مشاعية الكتابة ونجومية المهمشين / شوقي بزيع

لا أحسب أن مارك زوكربرغ، مؤسس موقع الفايسبوك قبل سنوات، كان يضع الأدب في سلّم أولوياته حين ابتكرت عبقريته الشابة تلك المنصة الهامة والمفاجئة التي لعبت منذ قيامها أدواراً خطيرة وغير مسبوقة في مجال العلاقات بين البشر. لا بل إن مارك المدفوع في لحظة التأسيس بهاجس التواصل المحدود بين أصدقائه الأقربين ورفاقه في الجامعة، لم يكن ليقدّر أن حاجة البشر المتقوقعين على أنفسهم في شرانق مغلقة إلى كسر حاجز العزلة وتبادل الهموم والشجون والمسرات، ستدفعهم أفواجاً وجماعات إلى الانخراط في مشروعه كوسيلة أمثل للصراخ أو الهمس، للابتهاج أو الاحتجاج، وللتنفيس عما يكابده الإنسان المعاصر من ضجر ووحشة وإحباط. هكذا بدأت دائرة الاستقطاب تنتقل من خانة الآلاف إلى خانة الملايين ومئات الملايين، وصولاً إلى ما يقارب الملياري مشترك في آخر الإحصاءات. ولم يكن الأمر بالطبع ضرباً من ضروب الصدفة بل هو في بعض وجوهه رد جماعي عفوي على تسليم الكرة الأرضية قيادها لحفنة من الأباطرة الكبار الذين تتجمع في أيديهم مقاليد السياسة والاقتصاد والأمن والتاريخ والجغرافيا، تاركين لمليارات البشر أن يكتفوا بدور المستهلكين والنعاج والمهمشين، والقابلين بالواقع على علّاته.

الفايسبوك بهذا المعنى، ومعه وسائط اتصال أخرى، هو نقل للعولمة من طورها النخبوي إلى طورها «الشعبوي»، حيث بات لكل فرد حق الظهور صورة ولغة على شاشته الشبيهة بمسرح هائل ومفتوح أمام كل وجه سافر أو مقنّع، وكل اسم حقيقي أو «حركي». ولأن العوائق برمّتها قد أزيلت بين البشر، فإن كل صرخة أو شعار سياسي أو موقف اعتراضي على السائد يمكن أن يحدث تأثير الحصاة التي تُرمى في المياه الراكدة، وأن تتحوّل تموجاته إلى انتفاضة شعبية، أو ربيع عربي وغير عربي، أو هيجان جماهيري يصعب ترويضه وإيقافه عند حد. فنحن هنا أمام «هايد بارك» خرافي من المواقف والخطب والأفكار والشعارات ودعاوى التبشير، أو أمام برج بابل جديد من خلائط اللغات والايديولوجيا والمذاهب العقائدية والدينية، بحيث إن كل نص سياسي أو فكري يمكن أن يثير وراءه زوابع من علامات الإعجاب، أو زوابع مضادة من التعليقات الرافضة والمستنكرة. وإذا كان الانترنت بوجه عام، وموقع الغوغل بوجه خاص، قد جعل المعرفة مشاعاً بين متصفحيه وأنزل المثقف من موقعه النخبوي المتعالي، فإن الفايسبوك قد ذهب أبعد من ذلك حين قلب هرم التراتب على رأسه وخلط أوراق اللاعبين وفقاً لمعايير وأسس مغايرة لا تمتّ لأحجام هؤلاء الفعلية بأية صلة. يكفي أن نتصفح حائط الشبكة العنكبوتية تصفحاً عشوائياً لكي نقف ذاهلين إزاء التفاوت الهائل بين العدد الضئيل لعلامات الإعجاب التي توضع تحت نص رفيع المستوى لكاتب معروف، وآلاف «اللايكات» التي تحصل عليها كاتبة ناشئة وعديمة الموهبة لمجرد أن صورتها المنشورة في أعلى النص تمتلك من الجاذبية والسحر ما يضعف مناعة الكثيرين، بمن فيهم بعض مشاهير الكتّاب والشعراء.

مؤسسة مشاعية

والفايسبوك من بعض وجوهه هو «مؤسسة» مشاعية بامتياز، حيث أمكن لجميع الشرائح والطبقات ولمن يفتقر إلى الثقافة ولمن «يفك الحرف» أن ينتمي إليه وأن يتيح لأناه المكبوتة والمغيَّبة أن تحقق ذاتها بشكل أو بآخر، بدءاً من نشر الصور المجردة واليوميات المملّة ووصولاً على إدلاء المشاركين بدلوهم في كل شاردة وواردة. وكلما ازدادت وطأة العزلة وعُقد النقص عند المشاركين، تضاعف بالمقابل إلحاحهم على البروز وعلى طلب الصداقات مع كتّاب وشعراء ومبدعين وفنانين لم يكونوا ليحلموا برؤيتهم أو التواصل معهم مباشرة في يوم من الأيام. وإذا أردت أن أستعير لهذا الموقع شعاراً ملائماً فإنني لا أجد أفضل من شعار «السفير» التي اعتبرت نفسها منذ صدورها «صوت الذين لا صوت لهم». لا يعني ذلك بأي حال أن النصوص الغزيرة التي تظهر على صفحة الفايسبوك تقع بمجملها خارج الإبداع الأدبي، والشعري على وجه الخصوص. لا بل إن هذا الأخير، وأقصد الشعر، هو أكثر الفنون إفادة من شبكة التواصل الاجتماعي. صحيح أن بعض الرسامين ينشرون لوحات لهم على الملأ، وأن بعض الروائيين ينشرون مقاطع صغيرة من رواياتهم. ولكن الصحيح أيضاً أن كل ذلك يبدو ثانوياً أمام الأعداد الهائلة من القصائد والمقطوعات الأدبية والخواطر الوجدانية والتأملية. فالشاشة الصغيرة التي تشبه مجلات الحائط في المدارس هي المنبر النموذجي لنشر الشعر والنصوص المفتوحة، التي تلقى المزيد من الرواج كلما كانت أقرب إلى الإيجاز. إذ إن الشاشة هنا أقرب إلى حائط الفرجة السريعة منه إلى المجلة الأدبية المنوطة بنشر البحوث المعمقة والملاحم الطويلة. وفوق هذه الشاشة يتجاور الكتّابُ النجوم مع المغمورين، والمخضرمون مع الناشئة، والتقليديون مع غلاة الحداثة، والموهوبون مع عديمي الموهبة ويختلط حابل الشعر بنابل الإنشاء المدرسي.

ومع ذلك كله، فقد أعاد الفايسبوك الاعتبار لفكرة الرمزيين القائلة بأن المرء لا يولد بالضرورة شاعراً، بل هو يصبح شاعراً بالدُّربة والكد والاكتساب. لكن ما ذهب إليه هؤلاء لم يكن يعني بأي حال استسهالاً لفن الشعر واستخفافاً بخصوصيته وشروطه، بقدر ما كان يلمّح إلى أن بذرة الشعر موجودة بنسب مختلفة ومتفاوتة داخل كل كائن بشري، وبأن الشخص المعني يملك أن يسلّم هذه البذرة إلى اليباس والتلاشي، ويملك بالمقابل أن يتعهدها بأسباب الرعاية والنماء والنضج. لكن الأمر مع الفايسبوك بدا مختلفاً عما ذهب إليه بعض الرمزيين حيث أخذ الكثيرون بنصف الفكرة المتعلق بمشاعية الشعر، ولم يأخذوا بالنصف الآخر المتعلق بالمكابدة والمغالبة المضنية مع اللغة وتخليصها من الرطانة والهذر والاستسهال.

هكذا اندفع الناس، والشبان على وجه الخصوص، كالسيل لتعليق كل ما يخطر على بالهم من هواجس وتداعيات وصور ومحاولات متفاوتة الجودة على جدران «كعبة» العصر الجديدة. لا بل إن الكثيرين لم يتورعوا عن استباق أسمائهم الصريحة بلقب شاعر، من دون أن ينتظروا من أحد منحهم بركة هذا اللقب الذي يطمح العرب جميعاً إلى حيازته. غير أن هؤلاء لم يرتضوا لأنفسهم أن تظل أسيرة العالم الافتراضي، ولذلك انتقلوا بقفزة واحدة إلى دنيا الواقع عبر إحيائهم للندوات والأمسيات الشعرية المتلاحقة، وصولاً إلى نشر نصوصهم التي أُعدّت على عجل في كتب ومجموعات شعرية، لا يجد معظم الناشرين حرجاً في إصدارها في ظل ما تدرّه حفلات التوقيع من أرباح مضمونة.

النجوم

أما الشعراء والكتّاب «النجوم» والمكرّسون الذين اندفعوا في البداية لنشر قصائدهم ومقطوعاتهم، فما لبثوا في ظل هذا الهرج الزجلي المتعاظم أن انكفأوا إلى الخلف، مكتفين بين حين وآخر بإطلالات متباعدة وخجولة، أو مغلقين صفحاتهم تماماً. صحيح أن الفايسبوك قد وفّر لهم فرصاً إضافية لإخراج نصوصهم وقصائدهم من عهدة الكتب التي لا نجد من يقرأها إلى رحابة الفضاء الافتراضي، ولكن الصحيح أيضاً أن قواعد اللعبة اللغوية قد اختلفت تماماً، وأن الغلبة هنا ليست للإبداع الصرف بل لمنطق المجاملات الاجتماعية والترويج الدعائي وتبادل علامات الإعجاب. ناهيك عن تعرض الكثير من النصوص الجيدة إلى السرقة والنهب والمصادرة، من دون رقيب أو حسيب. على أن كل هذه الهنّات والمزالق لا تحجب بأي حال الجوانب الإيجابية المقابلة والمتعلقة بإعلاء اللغة ومنعها من التأسّن وإحالتها إلى المجرى الهائل لنهر الرموز والاستعارات الذي لا يكف عن التدفق. فوسط غثاء النصوص المتهالكة يمكننا دائماً العثور على نصوص مفاجئة لكتّاب لم تُتح لنا متابعتهم بعناية، أو لشعراء مغمورين ملفوحين رغم يفاعتهم بلهب الإبداع وجماله الضاري. صحيح أن التسيّب يبلغ مع الفايسبوك وغيره ذراه الأخيرة، ولكنه لم يكن في يوم من الأيام حكراً على عصر بعينه، كما أنه ليس دائماً علامة أدبية سلبية. ففي ضوء اتساع الفجوة بين مستويات التعبير، تكتسب الجودة ألقها الإضافي، ويبدو الذهب وسط كثبان الرمال وأكوام التراب أكثر إثارة للفتنة منه في واجهات العرض ومحال الصاغة.

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق