الربيع العربي لا يزهر إلا بالفكر النقدي / طارق زيادة

هل كان في وسع الدكتور نبيه أمين فارس وهو يُعَنْوِنُ كتابه الصادر في الأربعينات من القرن الماضي، “العرب الأحياء”، أن يتبيّن أن العرب الأحياء سيعودون بعد ثلاثة أرباع القرن من صدور مؤلَّفه، إلى وضع أقرب ما يكون إلى الموت السريري والغيبوبة، بعدما ظَنّوا وقد عانوا النكبات والهزائم والكوارث على يد الداخل والخارج، أن “ربيعهم” قد أزهر، فإذا هم أمام الثورة المضادة تعيدهم دهراً إلى الوراء، وتُمعِنُ في تمزيقهم وخلخلة بنيانهم المتصدّع أصلاً، الذي لم تنفع نهضتهم المزعومة أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، أن تنقذهم من مستنقع الجمود والتخلُّف، حتى إذا ما أكملت الصهيونية مشروعها في منتصف القرن الماضي، عاد ذلك كله وبالاً على وبال. ولم يكفِ هذا الغزو الخارجي الذي استفاد من ضعف البنية العربية، حتى تحكّمت أنظمة مستبدة، وباسم القضية، بخناق شعوبها. فما العمل والذهنية العربية على جمودها؟

الواقع أنه إذا كان العرب يريدون فعلاً مواجهة تحدّيات العصر الراهن والخروج من القرون الوسطى إلى أفق القرن الحادي والعشرين، فلا بدَّ لهم من إعمال الفكر النقديّ في تشريح بنيتهم الفكرية والسياسية والاجتماعيّة.
منذ ما يزيد على القرن ونصف القرن، لا تزال مجتمعاتنا العربية تتحدَّث عن “النهضة” من دون أن تخرج من هذا الطور، مما يفسح المجال وسيعاً للتساؤل عن أزمة هذه “النهضة” المستعصية التي لا تزال في طور المَخاض ولم تُثمِر بعد على رغم مرورها بأدوار متعدّدة، وهي في أقصى الحالات أعادت إنتاج الماضي تفسيراً وتأويلاً ولا تتعدّى ذلك إلى ابتداع الحلول الجديدة للمشكلات المستعصية، بل على العكس فإننا لا نزال نعبر من هزيمة إلى أخرى، حتى بات التعريف بزمن النهضة تعريفاً بزمن الهزيمة المفضي إلى الإحباط.

بالفعل أنَّ هذه “النهضة” المزعومة لا تخرج عن نطاق من اثنين: فإما هي تقليد مشوّه للتراث وإما هي تقليد للغرب، في حين أن التقليد مميت في الحالين ويؤدّي إلى الجمود، لأنه لا يأخذ في الاعتبار المعطيات الخصوصية لمجتمعاتنا الراهنة ولا تأريخيتها، مما يجعل الوضع يزداد تفاقماً وضياعاً وتبعثر جهود وفقدان رجاء.

هذا ما دفع عبدالله العروي إلى نقد التقليد ضد ممثّليه بالتركيز على التحليل التاريخي وتأصيل المفاهيم للنزعة التقليدية عند “الشيخ” وعند “الماركسي” غير باحث في مفاهيم فلسفية مجرَّدة لا يحدّها زمان ولا مكان، بل متطرِّقاً إلى مفاهيم تستخدمها جماعة قوميَّة معاصرة هي الجماعة العربية، أي ما يفعله العرب وصولاً إلى نجاعة العمل العربي المشروط بالصفاء والدقة الفكريَّين.

وإذا كانت الغاية هي الخروج من الأزمة البنيويّة التي نعيشها، فلا معدى لنا عن الفكر النقدي نعمله في تفكيك هذه البنية لمعرفة مكامن الضعف والقصور من دون خوف ولا وَجَل، وإلّا فإننا سنبقى نتخبّط في ما نحن به، بل ستزداد حالنا سوءاً على سوء.

لكنّ الفكر النقدي ليس أداةً سحريّةً بل هو يشترط، أول ما يشترط، الحرية، إذ لا إبداع من دون فكر حرّ، ولا فكر حرّاً من دون احترام كرامة الانسان.

من العَبَث أن نُطيل الكلام في مسؤولية الآخر (إسرائيل والغرب) عن سقوطنا، فإننا نعرف ماذا يريد العدوّ والغرب منّا، لكن العلّة تبقى فينا وفي قابليّتنا للانهيار، لأنّ العامل الخارجي ليس بكافٍ وحده لعرقلة مسارنا لو لم تكن بنيتنا الداخليّة ضعيفة واهنة نتيجة معطيات وأسباب عديدة منها التدهور الاقتصاديّ الذي نعانيه من قرون، والقهر المتمادي، ممّا أفقد الإنسان مناعته الداخليَّة وأصبح عرضةً للتقهقر المستمرّ.

فإذا أعملْنا سلاح الفكر النقديّ في شعاراتنا وبديهيّاتنا وأفكارنا بمنهجيّةٍ عقليّة صارمة وبروحٍ من الحرية والتسامح والحوار، فلا بدَّ أن نكتشف العلل الخطيرة التي نرسف فيها ونحاول فكّ القيود والخروج من أسر الحاضر الذليل.

على أنّ الفكر النقديّ لا يُخلَقُ من عَدَم ولا يولد من برجٍ عاجيّ، بل يأتي نتيجةَ علاقةٍ جدليّة مع الواقع، فكيف يمكن أن نوجد فكراً نقدياً من واقعٍ بائس أو أن نطبّق منهجاً عقلانيّاً عليه ونحن أسرى الماضي أو مجرد مقلدين مستهلكين لحضارة الغرب؟ تلك هي المسألة التي لا تزال ترين بثقلها على واقعنا الفكري منذ أن قامت “النهضة”.

يأتي الحل في محاولة تغيير الواقع العفن من ضمن تصوّر يحل الإنسان المحل الأوَّل، يحترم كرامته وعقله وحريّته. وعندما يثرى الواقع ويغنى، يزداد الفكر ثراءً وغنًى، ويتفاعل الواقع والفكر في جدل مستمر فيه زهو الحياة وشدّة أوارها.

عبثاً ما يُقال من أن “النهضة” أحَلَّت الفكر الحرّ المكانةَ السامية، إذ أن المفهوم النهضوي للحرية انحصر في فكرة الاستقلال السياسي، ولم يتعدَّه إلى إعمال النقد والتشريح والتفكيك في عُرى بنيتنا، فضحل مفهوم الحرية، وأعدنا إنتاج الفكر ذاته بصورة مشوّهة، تراثياً أو غربيّاً، وأعدنا معه الهزيمة تلو الهزيمة نحصدها تراجعاً مستمرّاً وواقعاً مريراً.

إنّ أزمتنا المصيريّة ليست مسألة أخلاقية أو تربوية أو تعليمية أو تنموية وحسب، كما يتصوّرها المفهوم “النهضوي” الذي ساد، بل هي مسألة إحداث تغيير جذري في حياتنا العامة ونظرتنا وذهنيّتنا وعقليّتنا وتعاطينا مع الواقع وفهم حركة التاريخ من منظور العلاقة الجدليّة بين الإنسان ومجتمعه، بحيث لا يكون المسار مسألة جبريّة أو آليّة محتّمة بل صنع أيدينا نمسك بها مصيرنا، ونخطّ مستقبلنا.

الخوفُ كلُّ الخوف أن يكون الفكر النقديّ العربيّ سطحيّاً لا يمسّ إلا القشرة الخارجية كما في السابق، وأن يبقى مقصراً عن بحث العوائق المعرفية والواقعية بعمق وحرية، نتيجة الخوف والكبت والانهزاميَّة التي تتّصف بها “نخبتنا”، وعندها لا معدى عن انتظار هزائم أشدّ وكوارث أفجع.

على طريق إعمال الفكر النقديّ في تحليل البنى، لا بدَّ من اعتبار العقل ظاهرة كباقي الظواهر الأخرى، يصيبه التحوّل والتبدّل التاريخي والجدلي، وهو ليس قائمة متحجرة متجمدة من المبادئ والتصورات والمفاهيم أعطيت سلفاً من قبل وبصورة نهائية. ذلك أنه بقدر ما يتقدم العلم ينتج لذاته أدوات معرفية تتكوَّن نتيجة تقدّم المعرفة ذاتها، فالعقلانية المعاصرة في انشدادها إلى العقل لا تتم ذلك عن اعتقاد منها بأنه أمر اكتمل تكوينه من قبل أوانه أمراً ناجزاً، بل إنه في طور النشأة والتكوّن والتأسيس، مما دعا لالاند إلى أن يقول: “مما لا مِرية فيه أن المبادئ خاصة التي من خلالها يفصح العقل عن ذاته، عرضة للتقدم في كل فترة تاريخية، غير أنه لا يمكن تجاوزها إلا استناداً إليها هي نفسها وذلك يجعل صيغتها أكثر انطباقاً وصدقاً”.

اضطرّ العقل، حتى يكون بحق أداة تأطير، إلى إعادة صوغ نفسه من جديد نافياً ذاته متجاوزاً لها، مراجعاً، معيداً النظر باستمرار في جدل قائم مع ذاته، وتغدو العقلانية سجالاً، والأفاهيم الحالية محصّلة الانتقادات والأفاهيم السابقة. على أنّ النفي الذي يقوم ليس نفياً آلياً، بل فيه توسعة تركيبية، وهو في الواقع نوع من التأليف الكلي ليعود وينقد هذا الواقع بحيث تصبح المعرفة تركيباً متواصلاً، من خلال احتكاك الفعل بالواقع، مما يتجاوز العقلانيّة الكلاسيكيّة التي تعتبر العقل منظومة معايير وقواعد تامة ومفاهيم مكتملة إلى عقلانية معاصرة تنظر إلى العقل كقدرة على استعمال المعايير والقواعد لبناء التجربة وهدم الواقع وإعادة صياغته. بل إن هناك مَن ذهب إلى عدم إضفاء الحقيقة على أي معرفة سواء أكانت حسية أم نظرية معتبراً “أن كل المعارف البشرية في الظاهر تقبل الإبطال لكنها لا تقبل الإثبات، وأنّ نمو المعرفة العلمية ليس عملية تراكم متواصل للحقائق بقدر ما هو إزالة مطّردة للأخطاء”. بحيث يتضعضع مفهوم اليقين في المعرفة ويستبدل بمفهوم الشك النقدي، ويصبح العلم كياناً نظرياً سِمَتُه ليس قبول الصدق وإنما قبول الإبطال والدحض كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف النمسوي كارل بوبر، أو على الأقل أن الملاحظة باتت تحمل طابع المناظرة، أي تؤيّد وتبطل نظرية سابقة كما يقول المفكر باشلار؛ وأنّ “العلم يُلزِمُنا خلق وإبداع نظريّات جديدة يكون الغرض منها هدم ركام التناقضات التي أصبحت تعوق الطريق أمام تقدم العلم الجديد وأنّ جميع الأفكار الأساسية في العلم نشأت داخل صراع مأسوي” على حد تعبير آنشتاين.

إنّ هذا يطرح التساؤل عمّا إذا كان النقد العقلاني هو نقد سلبي لا يجد موقعه إلاّ ضمن لحظة الهدم والنقض، وأنّ اللحظة الأخرى المتمثلة في إقامة التصوّر العلمي للمعرفة تبقى أملاً ورجاء يراود العقلانية المعارضة تمنعها حدودها كنزعة معرفية وفلسفية من إمكان تحقيقه؟

إنّ هذا يدعو البعض إلى نقد حدود العقلانية المعاصرة ذاتها على أنها تتحدَّد بهدم الأفكار الفلسفية التي تشبّث بها العلماء في ممارستهم، وبما هي فلسفة تتحدد باللافلسفة، أو بفلسفة “لا” حسب عنوان كتاب باشلار الذي يَعِد بفلسفة مطابقة حقّاً للفكر العلمي المتطوّر باستمرار، لكنه بقي على مستوى النقد والسجال معتبراً أنَّ على الفيلسوف أن يتعلّم من العلوم ومن تحوّلاتها ويستخلص العبرة الفلسفية، بمعنى أنه ليس على الفلسفة أن تقرّر العلم وأن تفرض عليه نموذجاً للاحتذاء. هكذا يُبَلوِرُ باشلار ممارسة جديدة للفلسفة قوامها النقد وليس بناء الحقيقة، وتصبح الحقيقة، كما عند بوبر، قيمة مثالية تحرك أفئدة العلماء لكنها تبقى بعيدة عن تناولهم. ويغدو النقد العقلاني نفياً ودحضاً وإبطالاً للمعارف الراهنة والقائمة، وهذا ما تابعه بارت ودريدا وفوكو، فما يهمّ لدى هؤلاء في فعل الفلسفة هو النقد وليس الحقيقة، أي التقويض والخلخلة لركائز الفلسفة التقليدية وأفكارها، أي النقد الدائم لها والكشف عن مواضع الخطأ والضعف في تلك الأفكار والنظريات، بحيث تصبح عملية التقييم عملية نقدية هدفها هو اكتشاف الأخطاء وإزالتها وإبطالها، ذلك أنّ نموَّ المعرفة وفعل التعلّم ذاته ليس عملية تكرارية أو تراكمية بل عملية إزالة للأخطاء وإبطالها، وهذا ما يجعل من المعرفة البشرية معرفة متناهية، بغض النظر عن انفتاح الكون على إمكانات واحتمالات لا متناهية في تنوّع ظاهراتها وتعدد شرائطها مما يجعل صعباً، افتراض اكتمال المعرفة البشرية، من دون أن يقلل ذلك من أهميتها البالغة، إذ أنّ الطابع العقلانيَّ للمعرفة يمكّن الناس من الاستفادة من أخطائهم حول كيفيّة التعاطي مع معتقداتهم بتناولها تناولًا نقدياً. ويبقى الخطر في الدغمائية أي الانغلاق ضمن إطار نظري معيّن وعدم قبول نظريات أخرى معارضة والانفتاح عليها، لأن النقد يكشف أن ما من خطاب إيديولوجي إلا ويمارس قدراً من الحجب والتزييف وما من علم يُبنى إلا على استبعاد أو نسيان.

إن المَقصودَ من النّقد ليس أن ننقد الطرق القديمة في التفكير، بل أن ننقد الطرق الحاليّة كما تظهر في مواقفنا من تلك الطرق والخطابات والنصوص. لقد فكّر العرب الأقدمون وأعطوا، وتبقى مساهمات العرب المعاصرين موضع الجدل وهي التي ينبغي نقدها وتبيان ما إذا كانوا يفكِّرون في ما ينبغي التفكير فيه أي في ما هو ممنوع ومحجوب ومسكوت عنه ومتوار.

هكذا يظهر جلياً أن على الفكر العربي المعاصر أن يكون فكراً نقدياً أي أن يحلل ويفكك وينقِّب ويبحث ويخرق ويبدّل ويعرّي ويفضح ويغيّر، أي نقد ما يمارسه هذا الفكر نفسه من عمليات التنظير، والتأصيل والقولبة والتنسيق، أي تحوّل هذا الفكر أداة نقدية بدل أن يكون بنية دغمائية. إن المطلوب هو نقد عاداتنا الذهنية وأساليبنا الفكرية واقتناعاتنا العقلية الراسخة، وبذا يصير النقد الحقيقي هو نقد مفهومنا للحقيقة قبل أي نقد آخر على حدّ تعبير المفكّر علي حرب ويشتمل خطابنا الجديد والضروري ضرورةً ماسّةً والمتضمّن أنه لا حرية فكرية ولا فعالية من دون ممارسة النقد، نقد الذات والفكر والعقل والوعي، أي فحص أدواتنا الفكرية المنهجية السائدة وإعادة بنائها في ضوء وقائع عالمنا ومتغيراته. وبذا نعقد علاقات جديدة تسمح لنا بتحويل علاقتنا بذاتنا المجتمعية وبعالمنا وتجعلنا مستجيبين تحديات الواقع. إن هذا النقد العقلاني شرط ضروري للنهوض، وإلاّ بقينا أسرى إشكال المعرفة السائدة وعادات التفكير الراهنة وأدوات السلوك الحاضرة التي أورثتنا حالتنا المزرية وضحالة فكرنا اللتين ستظلّان سائدتين ما سادت طرق تفكيرنا القائمة.

إذا كان لنا أن نأمل بربيع عربي زاهر، بعد هذا الشتاء القارس، فعلينا أن لا نكتفي بالشعارات العمومية كأدوات للتغيير المنتظر، بل على مفكّرينا ومثقّفينا أن يبدِّلوا عاداتهم الفكرية، وأن يخوضوا غمار المعركة بجرأةٍ وإقدام، معتبرين أنّ القطيعة المعرفيَّة مع التراث لا تتم إلا بدراسته دراسة تاريخية نقدية، واعين بكثيرٍ من القضايا والإشكالات المضمرة في هذا التراث العربي والإسلاميّ، ومدركين أنَّ الأخذ بالمفاهيم الغربيّة الحديثة حول الحريّة والدولة والتاريخ والعقل لا يصبح ناجعاً إلا بقدر إعماله في “الواقع المعيشي” للعرب الأحياء، أي موقع الباحثين الذين يتخذون عدّتهم من الواقع لا من الأفكار النظريَّة المجرَّدة، منصرفين إلى التفكير في الظواهر والعلاقات الماديَّة بما هي مواضيع يمكن إنتاج معرفة بها، على حدّ ما ذهب إليه العروي، معتبراً أن المفاهيم ليست مفارقة للواقع والتاريخ بل محايشة لها ضرورة.

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق