بعد تنصيب المسيحيَّة ديانة رسميَّة للدَّولة. إنَّه تاريخ رهيب مُورس فيه الاضطهاد الدّيني باسم الأرتودكسيَّة. سيتمُّ فيما بعد، خاصَّة إبَّان القرنيين السَّابع عشر والثَّامن عشر التَّذرع بحجج إيديولوجيَّة الواحدة بعد الأخرى لتبرير التَّعذيب والبطش والاضطهاد؛ باسم العرق أو القوميَّة أو الوطن أو الطبقة الاجتماعيَّة وكلّ البدع السّياسيَّة والدّينيَّة.
تخفي الارتودكسيَّة والهرطقة وراءها أحقر الرَّذائل، رذائل نحن المثقَّفين عُرضة لها، كالعجرفة والتَّعنت وادعاء المعرفة والابتذال الثَّقافي. هي رذائل حقيرة، لكنَّها مع ذلك، ليست في فظاعة الرُّعب. الحال أنَّ الرُّعب ليست غريبا تماما عن المثقَّفين. إذ لنا في هذا المجال نصيبا. يكفي استحضار ما قام به الأطباء النَّازيون من تقتيل للمرضى والعجزة بالمعتقلات وما عُرف بـ “الحلّ النّهائي” للمسألة اليهوديَّة.

لقد اقترفنا، نحن المثقَّفين، عن جبن وغرور وكبرياء أرذل الأفاعيل وأسوئها. نحن من كان علينا الاهتمام بمن لم يتمكَّن من الدّراسة، غدونا “خونة الرُّوح” على حدّ تعبير المفكّر الفرنسيّ المقتدر جوليان بيندا J. Benda . نحن الَّذين أبدعنا و وجنا للقوميَّة، نلهث وراء التَّقليعات البلهاء. نتكلَّم، بغية لفت الانتباه، لغة عصيَّة عن الفهم، لغة جذَّابة، لغة عالمة، مصطنعة، أخذناها عن أساتذتنا الهيغليين. هذا ما يعيق كلّ تبادل معقول بين المثقَّفين ويحجب في الغالب التَّفاهات الَّتي تصدر عنَّا والماء العكر الَّذي نصطاد فيه.

الأضرار الَّتي تسببنا فيها في الماضي مهولة. لكن هل أصبحنا مسؤولين فعلا منذ غدونا أحرارا في قول وكتابة ما نريد؟

عندما تطرقت فيما مضى لليوتوبيا الأفلاطونيَّة، ذهبت إلى القول إنَّ من اقترحوا إقامة فردوس على الأرض، لم يجلبوا إلاَّ الدَّمار. لقد تحمَّس عدد لا يستهان به من المثقَّفين للجحيم الهتلري  وافتتنوا به. هكذا اعتبره عالم النَّفس السويسري يونج Jung وثبة جديدة للرُّوح الجرمانيَّة. على كلّ، ليس لدى يونج ما يخسره ما دام يعيش بسويسرا. لكنَّه بعد وفاة هيتلر أسهب في الحديث عن الطبيعة الوضيعة للروُّح الجرمانيَّة.

لقد أفلح تشرشل وروزفلت، بفضل حلفهم الأطلسيّ، في وضع أسس عالم جديد، يرجع الفضل فيه للطيارين الشَّباب الَّذين ضحُّوا بأرواحهم من أجلنا خلال المعارك الحاسمة الَّتي خاضتها انجلترا بين سنتي 1940 و 1944. لم تعد أوربا والحالة هذه، تعيش بعد الانتصار على هيتلر، في الجحيم النَّازيّ، بل تنعم بالسّلم، في عالم من أفضل وأعدل ما عرفه التَّاريخ.

لكن ما كاد هذا الهناء يقف على قدميه ـ وكلُّ شيء يسير في الغرب على أحسن ما يرام ـ حتَّى بدأ القيل والقال المُبيّت ضدَّ مجتمعنا وحضارتنا وعالمنا الجميل. كانت هذه بداية مغالاة مفرطة في التَّدمير والتَّلويث تسببنا فيهما جريًّا وراء الربح. ودُمرت في وقت وجيز معالم عالم كان جميلا فيما قبل. بالفعل، الحياة معرضة للخطر والفناء يترقبنا جميعا، آجلا أم عاجلا. الخطر حاضر دوما و أبدًا، منذ بزوغ الحياة، يتهدَّد كلّ شيء بما في ذلك البيئة.

لأوَّل مرَّة، منذ تشكّل نظامنا الشَّمسيّ، أصبحنا، بفضل علوم الطبيعة والتَّقنية والصّناعة، في مستوى الحفاظ على البيئة. بل إنَّ جهود العلماء والتَّقنيين تسير في هذا المنحى. ففي الوقت الَّذي اتّهمنا فيه بتدمير الطبيعة وتخريبها جرى في صمت انقاذ بحيرة زوريخ الرَّائعة والبحيرة العظمى لمشيغان على ضفاف مدينة شيكاغو. تمَّت المحافظة على الحياة بهاتين البحيرتين بفضل تآزر العلم والتَّقنية والصّناعة. كانت بحقّ أوَّل عمليَّة من هذا النَّوع وبهذا الحجم منذ بزوغ الحياة في نظامنا الشَّمسيّ.

تسيير العالم وتدبيره ليس بالأمر الهيّن. إذ يؤثر أي نوع حيوانيّ أو نباتيّ أو طفيليّ في بيئة الأنواع الأخرى. قد يكون تأثيرنا نحن البشر قويًّا جدًّا، إلاَّ أنَّ فيروسا جديدا أو وباء جرثوميًّا كفيل بالقضاء علينا جميعا في سنين معدودة.

مراقبة الطبيعة، التَّحكُّم فيها مسألة صعبة والدّيمقراطيَّة، كيفما كانت، ليست هي الأخرى بالأمر الهيّن. وكما أشرت سابقا لقولة تشرشل؛ الدّيمقراطيَّة أسوء كلّ أنظمة الحكم، باستثناء كلّ الأنظمة الأخرى. أضيف هنا ما لم يفصح عنه تشرشل: ليست الدّيمقراطيَّة بالنّسبة للحكَّام نظام حكم مريح، لأنَّ الحكومات معرضة باستمرار للإقالة. إنَّها مدعوَّة لتقديم حصيلة عملها لنا جميعا ولكلّ واحد منَّا. هذا أمر جميل جدًّا، إلاَّ أنَّه يجعل عمل الحكومات صعبا فعلا. نحن في الآن نفسه الحَكَم  وهيئة التَّحكيم. إنَّ ما دعاه هيغل بـ“روح العصر” هو الإيديولوجيات الزَّائفة المطابقة لذوق العصر. إنَّها تقليعات مبتذلة تخلط بين الصواب والخطأ وإن كانت الحقيقة بديهيَّة وجليَّة. كلُّ هذا يغري ويأسر الحَكم وأعضاء هيئة التَّحكيم الَّذين نحن هم.

لقد أخذ هيتلر، مثلي أنا كذلك، عن الأساتذة المتحمّسين ما يعتقدون فيه: دواء العالم هو الرُّوح الجرمانيَّة. آمن هيتلر بهذا، شأن العديد من شبان الطبقة الفقيرة. ملايين من الشَّباب المقدام ضحُّوا بحياتهم من أجل الهيمنة على أوروبا، قادوا فقراء آخرين في ريعان شبابهم نحو الموت، ممَّن حاربوا بكلّ بسالة وإقدام في سبيل الحريَّة والسلم، مثلما حارب شباب ألمان من أجل هيمنة ألمانيا وعظمة هيتلر.

من واجبنا اليوم، بل علينا مواجهة الحقيقة وهي مسالة أضحت ممكنة. كانت الايديولوجيا الألمانيَّة وهما، كما أبان عن ذلك المؤرخ الألماني المقتدر فريتز فيشر F. Fischer . لنكن صرحاء  ونعلنها صراحة: لقد كانت خدعة، كانت الايديولوجيا الغربيَّة هي الحقيقة رغم ضروب السُّخرية الَّتي تعرَّضت لها ورغم خداعاتها الكاذبة. كافح الغرب في سبيل السّلم وها قد ناله الأوربيون وحصلوا عليه فعليا ، في قارة أنهكتها، منذ فجر التَّاريخ، الحروب. 

إلاَّ أنَّ المثقَّفين المتهوّرين وعديمي المسؤوليَّة لم يرووا في عالمنا الغربيّ إلاَّ الشَّر وأسَّسوا لديانة جديدة تبشر بضياعه وهلاكه. بدؤوا دروسهم هذه بكتاب أوسفلد سبنجلرO. Spengler “انحطاط الغرب”، يعتبرون أنفسهم متميّزين، أقوالهم مخالفة للبداهة. لقد افلحوا ليس فقط في تحريف البداهة، بل كذلك، في تزييف الحقيقة الموضوعيَّة.

لا أقصد محاكمة المثقَّفين، بل أدعوهم للاعتراف أخيرا بمسؤوليتهم تجاه الإنسانيَّة وتجاه الحقيقة. ننعم بحريَّة التَّعبير عن كلّ شيء، بما في ذلك إهانة العالم الحرّ ونعته بالفساد. من حقّ المثقَّفين ذلك، لكن ليست هذه هي الحقيقة، وإنَّه لأمر مشين إشاعة الأكاذيب. ليس الأمر مشينا فقط، بل من التَّهور بمكان الاستهانة بالمشاريع الكبرى الَّتي أنجزها تشرشل وروزفلت وأبطال الحرب بالحطّ من قيمتها وتزييف الحقيقة.

أودُّ أن أذكركم اليوم، بأنَّ الرُّوس بدؤوا أيضا في الاعتراف بعالمنا، بسلمنا والإقرار بأنَّ سلما شاملا لا هو بالأمر المستحيل ولا الطُّوباوي. لا بدَّ إذن من تعبئة كلّ طاقاتنا حتَّى لا نعيق هذه الإمكانيَّة. إنَّ فردوسنا قابل للتَّحقق وبالتَّالي علينا أن لا نفقد الثّقة في عالمنا ونحطَّ من قيمته، إذ هو من أفضل ما عرفته أوروبا في تاريخها. الحقيقة أنَّنا مهيؤون للإصلاحات القادمة وخاصَّة في الولايات المتَّحدة.

نحن أناس إرادتنا حسنة، نملك إرادة طيبة وهو ما أبان عنه جنودنا. لقد اكتملت إذن الشُّروط الضروريَّة لتحقيق السّلم على الأرض، شريطة مشاركة الرُّوس ومساهمتهم. إن أقدموا على ذلك، أمكننا، فيما يبدو لي، تحقيق حلم تشرشل وروزفلت، لا في أوروبا وحدها، بل في العالم أجمعه.

يبدو والحالة هذه، أنَّ الرُّوس ولأوَّل مرَّة منذ الحرب العالميَّة الثَّانية، مستعدُّون للتَّعاون! ينبهنا ساخروف، هذا المتوحّد المقدام، بعدم الثّقة في الدّيكتاتور غورباتشيف، ذي النُّفوذ القويّ ويضيف كذلك قائلا إنَّ الاتّحاد السُّوفياتيّ على حافة الانهيار. والحال أنَّنا لا نرغب فيما سينجم عن ذلك من ويلات لا حدّ لها في الاتّحاد السُّوفياتي وأخطار جسام على السُّلم العالميّ. قد يفضي الأمر لصعود نظام ديكتاتوريّ عسكريّ، لأعظم قوَّة عسكريَّة أرضيَّة وبحريَّة وجوّيَّة ويتبخَّر كلُّ أمل في السّلم.
يحلّل جورج سوروسG. Soros ، العارف بوضعيَّة روسيا ـ وإن في مستوى أقلّ من ساخروف ـ كلّ هذه المخاطر في مقال مهم نُشر بمجلَّة New York Review of books ومع ذلك يعتقد في رغبة روسيا للتَّعاون فعلا مع الغرب. الرُّوس يعرفون، أكثر منَّا، أين يوجد النَّعيم وأين هو الجحيم.

من واجبنا، قبل كلّ شيء، لكي يتحقَّق هذا التَّعاون، الوعي بما بلغناه وبما يمكن للحريَّة أن تمدّنا به. آنذاك يمكننا التَّساؤل عن الكيفيَّة الَّتي حقَّقنا بها ذلك، ونمدّ يد المساعدة لروسيا، إن كانت مستعدّة فعلا لتدمير ترسانتها الحربيَّة، طبعا مع اتّخاذ كلّ الاحتياطات اللاَّزمة.

هذه الإمكانيَّة متاحة لنا، تدفعنا، نحن المثقَّفين، لمواجهة الحقيقة الموضوعيَّة والتوقُّف عن الخلط، كما في الماضي، بين النَّعيم والجحيم.

علينا أن نعرف أنَّنا لا نعرف شيئا، وإن شئت قلت، لا شيء. غورباتشوف هو الآخر في مثل حالنا. لكي نقترب من السّلم، ولو بخطوة واحدة، علينا التَّخلي عن الأيديولوجيات الَّتي تهدّد فعلا السّلم، خاصَّة الَّتي تنادي بنزع السّلاح من جانب واحد. المعرفة بالحقل الَّذي نشتغل فيه ضروريَّة، على أساس اقترانها بالحذر، كما تفعل دودة الفراش والبحث عن الحقيقة بكلّ تواضع. لقد حان الوقت لكي نتوقَّف عن تقمص دور الأنبياء بأن نعمل على تغيير أنفسنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المُترجم مدرس للفلسفة وفاعل جمعوي.

* النَّص الكامل لمحاضرة ألقاها كال بوبر بجامعة سانت ـ كال بسويسرا سنة 1989.

,Karl Popper: « La leçon de ce siècle », Traduit par J. Henry et C. Orsoni
.Bibliothèques 10/18. Anatolia, P 127 – 146
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق