الرهان الفلسفي / ع. ح.

في هذه المقالة ثمة مناقشات وحوارات جرت مع اشخاص حقيقيين أو مفترضين. وهي تتناول مشكلات راهنة وقضايا مصيرية، بقدر ما تتناول علاقتنا بمفردات وجودنا، كالحقيقة والعقل والهوية والاخر، وبخاصة الانسان رأس القضايا والمعضلات. وفيها أعرض لبعض أفكاري أو أعيد صياغتها، سواء ما تعلق منها بطريقتي في التفكير، أو بقراءتي للمعطيات، أو برؤيتي للخروج من النفق الذي نتردى إليه على المستوى العربي، أو لتجاوز حال التخبط والتورط التي ننزلق إليها على المستوى العالمي.

أبدأ باستراتيجيتي الفكرية، التي هي محلّ التباس ومدار سجال، لأقول بأني أفكر وأكتب، لا لكي أقبض على الحقيقة أو ادّعي احتكارها، ولا لكي تحاصرني أسئلتي أو أقع أسير مسبقاتي. أفكر وأكتب لكي أتقن لعبة الخلق والفتح، بطرح الأسئلة المنفلتة من أطر الزمان والمكان، أو بإثارة مشكلة الكائن وأزمة الانسان.

خرق الشروط

أحاول خرق الشروط واجتياز الحدود، وأشتغل بتفكيك الأجهزة الإيديولوجية أو القوالب المعرفية التي تصادر حرية التفكير أو تحاصر ارادة الفهم، سواء اختص الامر بفخاخ الهوية وهوامات الحرية، أو بأصنام النظرية وديكتاتورية الحقيقة، أو بعوائق التنمية ومآزق الثقافة.

رهاني في ذلك هو فتح أفق تتجدد معه العدة الفكرية في وجه من الوجوه، حقل أو صعيد أو منهج أو صيغة أو آلة… هذا هو شأن العمل الفلسفي، بما هو نشاط نقدي تنويري، في وجهيه التحليلي والتركيبي. انه فاعلية مزدوجة تكشف عن وجوه القصور والحجب أو الخداع والزيف في ما يقال او يعلن، بقدر ما تفتح امكانا جديدا للنظر والعمل او للرؤية والمعاملة او للتقدير والتدبير، على النحو الذي يتيح لنا ان نفهم ما كان يستعصي على الفهم، او ان ندرك ما كنا نجهله من اقوالنا، او ان نقوم بما كنا نعجز عن القيام به.

العين النقدية

من هنا، لا اركن إلى ما يقوله أصحاب المشاريع والدعوات، أكانت قديمة أم حديثة. أساس ذلك أنني لم أعد أثق بالإنسان ثقة مطلقة، بعد كل هذه الصدمات والتراجعات والانهيارات. لذا لم اعد آخذ بما يدّعيه أحدنا بوصفه كائناً عاقلاً متنوراً يحب الحقيقة والعدالة والحرية. لا مهرب من مراجعة حساباتنا وفتح ملف انسانيتنا، وسط ما يمارس من عبث وجنون أو ما يحدث من عنف وخراب.

الأمر الذي يعني أن مفاهيمنا للعقل والتنوير والحرية، باتت مستهلكة، ساذجة، لا تشرح ولا تفسر، بل تموّه الحقائق وتطمس الوقائع. من هنا حاجتها إلى النقد والتفكيك لفهم ما تفاجئنا به افكارنا واعمالنا، مما ندّعي محاربته من الفساد والاستبداد والإرهاب.

بالطبع ثمّة من يصدمه نقد المشروع الحداثي، التنويري والعقلاني، متهماً هذا النقد بأنه عبثي لاعقلاني. في الرد كان جوابي أن الصيغ العقلانية والممارسات التنويرية، هي كسائر الأنشطة البشرية قد تكون، في عصر أو طور، شغالة وراهنة، ثم يأتي عليها طور آخر، فتستهلك وتفقد صدقيتها على الشرح والتفسير، أو تتكشف عن مناطقها المعتمة وممارساتها اللامعقولة لكي تعطي مفعولها العكسي، حجباً وتمويهاً أو خداعاً وزيفاً.

لذا لا مفرّ من نقد منتجات العقل من الصيغ والانساق والقواعد، بالاشتغال عليها تحويلاً وتطويراً. وإلا تخلّى الواحد عن عينه النقدية، وتحول إلى ديناصور فكري.

تهويمات التاريخ

يتساءل البعض عن صلة ما أقوله بمشكلة التاريخ، كوني أتعامل على نحو نقدي مع ما يقال ويطرح في هذا الخصوص. جوابي أن الكثيرين عندما يحاولون تشخيص الأوضاع الراهنة، يلجأون إلى مقولة “التاريخ” بصيغها المختلفة: الخروج من التاريخ، دخول التاريخ، الانسداد التاريخي، الوقوف على منصة التاريخ، أو في حضرته، أما الفيلسوف ألان باديو فيتحدث عن “عودة التاريخ”، بعد اندلاع الثورات العربية في العام 2011.

هذا ما نجده، بشكل خاص، لدى أتباع فلسفة التاريخ وايديولوجيات التقدم. فهم يفهمون التاريخ بوصفه قوانينه الصارمة وحتمياته التي لا تُرَدّ، بقدر ما يتعاملون معه، كأنه إله يراقب البشر من عليائه لكي يحكم عليهم بالعقاب أو الثواب. من هنا آلت صناعة التاريخ عندهم الى تلغيم الحاضر وسدّ أبواب المستقبل.

نحن إزاء مقولات تنطوي على قدر كبير من الوهم والخداع والزيف، لأن الماضي لا وجود له. ما يوجد هو الحاضر، بوصفه من معطيات الوجود ووقائع الحياة، أي بوصفه جزءاً من بنية الواقع الراهن، كما يتجلى في الآثار والنصوص أو في العقليات والعادات أو في الاختراعات والأدوات. ما في وسعنا أن نفعله، هو العمل عليه، بتأويله واستثماره، لصنع الحاضر، وعلى نحو يفتح للمستقبل ابوابه الواسعة وآفاقه الرحبة.

في هذا المعنى ليس العرب خارج التاريخ، كما تحدث أحد المحاضرين في ندوة بجاية في الجزائر، حول “أزمة العلوم الانسانية”. إذ هم اليوم جزء من العالم يتأثرون به ويؤثرون فيه. إنهم يحضرون وسط المشهد، ويفعلون بصورة أو بأخرى. وكان شاهدي هو عنوان الندوة نفسه، لأن ما يعنيه، على المستوى الفلسفي، هو الانخراط في مناقشة المشكلات الفكرية التي تستأثر باهتمام الإنسان المعاصر. وهذا ما فعله بالذات صاحب الاطروحة عن خروج العرب من التاريخ. لقد قدّم مداخلة قيّمة عن أزمة الإنسان المعاصر، هي على النقيض مما طرحه. وفي هذا دليل على أن ما يتناساه الخطاب ولا يقوله، هو أهم مما يقوله ويدّعيه.

لذا، فالمنتظر أن يخرج العرب من هامشيتهم، على المستوى الفكري، ويتحرّروا من مسبقاتهم الإيديولوجية، الدينية والعلمانية والحديثة، لكي يتقنوا لعبة الخلق والفتح، ويتحولوا إلى فاعلين على المسرح، بصورة ايجابية وبنّاءة.

الاندراج في العالم

هناك الكثير من الثنائيات التي ينشغل بها المثقفون العرب، قد فقدت صدقيتها وباتت تستخدم على سبيل الخداع أو الزيف، كثنائية العرب والغرب ومثيلاتها: الإسلام والغرب، الإسلام والامبريالية، صراع الحضارات، وسواها من المقولات والثنائيات. نحن لم نعد في عصر كيبلينغ ولا حتى في عصر هنتنغتون. فالعرب هم جزء من الحضارة الغربية في أكثر وجوه حياتهم منذ قرنين.

بالطبع هناك الثقافة الدينية التي تقاوم موجات الحداثة، لكي تقف ضد منطق الحياة، بطوطماتها النبوية ومعسكراتها القدسية وتنانينها الإرهابية. لا أنسى الثقافة الإيديولوجية القومية التحريرية التي انتهت، بعد عقود من رفع شعارات مقاومة الاستعمار، إلى إقامة أنظمة تتقن ممارسة الاستبداد والفساد وتخريب قيم الحداثة.

اليوم، أصبح العرب جزءاً من الحضارة العالمية، في عصر تتشابك فيه المصائر والمصالح على المستويات الاقتصادية والاستراتيجية. لذا كان عليّ، أثناء زيارتي الجزائر، أن استشهد بالصينيين والبرازيليين الذين يقفون وراء النهضة العمرانية في هذا البلد الشقيق.

هذا ما يجعلني أقول لسائلي عن موقفي من الاستعمار. لنقرأ التجارب المريرة: إن الناس باتت تترحّم على عهود الاستعمار والملكية، بعد قيام الأنظمة الشمولية القومية أو اليسارية، التي صادرت الحريات وانتهكت الحقوق وداست القيم.

اليوم، وعلى وقع الحروب الأهلية التي تُغرق البلاد العربية في بحور من الدماء، أصبح الكثيرون ينفرون من مصطلحات الوحدة والتحرير والمقاومة والممانعة والعروبة والأسلمة، بقدر ما يحنّون إلى زمن الرجعية والامبريالية. بل نحن، وبعد أكثر من قرنين من مقارعة الغرب بوصفه الغازي والمستعمر والناهب، نستنجد بدوله لردع بعضنا عن بعض أو لتأليب بعضنا على بعض. يا لها فضيحة قومية أو دينية، أن يصبح عدوّنا اللدود هو الشقيق في الوطن أو الأخ في الدين.

الأدهى هو أننا نتحدث عن الاستعمار الغربي والاحتلال الإسرائيلي، لكي يفاجئنا الاحتلال الإيراني، من حيث لا نحتسب، بعد أن انكشفت اللعبة وبانت الخديعة، أي أن ما رفعته إيران، زعيمة محور المقاومة والممانعة من الشعارات، كان مجرّد ذريعة للتدخل في شؤون العالم العربي بتفكيك دوله وتمزيق مجتمعاته، بهدف السيطرة عليه.

مثل هذا الكلام اثار أصدقائي الجزائريين الذين تساءلوا: هل تريد لنا ان ننسى وحشية الاستعمار الفرنسي؟ وكان عليَّ بدوري أن أطرح سؤالي المربك والفاضح: هل كان الفرنسيون أكثر شراسة ووحشية على الجزائري من الجزائري على شريكه في الوطن؟! لا اعتقد، وكما يشهد عقد الإرهاب الأسود. أنا لا أقول ذلك لأبرئ الاستعمار، بل لأقول بأن الإنسان هو القاتل. هذا ما أراه إذا نظرنا إلى الأمور بعين وجودية، فلسفية. من هنا كان تعليقي على الجريمة البشعة التي ارتكبها ذاك الشاب اللبناني، منذ عقود، بقتل جارته العجوز من غير سبب، أي للقتل نفسه: كلما قتل أمرؤ نظيره فزعتُ من نفسي. والدرس المستخلص هو مراجعة إنسانيتنا، إذ هي مصدر المشكلة ومكمن العلة. وهذا ما تشهد عليه التجارب، حيث الضحية يتحول إلى جلاد، والمظلوم إلى قاهر ظالم. هذا ما يتكشف اليوم في الحروب الأهلية العربية، حيث نجد أن من يدّعي محاربة المنظمات التكفيرية الإرهابية التكفيرية، إنما يفكّر على شاكلتها، لكنه يجهل أصول عقائده ومباني افكاره ومآلات أقواله أو يحاول التستر عليها. بهذا المعنى هو يساهم في انتاج التطرف والعنف، من حيث لا يعقل ولا يحسب.

الزيف الوجودي

على المستوى الفكري والفلسفي تبدو ثنائية العرب والغرب هي الأكثر خداعاً وزيفاً؛ أولاً لأن العرب أخذوا الفلسفة عن اليونان، ثم طوّروها وأثروها في عصور الازدهار الحضاري. هذا ما حصل في العصر الحديث، حيث افاد العرب مما تحقق من انجازات في هذا الحقل، في الدول الغربية، سواء عبر الترجمة أو عبر الاطلاع المباشر.

ثانياً، لأن الأعمال الفلسفية تتجاوز أساساً التصنيفات العرقية والدينية والجغرافية. هكذا تعامل معها الفلاسفة في الحضارة العربية الإسلامية، أي بوصفها لغة مفهومية خارقة لحدود اللغات والهويات والمجتمعات. فكيف ونحن ننخرط، اليوم، في عصر تتعولم فيه الهويات والخيرات والمشكلات. كما تتعولم الأفكار والنصوص!

من الفضائح أن يتحدث فلاسفة ومشتغلون في حقول الفكر والمعرفة، عن شرق وغرب، أو عن عقل عربي وعقل غربي أو عن استشراق واستغراب، فيما هم في وعيهم للعالم وفي معارفهم وشهاداتهم وألقابهم، ثمرة للفكر الغربي الحديث والمعاصر.

في هذه المسألة أيضاً، هناك من يصدمهم هذا الكلام الذي لا يعترف بالحدود الفاصلة أو الحاسمة بين الثقافات. إذ يرون في ذلك محاولة لإلغاء الخصوصيات الثقافية والمجتمعية.

ولكن إذا أحسنّا قراءة المجريات والمعطيات، لا نجد سوى الخصوصيات. المعطيات التي يشتغل عليها الفلاسفة وعلماء الإجتماع، من أفلاطون إلى ابن خلدون، ومن ماركس إلى بيار بورديو، هي خاصة، ولكن ما ينتج منها من أفكار هي دوماً عابرة للحدود، كمفاهيم الطبقة أو المنظومة أو العصبية أو البنية الفوقية أو رأس المال الرمزي.

هكذا، كل فكرة حيّة أو خصبة هي رأسمال ثقافي بشري، بل هذا شأن كل رواية أو قصيدة أو لوحة تصدر عن تجربة فذة وتصاغ على نحو جمالي، انما هي أيضاً لها بُعدها العالمي الخارق.

من المفارقات أن بعض الفلاسفة والكتّاب العرب، ممّن يقيمون في البلدان الغربية ويحملون جنسيتها، قلّما يتطرقون إلى مشكلات المجتمع الجديد الذي يعيشون فيه، بل لا يزالون مشغولين بقضايا الهوية التي هي فخاخ فكرية.

بالطبع كل واحد يدافع عن هويته. لكن مهمة الفيلسوف أن يشخص الواقع على المستوى الفكري والمفهومي، بحيث يقف على الأسباب والعوامل التي جعلت الهوية تتحول إلى مشكلة لأصحابها في البلدان الإسلامية.

من هنا عندما سألتني إحدى الطالبات عن احوال الفكر العربي، في ندوة جامعة قسنطينة كان جوابي: إن الفكر في العالم العربي يكون بخير، عندما نكسر قوقعة الهوية وننسى أننا نشتغل بتجديد فكرنا، لكي نثير أسئلة الفكر عموماً، بحيث ينخرط الفلاسفة العرب في مناقشة القضايا التي تتعلق بمفردات الوجود كالحقيقة والحرية والعدالة، أو التي تستأثر باهتمام الإنسان المعاصر، وأخصّها مشكلات الإرهاب والبيئة والانهيارات المالية أو أزمة النماذج التنموية…

آن لنا أن نغيّر طريقة تعاملنا مع ذاتنا ومع الآخر. نحن جزء من العالم، وعلينا أن نطرح أسئلته ونساهم في صياغة أزماته الوجودية والحضارية أو معالجتها. لذا فالرهان أن نفكر عالمياً، بإنتاج ما نفيد منه نحن والآخرون، وما به ننتزع مشروعيتنا وسط الأمم على مستوى الأفكار والمعارف.

في ما يخصّني، سعيت مذ بدأت الكتابة والتأليف، إلى كسر ثنائية العربي والغربي، والخصوصي والعالمي. فأنا أكتب حول التراث العربي، كما أكتب حول فلسفة اليونان، وأتحدث عن ابن سينا وابن خلدون وابن عربي، كما أتحدث عن ديكارت وهيغل وهايدغر؛ كذلك أتحدث عن أزمة النموذج الفرنسي، كما أتحدث عن الأزمة في البلدان العربية. من هنا استخدم احياناً تعبير “الفلسفة المكتوبة بالعربية”، لأن الفلسفة هي لغة عالمية، ولأن المقولات الفلسفية تتجلى في النهاية في نصوص مكتوبة.

العقل والنص

في السؤال عن علاقتي بالفلاسفة والمفكرين العرب المعاصرين، كان جوابي أنني أعترف بأنني قرأت أكثرهم، وأفدت من بعضهم، وبخاصة نقاد العقل كأركون والجابري أو صفدي، لكني أعتقد في الوقت نفسه أنني خرجت عليهم، بقدر ما نجحت في تشكيل عالمي الفكري واجتراح طريقتي في المقاربة والمعالجة، ممارساً عملي الفلسفي بتجاوز المطلقات الدينية أو التقسيمات العرقية أو التهويمات النضالية.

هكذا، أنا ناقد لهم، سواء اختص الأمر بمن ذكرت من الأسماء، أو بسواهم كصادق جلال العظم ونصر حامد أبو زيد أو طه عبد الرحمن. هذا فرق بينهم وبيني يغفله الكثيرون. انه الفرق بين نمطين من النقد: نقد العقل ونقد النص. ففي “نقد العقل” تسيطر ثنائيات الصح والخطأ، أو العقلاني والخرافي. لذا لا يلتفت الى انظمة العلامة وتراكيب اللغة وتشكيلات الخطاب التي هي مادة الكلام وأرضه وقاعه، اي ما يجعل القول ممكنا.

في المقابل تختلف النظرة في “نقد النص”، حيث العمل الفلسفي يعامل، شأنه شأن كل خطاب، كعالم دلالي متعدد الوجوه والابعاد والطبقات، بحيث يحتاج الى ان يقرأ قراءة خصبة وفعالة، تقرأ فيه ما لم يرد على ذهن مؤلفه او ما لم يقرأ من قبل. بحسب هذا النقد، يبدو لي بعض المفكرين الذين يصنّفون في خانة العقلانية والعلمانية، إنما يتعاملون مع عقولهم وشعاراتهم، بطريقة أصولية لاهوتية، كما لو أنهم رجال دين ولكن بلقب دكتور ومن غير عمامة. بالعكس، ثمة رجال دين أجدهم يتعاملون مع هويتهم بصورة منفتحة، مرنة، عقلانية، كما أجد مفكرين، كابن عربي، يصنّفون في خانة اللامعقول والعرفان الصوفي أو يقدّمون أنفسهم بأنهم أصحاب وحي وإلهام، إنما يصدرون عن تجارب ومغامرات فكرية تتكشف عند التحليل عن اتساع العقل وأصالة الرؤية وقوة المفهوم.

عقدة الاسم

من المحاور التي يتردد الكلام عليها بين لقاء وآخر، في الندوات الفكرية، هويتي كيف أعرّف بها أو أمارسها.
أنا، كما أصرّح، أعرّف بنفسي، كما يفعل نظرائي في البلدان الأخرى، من خلال مهنتي وبلدي، فأقول كاتب أو فيلسوف لبناني، كون الكتابة هي حرفتي والفلسفة اختصاصي. ولا استبعد الصفة العربية، كوني أنطق بالعربية وأكتب بها.
لكني أستبعد الصفة الدينية من التعريف بهويتي. أولاً لأن استخدامها هو من قبيل الادعاء والزيف، عند من يعتبر نفسه من أهل الفلسفات لا من اتباع الديانات. ثانياً، لأن استخدام الهوية الدينية بإشهارها والتعصّب لها، كان له مفاعيله الكارثية في العالم العربي: العودة عن مكتسبات الحداثة وإشعال فتيل الحرب الأهلية.

في السؤال عما إذا كنت تحررت فعلاً من الإسلام كما أدّعي، كان جوابي أن الأمر يتوقف على ما نفهمه بكلمة “إسلام”. هل هو مجرد عقائد ايمانية أو طقوس خرافية أو تصورات ذهنية مطابقة لحقيقة الواقع؟

مثل هذا الفهم للإسلام الذي يمارس، كمتراس عقائدي وفكر تكفيري، أو كعبادة للأشخاص والنصوص، هو ما حاولت التحرر منه.

أما إذا اخذنا بالمناهج الحديثة، حيث الأفكار والمفاهيم أو التصورات والعقائد، انما تتجلى في تشكيلات الخطاب وأنظمة النص، فإن النظرة إلى الإسلام تتغير، بإنزاله من صعيده القدسي والمتعالي إلى ارضه المحايثة وسيرورته الدنيوية.

في هذا المعنى أتعاطى مع الإسلام لا بوصفه متراسي، بل بوصفه تراثاً حيّاً، هو حقل للدرس أو إمكان للتفكير، أستلهمه أو أستثمره في حياتي ومهنتي، لأحوله إلى فكرة حيّة وراهنة، أو إلى قاعدة صالحة للعيش المشترك.

من المؤكد أن استبعاد العنوان الديني إنما يصدم الكثيرين، كما جرى في لقائي الفكري في جامعة قالما بالجزائر. ولما استشاط أحدهم غضباً، ذكّرته بأنني استخدمت في حديثي الآيات القرآنية مرتين: الأولى عندما قلت بأن نيتشه قرأ زرادشت قراءة خلاقة أخرجته “من الظلمات إلى النور”، بتقديم صورة مفهومية جديدة عنه. هكذا استثمرت الآية للتعبير عن الفكرة بأسلوب بياني له وقعه وصداه. الثاني عندما تحدثت عن نشأتي وسيرتي، ذكرت بأنني ولدت في الحرب العالمية الثانية في العام 1941. وقد أرحل من هذا العالم، ولما تنتهي الحرب اللبنانية، التي بدأت في العام 1975، والتي انتقلت إلى البلدان العربية، ثم أضفت قائلاً: لعل الحرب هي قدرنا ولعنتنا.

هنا وجدت نفسي أستشهد بالاية: “وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو”، معقّباً على ذلك بالقول: إن الآية تصدر عن تصور للمجتمع البشري هو أكثر صدقية وأقل تفاؤلاً، بكثير، من النظريات الفلسفية والعلمية التي وعدت بإقامة فردوس ليبيرالي على الأرض حوّلوه إلى جحيم في البلدان الشمولية.

استحالة القبض

أتوقف عند مسألة الحقيقة وهي من أكثر المسائل المحتاجة إلى إعادة النظر، من فرط ما عشش في العقول حول هذه المسألة من الأوهام والخرافات، وربما الشعوذات، وكما تتجسد في وهم القبض على حقيقة الكائن وماهية الواقع أو على معنى النص وهوية الذات.

فتاريخ الفلسفة في ما يخصّ مسألة الحقيقة، بما ينطوي عليه من التعدد والاختلاف أو التعارض، يشهد ضد الفلاسفة، أي ضد الادعاء بامتلاك الحقيقة. لأن لا أحد يمتلك الحقيقة، كما لا أحد يمتلك العالم. الأحرى القول إن الحقيقة هي ما نقدر على خلقه أو ما نُحسن انجازه، في هذا المجال أو في هذا الوجه من وجوه الحياة.

أتوقف هنا عند سؤال البعض عن سبب استخدامي أكثر من عبارة أو صيغة للتعبير عن الفكرة نفسها، وعما إذا كان ذلك يعود إلى تشوّش في الذهن وعدم وضوح الفكرة.

كان جوابي أن تعدد الصيغ لا يعود لا إلى خلل في المنهج، ولا إلى قصور في الرؤية، وإن كان العقل لا ينفك يتكشف عن قصوره، وإنما يعود لاستحالة القبض على معنى نص أو ماهية واقعة.

هذا ما يجعلني لا أستخدم المنهج المحكم أو النسق الصارم في مقارباتي، بل امارس الكتابة، الحرّة، المفتوحة على الحدث والتجربة أو المجبولة بالمعايشات والمكابدات. بذلك فإن تعدد الصيغ يغني المقاربة، لأن كل صيغة تتناول الموضوع من زاوية معينة أو على مستوى بعينه. فالواقع هو في غاية التعقيد والالتباس. من هنا حاجته إلى فكر مركّب يرى إليه بكل ابعاده ووجوهه.

ضربتُ مثلاً على ذلك هوسرل زعيم فلاسفة القبض على الماهية الصافية، بمنهج الاختزال والرد والتصفية. لقد كتب هوسرل آلاف الصفحات من دون أن يصل إلى بغيته. لأن المهمة مستحيلة أصلاً، بقدر ما تصدر عن مفهوم أحادي جوهراني للحقيقة وللنص. من هنا قولي: لقد مات هوسرل وفي نفسه شيء من فلسفة الظاهرات، لأنه مع كل قول جديد، إنما يتجدد الفكر ويختلف المعنى، بإعادة ترتيب العلاقة المركّبة بين الرؤية والشيء أو بين المقول والمفهوم والموجود .

لا يعني ذلك أن ما ألّفه هوسرل ذهب سدىً. فنحن لو تعاملنا معه بحسب منطقه ومفهومه للحقيقة، أي بالاستناد إلى ما اراد طرحه والبرهنة عليه، لقلنا بأنه أخفق. لكننا نتعامل معه بمنطق آخر لا يرى إلى القول الفلسفي بوصفه تصورات محضة يكوّنها العقل المحض لكي يقبض على حقيقة الواقع. وإنما نتعامل معه بمنطق آخر يرى إليه بوصفه تشكيلاً خطابياً، أي واقعةً تنتج حقيقتها ونصّاً يولّد أثره، في ما يتعدى مقاصد المؤلف وإرادته، بحيث نكشف عما لا يدركه القائل من أقواله أو لا يفهمه من اطروحته أو يجهله من أمر نفسه.

إذا كان هوسرل قد اخفق في تحويل الفلسفة إلى علم صارم ومحكم، فإنه خلق عالماً فكرياً هو من الكثافة والغنى والالتباس بحيث يحتاج إلى ما لا يتناهى من القراءات. ولما استنكرت أستاذة الفلسفة نقدي لهوسرل، في ندوة قسنطينة، قائلة بأن فلسفة الظاهرات ليست خواء، بل تعلّمنا الكثير، كان جوابي، أننا نتعلم منها بقدر ما نقرأ في النص ما لا يُقرأ، أو ما لم يدر في ذهن صاحبه. فالنص ليس مرآة للحقيقة، وإنما هو منجم فكري، يمكن التنقيب فيه، لأنه أوسع وأغنى بكثير مما يدّعيه أو يطرحه.

في هذا المعنى، لم أظلم هوسرل أو أتعسف بنقده. بالعكس، حاولتُ إخراجه من المأزق الذي اوقع نفسه فيه بتعامله مع النص بوصفه مرآة الحقيقة، أو بادعائه الوصول إلى ماهية الكائن.

لذا أنهيت ردي بالقول: أرأيت أيتها السيدة المفاعيل العجيبة للطريقة الجديدة، التي تقرأ في النص ما تناساه صاحبه أو خفي عنه أو جهله من أمر مبنى كلامه ومفاعيل أقواله.

الدرس المستخلص هو كسر منطق القبض والتيقن، والتحرر من التعامل مع الحقيقة على نحو قدسي، أقنومي، ماهوي، للتعامل معها بمفردات الخلق والانجاز أو الإستراتيجيا والسياسة أو اللعبة والرهان.

دجاجة الفلسفة

في الندوة التي جرت عن “أوهام الفلاسفة حول المجتمع” بدأت كلامي بنكتة فلسفية: بعد أن نال أحد الطلاب شهادة الدكتوراه في الفلسفة، احتفي به بإقامة مأدبة حضرها الأهل والأصدقاء. وقد سأله أحدهم: نحن نعرف ماذا يعمل الطبيب والمهندس والتاجر والمحامي، لكننا لا نعرف ماذا يعمل الفيلسوف. فأجابه صاحب الشهادة: أنظر الى هذه الدجاجة التي هي أمامنا على الطاولة. باستطاعة الفيلسوف أن يثبت لك أننا أمام دجاجتين. عندها قال له الرجل: إذاً خذ دجاجة الفلسفة واترك لي هذه الدجاجة.
هذه النكتة لها دلالتها البليغة، بقدر ما تكشف عن الفجوة بين النظريات المجردة والحقائق الثابتة من جهة، وبين الواقع بالتباساته وتعقيداته وصيرورته من جهة أخرى. وما حاولته هو تسليط الضوء على بعض الأوهام التي تتحكم في رؤية الفلاسفة للواقع والمجتمع.

أولها وهم القبض على حقيقة الواقع، ومنشأه الأخذ بمنطق المماهاة والمطابقة بين المقولات والوقائع أو بين الكلمات والأشياء. الدرس المستخلص هنا هو كسر هذا المنطق للعمل بمنطق الخلق والتحويل والتركيب. فما نقوله عن الواقع ليس مرآة الحقيقة، بل هو مجرد قراءة تنتج حقيقتها وتولّد أثرها، بوصفها تشكل إمكاناً خصباً للتفكير، على سبيل الفهم والتشخيص سواء في ما يخص أطر النظر وقواعد العمل أو أدوات المعرفة وصيغ العقلنة.

الثاني هو وهم الفردوس، ومفاده نفي الواقع لكي تصح تنظيريات الفلاسفة. المثالات جلية في هذا الخصوص، من أفلاطون الى ماركس، ومن بيار بورديو الى تشومسكي. من المفارقات، في هذا الخصوص، أن ماركس نظّر لنهاية المجتمع الرأسمالي، فإذا بالرأسمالية تبقى وينهار المشروع الاشتراكي.

لا شك أن للفلاسفة إنجازاتهم التي تتجلى في ما ابتكروه من المفاهيم في تحليلهم لظواهر المجتمع وبناه ومؤسساته، كما هو شأن مفاهيم الطبقة أو المنظومة أو العصبية أو الصراع أو المسرح أو رأس المال الرمزي، وسواها من المقولات أو الإستعارات التي تصف جانباً من جوانب الحياة الإجتماعية. لكن الفيلسوف عندما يفكر في تغيير الواقع المجتمعي، يخترع مجتمعاً أو عالماً لا صلة له بالواقع الحي.

في هذا المعنى، الفرق بين مجتمع الفلاسفة المثالي والمجتمع الحي، هو كالفرق بين الدجاجتين، الحقيقية والمتخيلة. الدرس المستخلص هو أنه لا وجود لمكاسب نهائية في ما يخصّ الحقوق والحريات، ما دام لا يوجد حقائق نهائية أو يقينية. الرهان هو العمل الدائم على خلق الإمكانات والفرص التي تتسع معها مساحة الحرية، والتي تتيح للفرد اكتساب المزيد من القدرة في ما يخص صناعة حياته وقيادة مصيره.

أما الوهم الأخير فمنشأه النرجسية البشرية، كما تتجلى في نخبوية الفلاسفة وفي الثقة المفرطة بالإنسان نفسه، بوصفه كائناً يحب الحقيقة والعدالة والمساواة. فلا الفلاسفة هم كائنات عقلية محضة، ولا المجتمعات تسير على هدى العقل والفضيلة، وإلا كيف نفسّر العبث والجنون، أو العجز والفساد، بعد كل هذه الترسانة من النظريات الفلسفية والمنظومات الإدراكية.

الدرس المستخلص هو خفض السقف الرمزي من المتعاليات والمثاليات. فلا وجود لحقائق مطلقة، كما لا وجود لحلول قصوى أو نهائية، سيما في هذا الزمن الفائق من حيث تسارعه وسيولته وتغير معطياته بصورة متواصلة.

لا يعني ذلك الاستسلام للواقع، بل إعادة النظر في أفكارنا، من أجل تطوير أو ابتكار الجديد من المفاهيم أو النماذج أو القيم، التي تساهم في كسر الحدود وتغيير الشروط، بقدر ما تفتح الإمكان للتأثير الإيجابي والبناء في المجريات على سبيل التدخل والتوسط أو الإدارة والتدبّر.

دور الفلسفة

هنا أثير اعتراض حول دور الفلسفة وجدواها. فكان جوابي أنه من التبسيط والمبالغة أن نحمّل الفلاسفة والعلماء مسؤولية إخفاق المجتمعات العربية في مشاريعها الحضارية كما يرى البعض، أو أن نعزو لهم وحدهم أسباب نهوضها وعوامل تقدمها كما يرى البعض الآخر. فهذه نظرة نخبوية نرجسية الى مكانة الفلاسفة ودور الفلسفة، أخذت تفقد صدقيتها مع الدخول في عصر الشبكة ومجتمع المعرفة، حيث يتوقف نهوض المجتمعات وتطورها، لا على النخب السياسية والفكرية وحدها، لأن ذلك هو مسؤولية مشتركة تحملها جميع القطاعات والحقول أو القوى والفاعليات التي تساهم في أعمال الإنماء والبناء، في مجتمع من المجتمعات.

أما مسؤولية الفلاسفة والعلماء فهي أن يتقنوا عملهم وأن ينجحوا في المهمة المنوطة بهم، كلٌّ بلغته وبحسب اختصاصه: تجديد الأفكار برصد التحولات والتصدي للتحديات، أو بتشخيص المشكلات واقتراح المعالجات، ليس فقط في ما يخص واقع بلدهم أو منطقتهم، بل على المستوى العالمي، ما دامت المصالح والمصائر باتت متشابكة. لكن ما ينجزه الفلاسفة والعلماء من النظريات والمعارف لا يكفي لحل الازمات. وإنما يحتاج، سواء من الحكام الذين يأخذون بها، أو ممن يتداولونها في أي قطاع، الى تحويل خلاق على أرض الواقع المعيش، لكي تترجم الى منجز في هذا الحقل أو ذاك من حقول السياسة والإدارة أو الإقتصاد والإجتماع.

الإحتكار والإحتقار

هذا النقد لمفهوم النخبة لا يمر من دون إشكال أو سجال. ثمة من تساءل: هل أنا أساوي بين المواطن العادي والعلماء والفلاسفة، من حيث الدور والأثر في حياة المجتمعات ومصائرها. الجواب أن ما يحصل منذ عقود، من تراجعات وانهيارات على غير صعيد، يعطي صدقية لنقد المثقف الذي أنخرط فيه منذ سنوات. لقد فشلت النخب السياسية والثقافية في تحقيق شعاراتها ومشاريعها بالرغم من كثرة الوعود وتوالي التجارب، الأمر الذي أفقد مفهوم النخبة فاعليته وصدقيته. ما يعنيه ذلك أولاً، أن كل مواطن هو فاعل في مجتمعه. حتى العاطل عن العمل هو فاعل أكثر مما نحسب، لكنه يؤثر بصورة سلبية ومضاعفة، كونه ينفق ولا ينتج.

ما يعنيه ثانياً، أن لا أحد يحتكر الحقيقة. كل فاعل إجتماعي له صلته بها، بما يخلقه من الوقائع أو ينتجه من الحقائق في مجال إختصاصه وميدان عمله. إن سيدة مجهولة تحسن تربية أبنائها أو معلّماً مغموراً يحسن تكوين عقول التلامذة، هما أكثر صلة بالحقيقة، بقدر ما يفعلان بصورة إيجابية وبناءة، أكثر من مثقف مشهور يكرر الكلام على الديموقراطية من غير تجديد.

آن لنا أن نتخلى عن دعوى احتكار الحقيقة، لأن ذلك يعني في النهاية إحتقار الناس، كما أكرر القول، بقدر ما يشهد على جهلنا بالتحولات التي طرأت على حياة البشر، على المستويات الثقافية والمجتمعية. الدرس المستخلص هو أن نعترف بأن الفاعلين خارج القطاع الثقافي، لهم خبراتهم ومهاراتهم ومعارفهم التي قد نفيد منها، كما هم يفيدون مما ننتجه من أفكار ونظريات. وإلا ما معنى مجتمع المعرفة!

نقد الإنسان

أصل من ذلك إلى بيت القصيد الذي هو الإنسان. وكان الكلام في بجاية على “أزمة علوم الإنسان” في محله. لأنه إذا كانت المجتمعات البشرية تغرق في أزماتها، فإن ذلك يعني، على المستوى الفكري، أن العلوم الإنسانية والمجتمعية هي في أزمة. لذا نجد بعض علماء الاجتماع، في فرنسا، يتساءلون في ضوء العجز عن إيجاد حلول ناجعة لأزمة النموذج الفرنسي: ما جدوى علم الاجتماع؟!

الأزمة تتبدى في غير وجه: من الانهيارات المالية إلى استهلاك نماذج التنمية، ومن أزمة الديموقراطية إلى استفحال الظاهرة الإرهابية، ومن الفضائح الخلقية إلى المشكلات البيئية. معنى الأزمة أن المعالجات لا تولّد حلولاً، بل تعيد إنتاج المشكلات بشكلها الأسوأ. ذلك يشهد على فقدان الإنسان لسيادته على نفسه، وعلى أشيائه وصنائعه، وعلى تناقص قدرته على التوقع والاستشراف أو على التقدير والتدبير.

على المستوى العربي لم تعد كلمة أزمة تفي بالتوصيف والتشخيص، فيما غير بلد عربي غارق في حروبه الأهلية. مع ذلك فأزمة المجتمعات العربية هي جزء من الأزمة العالمية في هذا الزمن المعولم والمتسارع، أي هي وجه من وجوهها، أو ناتجة منها أو مُوَلِّدة لها، ما دام العرب باتوا يصدّرون الإرهاب إلى العالم.

في أي حال إن الأزمة الكونية تعني أنه ما عادت مجدية إدارة الشأن البشري والكوكبي بالصيغ والمفاهيم أو القيم نفسها، وسط كل هذه التراجعات والصدمات والانهيارات.

لا بد من مراجعة الحسابات، وفي الأخص في ما يتعلق بمفهوم الإنسان الذي يحتاج إلى أن يوضع على مشرحة النقد والتحليل، وذلك من أجل إعادة النظر في المفردات التي صنعنا بها إنسانيتنا أو التي صنعتنا من حيث لا نحتسب ولا نعقل: كالقداسة والعظمة والعصمة والنخبة والاستثناء والاصطفاء، فضلاً عن مقولة سيد الطبيعة ومالكها، أو عقيدة أشرف الخلق وسيد المرسلين، وسواها من المفاهيم والصور أو القيم التي تصنع ما نشكو منه.

لعلنا نشهد اليوم نهاية الإنسان الروحاني والمثالي، الديني والعلماني، كما تكتبها فضائحه ونقائضه وكوارثه. والرهان هو ابتكار قيم ونماذج ومفاهيم جديدة لإدارة العلاقات بين الناس:

ممارسة التواضع الوجودي، بحيث نخفض السقف الرمزي من الطوباويات والمتعاليات والقدسيات، لكي نشتغل بمفردات الحوار والاعتراف أو المداولة والشراكة.

ممارسة التقى الفكري، بحيث نتحرر من عقلية القبض والتملك، لكي نشتغل بمفردات الصناعة والتحويل أو الخلق والتركيب أو التخطي والتجاوز أو التبادل والتفاعل.

من هنا يدار العالم اليوم بمفردات جديدة، كالفضاء والمساحة والحقل والبيئة أو الشبكة والروبطة والحداثة السيالة وما بعد الانسان، وسواها من المفاهيم التي تفتح الإمكان الواسع لولادة انماط وجود مختلفة وبناء علاقات مختلفة مع الذات والآخر والعالم. هذا هو التحدي! قراءة الواقع لصوغ لغته ومفاهيمه وقيمه.

قوة الأثر

في السؤال عما إذا كنت أدّعي أو أبالغ، في ما أقول وأطرح، كان جوابي أن قيمة العمل تُعرف من أثره في القراء وبخاصة في الكتاب. إنها تعرف من الكتاب الذي يعاد طبعه المرة بعد المرة، أو من الأطروحات الجامعية التي تعدّ حول الأعمال، أو من العودة الى هذا المؤلف أو ذاك، من جانب كتّاب مشهورين أو أقل شهرة، لاقتباس عناوين مقالاتهم، أو لوضع مقدمات كتبهم او للعثور على مفاتيح لدراساتهم ومقارباتهم. بل هي تعرف ولو على وجه السلب، أقصد من الكاتب الذي ينقل القول عنك، ثم ينسبه الى نفسه أو الى غيرك أو يهاجمك، وكما يفعل الذين يحترفون مهنة سرقة النصوص والأفكار. وهي تعرف بشكل خاص من الذين كانوا يخشون على أفكارهم من منهج “التفكيك”. لكن قوة الفكرة تخترق أحيانا من يعارضونها وتساهم في تغيرهم. لذا صرنا بعد ذلك نجدهم لا يتوقفون عن استخدام المصطلح، بعد أن أيقظهم من سباتهم المدرسي وفتح أمامهم أبواباً للمقاربة والمعالجة. ولهذا حديث آخر.

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق