الجهل المقدَّسُ في نقد المقدَّسِ

أعرف بأنَّ الفكر الدّينيَّ يستند في الكثير من أسسه ومرجعياته على ثقافة الحسّ المشترك الَّتي أنتجها -في نشأتها وتكونها وفي سيرورة تطوُّرها- الجهل المقدَّس الَّذي صار مع تطاول الزَّمن بمثابة الأطر الاجتماعيَّة للمعرفة والفكر الَّتي تعمل على التكوين الذّهنيّ والبناء لشخصيَّة الإنسان العربيّ والمسلم. ونقصد بالجهل المقدَّس كلّ تلك الحكايات والقصص الأسطوريَّة الَّتي أنتجها المتخيَّل الرَّمزيُّ الاجتماعيُّ بفعل الانشطار الانفعاليّ العاطفيّ، والانجذاب الوجدانيّ لخير الأمَّة والفرقة والطَّائفة والمذهب والقبيلة إزاء الآخر من الدّين نفسه أو من الأديان الأخرى. كما يتمثَّل الجهل المقدَّس في كلّ المدوَّنات الَّتي أحاطت بنشأة النَّص الدّينيّ وتكوُّنه وتطوُّره، وجعلته حقيقة مقدَّسة مفارقة ومتعالية عن الواقع الحيّ الَّذي أفرزها كإنتاج بشريّ تاريخيّ إجتماعيّ.

هل يمكننا نقد الفكر الدّينيّ من خلال التديّن الفكريّ النقد، وهو في حقيقته ليس أكثر من الجهل المقدَّس، أي باعتماد الغطاء الدّينيّ كآلية سياسيَّة إيديولوجيَّة تقوّي من حظوظ النَّقد في امتلاك المصداقيَّة اللاَّهوتيَّة والحقيَّة المعرفيَّة والعقائديَّة في نقد الفكر الدّينيّ؟ هل يمكن لهذا النَّقد الخائف من المجابهة الصَّريحة والَّذي يجد نفسه مجبرا في نقده على ارتداء حجاب الفكر الدّينيّ كاستراتيجيَّة للكتابة النَّقديَّة أن ينتج شيئا آخر غير الفكر الدّينيّ الَّذي هو في حقيقته الفكريَّة الاجتماعيَّة تكريس ومعاودة إنتاج للجهل المقدَّس؟ هذه الأسئلة وغيرها كثير أنتجها تفاعل القراءة للمقالات الأخيرة الَّتي كتبها الأستاذ هاشم صالح وهي منشورة بموقع الأوان.

1- الانفعال النَّفسيُّ والانشطار الوجدانيُّ آليتان للانغلاق وإيقاف التَّفكير

لقد اعتمد الأستاذ هاشم الأسس والمنطلقات نفسها الَّتي تروق خطاب الفكر الدّينيّ، كما أنَّه اعتمد نفس الآليات ليس في التَّحليل والاقناع، بل في بناء مسلّمات مقدَّس الحقيقة المتعالية كما لو أنَّنا أمام قصَّة “الخضر” في تبرير العنف والقتل وسفك الدّماء كمقدر مسطور في اللَّوح المحفوظ ولا يعلم تأويله إلا الله. بسبب الانفعال المفرط الَّذي ولَّدته الهجمات الإرهابيَّة، إلى جانب الإرهاب المضاد الَّذي لا يكفُّ الإعلام الغربيُّ كخطاب إنتاجيّ تواصليّ في المجال البيو سياسي للهيمنة الإمبرياليَّة كتب هاشم هذه المقالات التَّبجيليَّة والتَّقديسيَّة للإسلام ونبيّه ضاربا عرض الحائط بكلّ المقاربات والمنهجيات التَّاريخيَّة والنَّقديَّة في العلوم الانسانيَّة والاجتماعيَّة مدافعا بشراسة عن تسامح الإسلام وعظمة نبيّه مستشهدا بأقوال المفكّرين والأدباء والشُّعراء عن روعة وقداسة الرّسالة الدّينيَّة للإسلام في الأخوَّة والمحبَّة والتَّعايش والسَّلام…

متجاهلا الواقع التَّاريخيَّ الاجتماعيَّ للسَّيرورة التَّاريخية للمشروع الإسلاميّ، كمشروع شموليّ إمبراطوريّ إستعماريّ إعتمد العنف العسكريَّ الَّذي يسمَّى باللُّغة الدّينيَّة الجهاد كقوى إنتاج ماديَّة للسُّلطة والثَّروة من خلال العنف الحربيّ والسَّطو على الغنيمة. متجاهلا التَّحوُّلات الدّيمغرافيَّة الَّتي كانت وراءها غزوات العنوة الَّتي كانت تليها حملات من التَّهجير القسريّ المباشر أو من خلال السَّطو الاقطاعيّ على الأرض المفتوحة. متجاهلا التَّفكُّك الأسريَّ إمَّا بسبب القتل أو من خلال الأسر ممَّا ولَّد معاناة إنسانيَّة في العبوديَّة وتجارة الرَّقيق إلى جانب بشاعة سوق النّخاسة للجواري والغلمان…

أيُّ تسامح وأيَّة محبَّة وعظمة وقداسة إلهيَّة هذه الَّتي أتت على الأخضر واليابس من الجشع السُّلطويّ للتَّسلُّط الدّينيّ؟ ألم يمكن كلُّ الطُّغاة أوفياء لمشاريعهم؟ ألم يكن هتلر وفيًّا مخلصا في الدّفاع عن نازيته الهمجيَّة ولو كلَّفه ذلك حياته؟ فكيف نبرّر العنف الدَّموي الَّذي مارسته الدّيانات ومنها الإسلام؟ وهل يفسّر الغيب الخرافيُّ الأسطوريُّ للجهل المقدَّس العنف الَّذي مارسه رجال الدّين ومنهم الأنبياء بضرورة الحكمة الإلهيَّة الَّتي تتجاوز الفهم الإنسانيَّ لما يحدث من جرائم؟ إنَّ مقالات الأستاذ هاشم تدافع عن شرعيَّة الإرهاب حين تجد الأعذار لما أقدم عليه النَّبيُّ بدافع الضَّرورة لمنطق السُّلطة الجديدة والحرص الإلهيّ على نجاح الدَّعوة. في هذا السّياق من الوعي الغيبيّ لحقيقة النُّبوَّة بأحقيَّة وضرورة تأسيس سلطة نشر الإسلام يمارس الإرهابيُّ مشروعه الهمجيَّ مؤمنا إلى أبعد الحدود بالعناية الإلهيَّة والفرح الرَّبانيّ بقربان شهادة عباده المؤمنين في الدّفاع عن سلطة داعش ورسالة داعش.

للأسف ابتلع الأستاذ هاشم الطُّعم حين تحجَّب بالدّين من أجل نقد الفكر الدّينيّ. ومارس من حيث لا يدري إستراتيجيَّة السَّلفيات السّياسيَّة في صراعها السّياسيّ من أجل الوصول إلى السُّلطة من خلال سحب البساط الشَّعبيّ من تحت أقدام الخصم، أي سحب الشَّرعيَّة من خلال التَّعبئة والتَّجييش الشَّعبيّ. لذلك يكتب الأستاذ هشام وعينه ليست على جدل التَّنوير، بل على سحب هذا البساط من تحت أقدام الإسلام السّياسيّ. وفي هذا الشَّكل من الوعي السّياسيّ والمعرفيّ يسقط الإنسان في مواقع الخصم لأنَّه ينطلق من الاطار الأيديولوجي نفسه، فيكرّس ما يرفضه بنوع من التَّوفيقيَّة القريبة إلى التَّرقيع، فيفوّت على نفسه إنتاج البديل الَّذي لا يمكن أن يكون إلاَّ من خلال النَّقد النَّقيض الَّذي يمتلك عدَّته النَّظريَّة وأدواته المفهوميَّة في ممارسة الصّراع الفكريّ والثَّقافيّ والسّياسيّ بعيدا عن تفسير الغيب بالغيب وفق تراث الجهل المقدّس.

2- لماذا يكرّر هاشم صالح نفسه باستمرار؟

أنا لا أنكر الدور الرَّائع التَّنويريَّ الَّذي قام به أستاذي هاشم صالح في ترجمة فكر محمَّد أركون. لكنَّني أراه في كتاباته عاجزا عن تجاوز نفسه في اللَّحظة الأيديولوجيَّة الَّتي يرزح تحت عبئها مبشّرا بنهاية الأصوليَّة وبأنَّ العصر هو عصر التَّنوير، كما لو أنَّنا أمام نفس الخطاب الأيديولوجيّ الفجّ بأنَّ العصر عصر الاشتراكيَّة. لا يمكن للتَّنوير الحقيقيّ أن يكون من خلال التَّمسح الدّيني السّياسيّ ولا من خلال التَّلفيق التَّوفيقيّ. خاصَّة لا يمكن أن يكون من خلال الصُّراخ والعويل والخبط العشوائيّ، بل يحتاج إلى التَّحليل النَّقديّ الرَّصين الهادئ، وممارسة التَّفكيك بمعنى الكلمة للقداسة البشريَّة الَّتي اعتلت السَّماوات اللاَّهوتيَّة متنكرة لتاريخ الوحل البشريّ.

فمن يقرأ مقالات هاشم الأخيرة يصاب بخيبة أمل كبيرة وهو يرى أستاذا رفيع المستوى أخذ على عاتقه، من خلال عمله الدَّؤوب على مشروع أركون، إغناء اللُّغة العربيَّة بتركيبات لغويَّة علميَّة ومقولات فكريَّة نقديَّة ومفاهيم منتجة للمعرفة والفكر النَّقديّ، يسقط في أمام هاشم في بحثه عن نبيّ جديد للمجتمعات العربيَّة والإسلاميَّة يصحّح التَّحريف والتَّشويه الَّذي أصاب الرّسالة والرَّسول ويخلّصهما من الخرافات والشَّوائب والمغالطات ليرى العالم حقيقة الرّسالة والرَّسول الأنواريَّة المبشّرة والحاملة لإسلام الأنوار.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق