فانتازيا الدم / طلال الميهني

يحتل الماضي موقعاً مركزياً في الخطاب السياسي للحركات الإسلامية على تنوعها، إذ تنطلق هذه الحركات من ضرورة العودة إلى الأصول، إلى صفاء المرحلة الأولى، وإلى النص المؤسس. وينطبق ذلك في صورة خاصة على الحركات الجهادية العنفية المتطرفة كـ «داعش» التي لا تستلهم الماضي على مستوى الخطاب والأيديولوجيا فقط، بل تتعدّى ذلك إلى الملبس والمظهر والطقوس.

لكن جــرعة العنف والتوحش التي يقدمها «داعش» تؤكد أن «الماضي» الذي تستند إليه فقيرٌ وقاحل، ماضٍ لا يمكنه تأسيس ثقافة مزدهرة، أو المساهمة في البناء الحضاري، وهذا ما يتناقض جذرياً مع المساهمات التي قدمتها منطقتنا للحضارة البشرية في فترةٍ من الفترات. ويدفع بنا ما سبق إلى طرح أسئلةٍ كبرى حول طبيعة «الماضي» الذي يسعى داعش إلى إحيائه: فهل كان «الماضي المجيد» الذي نفتخر به مجرد حملات دموية كما نرى الآن على الشاشات؟ ترى هل كان تاريخنا بهذه الوحشية؟ وهل الصورة المشرقة التي نتغنى بها كانت كذبة سجّلها المنتصر؟

من الصعب الوصول إلى إجابات جازمة عن مثل هذه الأسئلة، فالماضي ولّى بعيداً منا بما يحمله من تفاصيل، ولم يبقَ بين أيدينا سوى بعض المصادر التاريخية التي لا يمكن التسليم المطلق بصحتها ودقتها، فمعظم هذه المصادر كان كُتِبَ، بأقلام المنتصرين أو المغلوبين، لخدمة وجهات نظر معينة! يضاف إلى ذلك أن البحث التاريخي غالباً ما يفتقر إلى الموضوعية، وغالباً ما يقع فريسةً للأهواء المسبقة التي يؤمن بها المؤرخ، وهذا ما يفسر كثرة المواقف الدفاعية والهجومية، التمجيدية والتحقيرية. فالتاريخ عموماً، وفي منطقتنا على وجه الخصوص، كان من أبرز ضحايا البروباغندا، وأداةً لتوطيد السلطة والتصفيق لها، بدل أن يكون حقلاً علمياً رصيناً للبحث عن الحقيقة واكتشافها.

لكن، من خلال المثل «الداعشي» يبدو أن من الممكن الحديث عن حالتين مختلفتين: عن «الماضي الحقيقي» الذي عاشته المنطقة تاريخياً بكل ما يحمله من إيجابيات وسلبيات وإنجازات ومآخذ، وعن «الماضي الداعشي»، أي عن الماضي الدموي المتوحش الذي يحاول «داعش» خلقه في صورة فانتازية وتطبيقه على أرض الواقع.

يمكننا إلى حدٍّ ما استكشاف «الماضي الحقيقي» عبر الاطلاع على المصادر التاريخية والمقارنة بينها بكثير من التجرّد، مع التسليم طبعاً بأنها لا تنقل بالضرورة صورةً صحيحة، إذ تخبرنا تلك المصادر بأن دخول المسلمين بلاد الشام والعراق ومصر وفارس كان يسير وفق مبادئ براغماتية، وتخبرنا عن تصالحٍ نسبيٍّ ومرونةٍ ملحوظةٍ بين المقبلين الجدد وبين الواقع القائم قبل مجيئهم. إن مجرد وجود تلك الروايات عن المواقف البراغماتية المتسامحة نسبياً هو بحد ذاته دلالةٌ على قبولٍ مهمٍ لـ «الآخر» ضمن سياقٍ تاريخي محصورٍ بالعصور الوسطى (وليس وفق معايير القرن الحادي والعشرين).

يمكن أيضاً استكشاف «الماضي الحقيقي»، وتتبع التصالح البراغماتي النسبي في فترة الإسلام المبكر، من خلال الآثار العملية على مستويات عدة. فعلى المستوى الديموغرافي – الديني استمر التنوع في الجماعات البشرية القاطنة بلاد الشام والعراق ومصر وفارس، وبقي المسلمون أقليةً عدديةً لقرون عدة في تلك المناطق. وعلى مستوى السلطة أبقي على الجهاز البيروقراطي للدواوين والوزارات، واستُلهمت هيكلية الحكم من الإمبراطوريات البيزنطية والفارسية من دون أن يشكل ذلك حساسيةً لدى المسلمين تحت مسمى «البدع»، أو بدعوى تقليد «الآخر». أما على المستوى الفكري – الثقافي فانتشرت ظواهر الانزياح والتبادل والاندماج الثقافي، لتساهم في بناء الفكر الديني الإسلامي الذي تفاعل بنشاطٍ مع المحيط.

بالنتيجة، أفضى الانفتاح النسبي والتعامل البراغماتي مع الواقع القائم إلى خلق بيئةٍ ثقافيةٍ غنيةٍ عملت على رفد الحضارة البشرية على مدى قرونٍ من العصور الوسطى.

ومع التسليم بأن «الماضي الحقيقي» لم يكن حالةً مثالية، فإن ما يقدمه «داعش» مخيفٌ ومظلمٌ بالمطلق: فهو عازم على تدمير كل ما هو قائم في المناطق التي يجتاحها، وهذا ما يفرغ تلك المناطق من التنوع، ليسود فيها لونٌ دينيٌّ وطائفيٌّ وحيد. «داعش» المهووس بالعقوبات الجسدية وطقوس الدم وقمع المرأة وتدمير الجمال، يفتقر إلى أدنى مقومات الإبداع الثقافي والمساهمة الحضارية، ليتوّج هذه المهزلة التراجيدية في عصر التكنولوجيا، عبر استخدامه منابر حرية التعبير والميديا لنشر الكراهية والحقد على نطاق واسع.

يبدو أن «داعش» لا ينطلق من ماضٍ نقيٍّ وأخلاقيٍّ، ولا من ماضٍ مجيدٍ وعظيم، ولا يهتم أصلاً بـ «الماضي الحقيقي»، فـ «داعش» يتجاوز كل ذلك ليخلق «ماضيه» بناءً على فانتازيا خاصة به: «فانتازيا الدم» المتخمة بالذبح والقتل وكراهية الحياة، بصناعة التوحش والموت وعداء الإنسان والحضارة. «داعش» ليس مجرد حركة متمردة على الحداثة الغربية، وليس بحركةٍ تدافع عن الإسلام، بل هو جماعةٌ متمردةٌ على كل ما هو جميلٌ في هذا العالم، ومادةٌ خصبةٌ تجب دراستها لفهم مدى الشر الذي يمكن أن يمارسه الإنسان.

لا شك في أن الاستبداد يولّد الظروف التي تدفع نحو التطرف ونشوء «داعش» وأمثاله، ونحن كمسلمين في حاجةٍ إلى مقارعة هذا الاستبداد وما يولده من فقرٍ وجهلٍ وانغلاق. لكننا في حاجةٍ أيضاً إلى مراجعةٍ شاملةٍ لما قدمناه للبشرية منذ قرنين حتى الآن، وإلى وقفةٍ حقيقية مع ما تنتجه ثقافتنا الراكدة، بعيداً من التبرير والشعور بالنقص، وبعيداً من التكفير ونظريات المؤامرة. فمثل هذه الوقفة واجبٌ دينيٌّ لحماية الثقافة الإسلامية من أكبر تهديدٍ وتشويهٍ يواجهها في العصر الحديث، وواجبٌ إنسانيٌّ بغية التضامن والتكامل مع الحضارة البشرية والعودة للمساهمة في بنائها. لكن، طالما أن جموع المسلمين لا تزال غارقةً في سباتها، وطالما أن المؤسسات الدينية الإسلامية لا تزال أسيرة التقاليد وتتحاشى التجديد، فالخشية كل الخشية من أن نصل إلى مرحلة ما عاد ينفع فيها قولٌ أو عملٌ أو عزاء.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق