الإرهاب والتعذيب في تونس: هل نقاوم الجريمة بالجريمة ؟ / عبدالسلام الككلي

قد يُصَاب الإنسان في تونس بالذعر أو بالدهشة عندما يعلم أن أحد الأشخاص الموقوفين تعرّض في مخافر الشرطة للصعق الكهربائي أو الضرب بسلك حديدي أو التعليق في شكل الدجاجة المصلية أو إلى عضات كلب مدرب أو إطفاء السجائر في اللحم الحي أو غيرها من فنون التعذيب من قبل رجال الأمن. وقد يرتبط هذا الخبر في ذهنه بالإرهاب وقساوته وضرورة مقاومته. والذعر يبلغ أوجه حين يستمع إلى وزير يعتبر إطفاء السجائر في لحم الضحية مجرد “معاملة قاسية” ولا يمكن وصفها بالتعذيب في إحدى القنوات التلفزية واسعة الانتشار، أو حين تساند مقدمة البرنامج الوزير في قوله قائلة أن هذا التصرف مجرد “مداعبة”(1).

فالشعور بالصدمة الذي يمليه التضامن الإنساني مع ضحايا التعذيب يختلط راهناً بالخوف من الإرهابيين ويمهد للقبول الضمني باستباحة حرمتهم الجسدية. وهذا الأمر يجعل الجمهور من عامة الناس يقع في كثير من الأحيان في شراك الفكرة القائلة بأنه لا معنى لحقوق الإنسان أمام ظاهرة الإرهاب المتوحّش. وربما اختلطت الأمور على البعض حتى راح يعتبر التعذيب وكل أنواع القسوة المادية والرمزية للموقوفين أو المشتبه فيهم وسيلة ناجعة للسيطرة على مسالك الجريمة، وخاصة الجريمة الإرهابية، لاسيما بعدما أصبح الإرهاب في تونس حقيقة يومية يعيش على وقعها. وقد وجدت المؤسسة العسكرية والأمنية نفسها في حرب مفتوحة وبلا جهاز استخبارات ناجع أو خطة إستراتيجية بعيدة المدى ومتعددة الأبعاد تأخذ في الاعتبار كل جوانب الظاهرة من أجل التصدي الناجع لها.ولكن هل تبرر مقاومة الإرهاب استعمال التعذيب الذي تؤكد كل التقارير المحلية والدولية أنه أصبح تصرفا يوميا كثيرا ما يفلت من العقاب إن لم يكن سياسة مننهجة وأسلوب دولة في التصدي للجريمة الإرهابية؟

1- هل التعذيب في تونس سياسية ممنهجة؟

من الصعب جدا في مقال بهذا الحجم أن نستعرض بدقة حالات التعذيب في تونس إذ تؤكد كل التقارير المحلية والدولية على أنه صار منهجا أمنياً وممارسة يومية، بل هو يزيد سوءا واستفحالا يوم بعد يوم. وسنقتصر في هذا العرض الموجز لحالات التعذيب على بعض الشهادات الصادرة عن المنظمات الحقوقية المحلية التي تقدم فكرة واضحة عن القضية في المدة الأخيرة أي في الثلاثة أشهر الماضية (أوت، سبتمبر، أكتوبر). وذلك من خلال التقريرين الأخيرين الصادرين عن المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب ومن خلال شهادات بعض المنظمات الأخرى المحلية مع بعض التوسع في المجال الزمني في ما يخص تقارير المنظمات الدولية.

أ ) تقارير المنظمات المحلية

تلقت المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب خلال شهر سبتمبر من هذا العام ثلاثة وعشرين ملفا تتوزع بين حالات تعذيب وعنف وسوء معاملة لأشخاص محتفظ بهم أو موقوفين تحفظيا أو سجناء. ويعتبر عدد الملفات التي عرضت على المنظمة خلال هذا الشهر من أعلى المعدلات منذ بداية إصدار المنطمة لتقارير شهرية، وهو ما يؤشر إلى تزايد الانتهاكات وكذلك إلى إصرار الضحايا على التبليغ رغم الضغوط التي تسلط عليهم. وقالت المنظمة في تقريرها انه لا زالت حالات الوفيات في ظروف مريبة تلقي بظلالها على أوضاع حقوق الإنسان في البلاد، وهي تتطلب إجراء تحقيقات جدّية وعاجلة للوقوف على ملابساتها سواء تمت في السجون أو في المراكز الأمنية.

ولا يزال محتفظ بهم لدى الشرطة يتعرضون إلى أعمال تعذيب وعنف بدون أي رادع أو مساءلة رغم التنبيه إلى ذلك من خلال بلاغات وتقارير المنظمات الحقوقية.

وسجلت المنظمة خلال الشهر المذكور حالات تعذيب وحشية مثل اقتلاع الأظافر أو التعليق على طريقة “الروتي” أو إدخال عصى بالمؤخرة أو الصعق بالكهرباء. وتتعرض بعض النساء وخاصة الشابات منهن إلى أنواع من الاستفزاز والتحرش والسب الجنسي بسبب كونهن نساء، إضافة إلى ما يتعرضن له من أعمال تعذيب وعنف بدني ومعنوي (2). كما أكدت المنظمة في تقريرها لشهر أكتوبر أن حالات العنف المسجلة ضدّ المواطنين تلحق بهم في غالب الحالات أضرارا بدنية ونفسية جسيمة. ورغم ذلك، لا توجد ضدّ المعتدين أيّ مساءلة جدية أو بالسرعة المناسبة وهو ما يشعر الضحايا بأن المعتدين محصّنون من أي عقاب. و في علاقة بالوضع الأمني الهش التي تعيشه البلاد منذ أكثر من أربع سنوات، قالت المنظمة انه خلال الدوريات الليلية، ترتكب ضدّ الأفراد انتهاكات تحت غطاء دقة الوضع الأمني بالبلاد وفي عديد الحالات يتم الاحتفاظ بأشخاص سرعان ما تثبت براءتهم لدى إحالتهم على النيابة العمومية بما يوحي بوجود تسرع في قرار الاحتفاظ بهم من قبل الباحث الإبتدائي.

وعلى غرار شهر سبتمبر سجلت المنظمة خلال هذا الشهر حالات تعذيب وحشي مثل التجريد من الملابس والضرب بالكابل (السلك الحديدي) والحرق بالسجائر وهي حالات تعكس تدهور أوضاع حقوق الإنسان في البلاد وتواصل آفة التعذيب والإفلات من العقاب.

وفي المقابل أكدت المنظمة أنه لا يزال يسجل تأخير في عرض المحتفظ بهم أو الموقوفين على الفحص الطبي، وهو ما يؤدي في عديد الحالات إلى زوال بعض الآثار التي تثبت تعرضهم إلى التعذيب أو العنف بما يمكّن الفاعلين من الإفلات من المساءلة.

وفي حالات كثيرة أخرى، لا يُعير القضاة أو أعضاء من النيابة أي اهتمام لمزاعم التعذيب التي يصرح بها المحالون أمامهم أو حتى في الحالات التي يظهرون فيها تلك الآثار بالجلسة. وفي جل الحالات المذكورة، يتذرع الأمنيون بخطورة بعض الجرائم لممارسة التعذيب والعنف المفرط مثلما هو الحال في جرائم الإرهاب. كما لا يتم في بعض الحالات إعلام العائلات بمكان الاحتفاظ بقريبهم مما يغذي الشائعات بوفاته أو بإصابته بالرصاص…الخ، وهو ما يمكن أن يتسبب في توترات اجتماعية واحتجاجات لأقارب الموقوف.

وكثيراً ما يتسبب حفظ قضايا التعذيب التي يرفعها الضحايا رغم ثبوت بعضها بالشهائد الطبية في فتح تتبعات قضائية ضدّهم بتهمة الادعاء بالباطل أو الإيهام بجريمة. وهو أمر لا يعزز الإفلات من العقاب فحسب بل يقلب الأدوار والمراكز القانونية ليصبح الضحية متهما بسبب تجرئه على التشكي(3). وأفاد المرصد التونسي لاستقلال القضاء في الفترة التي تعنينا أنه بلغ إلى علمه من مصادر مباشرة لدى المحكمة الابتدائية بتونس أنه تم بداية من الساعة الحادية عشر من مساء يوم الثلاثاء 04 أوت 2015 الإذن من قبل النيابة العمومية بالمحكمة المذكورة للسلطات الأمنية بالاحتفاظ بمتهمين سبعة في إحدى القضايا الإرهابية بعد أن تم الإذن بإطلاق سراحهم من قبل قاضي التحقيق المتعهد بملف القضية. وقال المرصد أن الاحتفاظ قد تم بناء على أدلة جديدة تشير إلى شبهة ارتكاب هؤلاء لعمليات إرهابية حسب نفس المصادر.(4)

وقال رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان العميد عبد الستار بن موسى في بيان صادر عن الرابطة أنه تحادث فى مستشفى شارل نيكول بالعاصمة مع 5 أشخاص يشتبه في تورطهم في أعمال إرهابية تم إيقافهم يوم الثلاثاء 4 أوت 2015 بعد مثولهم أمام قاض أمر بإبقائهم فى حالة سراح وأنهم كشفوا له عن آثار التعذيب. وأوضح أن هؤلاء الموقوفين الخمسة تمّ عرضهم على الفحص الطبي بواسطة أحد الأطباء الشرعيين الذي تولى معاينة أثار التعذيب على أن يحدد أسبابها ومخلفاتها بتقارير طبية (5).

ويشار إلى أن احتجاز المتهمين قد كان مثار تحركات واسعة من قبل المحامين والهيئات الحقوقية الذين اتهموا السلطات الأمنية بتعذيبهم، وهو ما استدعى تشكيل لجنة برلمانية للتحقق من مزاعم التعذيب. إلا إن اللجنة لم تنشر تقريرها إلى العموم (6). وفي سابقة خطيرة تحدّث القاضي أحمد الرحموني رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء أيضا عن الأساليب الوحشية المتبعة من قبل الأمن لانتزاع اعترافات وهمية للمورّطين أو المتهمين بجرائم إرهابية. وقد أكّد في هذا الإطار أن “فرقة القرجاني دلست المحاضر ومارست التعذيب على أجساد المتهمين في قضية باردو مما دفع قاضي التحقيق إلى سحب القضية منها لتتعهد بها فرقة الحرس الوطني بالعوينة حيث تم إلقاء القبض على من يُعتقد أنهم المتورطون الحقيقيون في القضية”(7).

ب) تقارير المنظمات الدولية

في هذا المجال، استعادت هيومان رايتس واتش الحادثة المشار إليها أعلاه. وقد أضاف التقرير أنه خلال فترة “الأيام الستة التي قضاها الرجال رهن الاحتجاز بعد اعتقالهم، تمكن عدد من الأشخاص، من زيارتهم والاطلاع على علامات على أجسادهم بدت متناسبة مع مزاعم التعذيب”(8).
وفي تقرير صادر عن المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب حول تونس لسنتي 2013 و2014، قالت المنظمة أنه من خلال الخارطة الجغرافية، يظهر أن التعذيب ممارسة منتشرة في كل الولايات تقريبا. كما قالت المنظمة أن شهادات الضحايا وشكاوى عائلاتهم تشير إلى أن التعذيب «ظاهرة متغلغلة» داخل الأجهزة الأمنية للدولة وخصوصا جهازيْ الشرطة والمؤسسة السجنية. غير أن جهاز الشرطة يُعدَ الأكثر ضلوعا في هذه الممارسة نظرا لاتساع مناطق تدخله الترابي مقارنة بجهاز الحرس الوطني، بالإضافة إلى أنه يمارس صلاحية الاحتفاظ التي تصل مدتها إلى 6 أيام في بعض الأحيان.

وقالت المنظمة في تقريرها أن أغلب الشكاوى التي تلقتها المنظمة تتعلق بحالات تعرضت إلى التعذيب أو سوء المعاملة في مراكز الاحتفاظ، وتعد الساعات الأولى للاحتفاظ الأشد خطورة على الموقوفين حيث يجري فيها التعذيب في ظل العديد من الخروقات القانونية والإنسانية. من أهمها عدم تمكين الضحية من محام ومن العرض على الفحص الطبي، وتتجاوز مدة الاحتفاظ 3 أيام وهو ما يوفر أرضية خصبة للانتهاكات، وفي معظم الأحيان لا يتم إعلام العائلات بقرار الاحتفاظ أو بمكانه رغم طول المدة.

وتشهد المؤسسة السجنية، هي الأخرى، بحسب تقرير المنظمة حالات تعذيب وسوء معاملة تصل إلى المنظمات الدولية من طريق المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب عن طريق الشكاوى التي ترفعها إليها عائلات المساجين. غير أن هذه الشكاوى لا تعكس حقيقة تغلغل ممارسة التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون نظرا لعدم توفر المعطيات الكافية عن حقيقة ما يجري داخل أسوار السجن باعتبار أنه لا يُسمح للمنظمات الحقوقية بزيارة السجون بصفة فجائية. وعادة ما تكون الزيارات، على قلّتها، مُرتّبة مسبقا، علاوة على أن المساجين يتجنبون، في أغلب الأحيان، الإعلام عن تعرضهم للتعذيب خوفا من ردة فعل إدارة السجن.(9)

وما نستخلصه من هذا العرض الموجز لبعض مظاهر جريمة التعذيب هو تغلغل ممارسة التعذيب داخل الأجهزة الرسمية التونسية سواء الأمنية أو السجنية، مما يعني الانقلاب الجذري لأدوار الدولة، حيث تحوّلت هذه الأخيرة من ضامنة للحرمات الجسدية إلى منتهكة لها.

2) ماذا فعلت السلطة لمقاومة جريمة التعذيب؟

صادقت تونس على أغلب وأهم المواثيق والصكوك الدولية الحامية لحقوق الإنسان بدءاً بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وحماية الأشخاص من التعذيب مرورا بمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة وانتهاء بحماية حقوق الطفل ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. والتزاما بتعهداتها صدر المرسوم عدد 106 لسنة 2011 المؤرخ في 22 أكتوبر 2011 الذي نقّح الفصل 101 مكرر من المجلة الجزائية للتوسع في قائمة الأشخاص الذين يشملهم العقاب عند ارتكاب جريمة التعذيب ليشمل إلى جانب مرتكبها المشارك وكل موظف يأمر بالتعذيب ويوافق عليه ويسكت عن الجريمة مع علمه بها. كما مدد التنقيح أجل سقوط الجريمة من 10 إلى 15 سنة والترفيع في العقاب إن استهدف التعذيب طفلا أو إذا نتجت عنه وفاة. وكتتمّة لإحداث اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني بموجب الأمر عـدد 1051 المؤرخ في 2006/04/20 التي تعنى بالتعريف بمبادئ القانون الدولي الإنساني ونشر ثقافته وتطويره وتنفيذ قواعده على المستوى الوطني، فقد صـدر القانـون الأساسـي عددـ 43 المؤرخ في 21 أكتوبر 2013 الذي أحدث الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب التي خول لها المشرع صلاحيات واسعة للتصدي للتعذيب. كما ينص الفصل 23 من الدستور الجديد على تنصيص صريح على أن الدولة تحمي كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد وتمنع التعذيب المعنوي والمادي. كما ينص الفصلان 27 و30 على أنه من حق السجين التمتع بمعاملة إنسانية تحفظ كرامته وإعادة التأهيل والإدماج والحق في محاكمة عادلة تكفل ضمانات الدفاع (10). وكثيرا ما تؤكد الدوائر الرسمية “أن كل أمني يثبت تورّطه في المساس بحقوق الإنسان وكرامته سيوضع تحت طائلة القانون”، وعلى ضرورة مقاومة أي سياسة ممنهجة للمس بحقوق الإنسان وأيّ تجاوزات فردية لبعض الأمنيين لضمان المعادلة الصعبة بين تطبيق القانون واحترام حقوق الإنسان“(11).

هذا على مستوى التشريعات والتصريحات المليئة في كثير من الأحيان بالنوايا الحسنة، ولكن على مستوى الواقع والممارسة، يمكن أن نقول أن الدولة سخرت فعليا طاقات هامة لمقاومة آفة الإرهاب فأنشأت قطبا قضائيا متخصصا في قضاياه ودوائر متخصصة فيه أيضا وأحدثت كما ذكرنا أخيرا قانونا للتصدي له ووفرت له كثيرا من الإمكانات العسكرية والأمنية، لكن جهودها في مجال مكافحة التعذيب بقيت بالمقابل شبه معدومة. ناهيك أنه لم يقع تأهيل الجهاز الأمني وإصلاحه كما كان مأمولا ومنتظرا بعد الثورة ولم يتم توفير الإمكانات الضرورية أمام باحث البداية لمساعدته على الخروج من منطق الاستنطاق المؤسس على افتكاك الاعترافات بالقوة في سبيل تأسيس منطق جديد أمني جمهوري يقوم على ثقافة حقوق الإنسان عامة ولكن خاصة على الاثباتات العلمية والقرائن التي يصعب دحضها أمام القضاء. فلا يقال أن الأمن يقبض على المجرمين والقضاء يطلق سراحهم وهو قول يروج له البعض في تونس هذه الأيام.

ففي الحالات التي توجد فيها شبهات تعذيب، لا تفتح وزارة الداخلية عادة تحقيقات صلبها للسعي إلى معرفة الحقيقة مع غياب أية سياسة في ذلك. كما أنه لا وجود لدوائر قضائية متخصصة في هذا الشأن. تشكو البلاد أيضا من غياب تأهيل للقضاة، بل تشكو من غياب أي فقه قضائي يوضح أركان جريمة التعذيب لان هناك إرادة لإخفاء كل ما يتصل بها ووصول أمرها إلى القضاء. وهكذا لا وجود لمحاضر ومحاكمات وتاليا تغييب تام للجرائم. وفي ظل ذلك، هل هي صدفة أن يتعطل إرساء هيئة الوقاية من التعذيب رغم وجودها القانوني منذ سنتين تقريباً؟(12).

كما يشير كثيرٌ من ناشطي حقوق الإنسان إلى أن الضابطة العدلية قليلا ما تلتزم بتوجيهات حاكم التحقيق المتعهد بالقضية كما تخلو محاضر الإيقافات أحيانا من تاريخ دقيق لعملية الإيقاف والإعلام الصادر بذلك من الأمن إلى النيابة، مما يفتح الباب أمام شبهة التلاعب بتاريخي الاحتفاظ والإعلام (كل ذلك في غياب المحامين في الساعات الأولى للاحتفاظ).

وهكذا يقف الإفلات من العقاب على رأس هذه العناصر المشجعة على ممارسة هذه الجريمة حيث يجمع الحقوقيون المحليون والدوليون على البطء الكبير في نسق التقاضي عندما يتعلق الأمر بحالة التعذيب. وهذه الملاحظة يدعمها الانعدام شبه الكلي لإدانة مرتكبي جرائم التعذيب رغم انتشار الظاهرة وتغلغلها داخل المؤسسات الأمنية. فلم تسجل الفترة الممتدة بين سنة 2013 وسنة 2014 بحسب تقرير المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب سوى حالة إدانة وحيدة، وذلك في ما عرف بـ”قضية الشابة مريم“التي تعرضت إلى الاغتصاب من قبل أعوان الشرطة بالضاحية الشمالية للعاصمة سنة 2013. ويضاف إلى ذلك أن ارتباط مسار التقاضي بمسار البحث ساهم في تعزيز الإفلات من العقاب، حيث جرت العادة أن يُفتَح البحث في جرائم التعذيب داخل مراكز الشرطة وفي بعض الأحيان في نفس المركز الذي وقعت فيه حالة التعذيب، وهو ما ينسف شرط الحياد والموضوعية اللذين من المفترض أن يتأسس عليهما المسار”البحثي“، وذلك بسبب الهيمنة العامة لحالة التضامن بين الأمنيين والتي تلقي بظلالها في معظم الأحيان على القائمين على مجريات البحث. ولذلك لا تزال المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب تطالب بسحب صلاحيات البحث في قضايا التعذيب من جهاز الشرطة ومنحها لوكيل الجمهورية. ويتواصل الإفلات من العقاب أيضا في حالات التعذيب التي نجم عنها الموت. وهو ما بات يطرح الكثير من الأسئلة خصوصا أنّ التقارير الطبية التي تصدر في هذا السياق تخلص إلى أن حالات الوفاة كانت طبيعية في حين أن عائلات الضحايا وتقارير منظمات حقوق الإنسان تشير إلى أن الضحايا لقوا حتفهم في سياقات يكتنفها الكثير من الغموض. وإزاء هذه الظروف المشبوهة للوفاة، أصبحت المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب تطالب بضرورة إجراء الاختبارات من قبل لجنة متكونة من ثلاثة أطباء يتم اختيار أحدهم من قبل عائلة الضحية. استفحال ظاهرة التعذيب الذي تدعمه الإحصائيات، تواجِهه الأجهزة الرسمية بالإنكار والتملّص، ملقية في بعض الأحيان بالمسؤولية على منظمات حقوق الإنسان التي تجنح –حسب رأي الأجهزة الرسمية- إلى المبالغة والتهويل خدمة لأجنداتها الخاصة. (13)

وبطبيعة الحال لا يمكن أن ننسى عملية الإدانة والهرسلة التي تمارس ضد القضاة إذا وقع الإفراج عن بعض المظنون فيهم في قضايا إرهابية كما حدث في حالة الموقوفين السبعة. بل وصل الأمر إلى اتهامهم بأنهم أصبحوا خطرا عل البلاد(14). إن كل هذا يثير الشبهة بلا شك حول إرادة السلطة التصدي لآفة التعذيب أو حتى البداية في مقاومتها، ويفتح الباب حتما أمام كل أنواع التجاوزات في هذا المناخ غير الصحي والذي يهدد دولة الحق والقانون. إن هذا المناخ هو أيسر مدخل لإفساد منظومة القضاء برمتها وانعدام الثقة العامة في السلطة القائمة مما يمهد السبل إلى إيجاد جوّ مشحون ضد الحكام وانتشار الشعور بالظلم والقهر. وهل يحتاج الإرهاب الذي يدعي البعض مقاومته إلى حاضنة أفضل من هذا ليصل إلى القلوب والعقول، يفسدها ويلحقها بركابه المشؤوم؟

3) الجريمة والعقاب

إن القضية قانونيا وفلسفيا ترتبط بما يجدر بالدولة وأجهزتها فعله في حالات مثل حالات التهم الموجهة لبعض الأشخاص بالضلوع في عمليات إرهابية. فإذا اعتقد أي جهاز على مستوى الممارسة، وان كان ينكر ذلك على مستوى الرسمي، أن له الحق بأية ذريعة من الذرائع في استعمال العنف والقساوة خارج ما يحدده القانون ذاته والانتصاب مكان القضاء لتوجيه التهم دون اثباتات، ثمة حاجة إلى الأخذ في الحسبان مختلف التداعيات التي تترتب عن فعله. فهل يمكن لأي نظام قائم على الحق ألا يقر بمبدأ أساسي ودستوري وقانوني يتعلق بقرينة البراءة؟ هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، إن تبرير الخروقات يفتح الباب أمام كل أنواع التوسع. ثم، هل أن جريمة التعذيب أقلّ خطورة من جريمة الإرهاب، حتى يسوغ الدفاع عنها أو تبريرها بإرادة مكافحة الإرهاب؟ وإذا وضعنا جانباً مجمل الإعتبارات السياسية والأمنية، فإنه يستحيل إيجاد مبررات قانونية وعقلانية تشرع لفعل من المفروض أن ينبذه الجميع. ويبدو أن المعضلة تتعلق في آخر التحليل باختيار منوال من منوالين:

-  منوال اللاقانون المتحرر من السلطة الإلزامية للقانون بالمفهوم القوي والحرفي عندما تكون المصلحة العامة والضرورات الأمنية موضوع اعتبار أولي،
– أو المنوال الثاني الذي يقوم على التقيد بالقانون وفق ما يفرضه الواجب المهني والالتزام بالقواعد المقررة والتي تعبر في آخر الأمر عن الإرادة العامة أساسا وقبل كل شيء. وهي قاعدة تنطبق على الأشخاص ولكن على الدولة أولاً وعلى علاقات مؤسساتها بعضها ببعض.

فلا شك أن محاربة الإرهاب تستوجب إجراءات استثنائية وهو أمر نجد آثاره الواضحة في القانون الجديد المتعلق بمقاومة الإرهاب. غير أن هذه الإجراءات لا بد أن تكون في نطاق ما يقرره القانون ذاته وتحت مراقبة قصوى للسلطة القضائية الضامنة للحقوق والحريات وبمتابعة دقيقة للمجتمع المدني لكل ما يرتبط بهذا الملف الشائك. وإن أية عقوبة أيا كانت لا يمكن أن تصدر عن الأمن أو الضابطة العدلية لأنها لا يمكن أن تكون بأية حال من الأحوال طرفاً في النزاع بل لا تصدر إلا من قبل هيئة قضائية عامة.

ولا يمكن لأي نظام ديمقراطي أن يستمدّ قوته من أي شكل من أشكال مناهضة الحقوق السياسية المتعلقة بالحرمة الجسدية وقرينة البراءة. بل العكس هو الصحيح لأن تهديد تلك الحقوق لا تمثل حماية للدولة بل تهديدا لها بحدّ ذاتها.


الهوامش

(1) في برنامج تلفزي بث يوم 5 أوت 2015على قناة نسمة بمناسبة الحديث عن الموقوفين السبعة الذين يشتبه تعرضهم للتعذيب وهي القضية التي تعرضنا إليها في هذا المقال و الوزير هو لزهر العكرمي وهو مكلف بالعلاقة مع مجلس النواب وقد استقال أخيرا من منصبه متهما الحكومة بالضعف وبالتستر على الفساد ومن الطريف أن احد المحامين وهو شرف الدين القليل رد على مقدمة البرنامج بأنه يتمنى أن يقع مداعبة جسمها بنفس الطريقة .
وقد تواتر هذا النوع من التصريحات في المنابر الإعلامية . اذ شن المحامي عماد حليمة في برنامج حواري تلفزي على نفس القناة يوم 2 اكتوبر هجمة ضد القضاة متهما إياهم بالتهاون والتقصير في التعامل مع الجريمة الارهابية مع اتهام صريح موجه إلى حاكم التحقيق بالمكتب 13 التابع للقطب القضائي المتخصص في قضايا الإرهاب بالتواطؤ مع الإرهابيين وهو ما رفضته الهياكل القضائية قاطبة. فقد أصدرت جمعية القضاة ونقابة القضاة ومرصد القضاء بيانات مختلفة تندد بهذه التصريحات معتبرة إياها تهما مجردة خالية من أية اثباتات . كما أصدرت وزارة العدل هي أيضا بيانا في الغرض عبرت فيه عن نفس الموقف تقريبا .
(2 )انظر تقرير شهر سبتمبر للمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب 
(3)انظر تقرير شهر أكتوبر للمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب 
(4) بيان مرصد استقلال القضاء الصادر في 5 أوت 2015
(5) بيان الرابطة التونسية لحقوق الإنسان الصادر يوم 4 أوت 2015
(6) تسلم محمد الناصر رئيس مجلس نواب الشعب تقرير اللجنة يوم 17 اوت 2015.
ووفقا لتصريحات للنائب نوفل الجمالي، عضو اللجنة البرلمانية المكلفة بالتحقيق في تهم بالتعذيب، فإن تركيز الهيئة الوطنية لمقاومة التعذيب وتوضيح الفصل 13 من مجلة الإجراءات الجزائية وإيجاد إطار قانوني يسمح بتسهيل العمل مع السلطات في الدولة، هي أهم التوصيات التي سيتم التركيز عليها في تقرير اللجنة البرلمانية، وكشف الجمالي لوكالة الأنباء الرسمية”وات“أنّ”اللجنة لاقت صعوبات في عملها مع النيابة العمومية والطب الشرعي وإدارة السجون، في غياب إطار قانوني يسمح بتسليمها وثائق معينة، يساعدها على إجراء تحقيقها“. وأفاد بأنه تمت الدعوة من خلال التقرير، إلى الاجتماع بالأطراف المتداخلة في الشأن الأمني والقضائي، لتفسير الفصل 13 من مجلة الإجراءات الجزائية وتبسيط المسائل الإجرائية وتجنب ما حصل في قضية المتهمين. وبين أنّ هذا الفصل يسمح لقوات الأمن بإلقاء القبض على المتهمين وإعلام وكيل الجمهورية بذلك، في صورة ورود معطيات جديدة، أي أن الأمنيين ليسوا في حاجة إلى بطاقة إيداع. في المقابل أفاد الجمالي أنّ اللجنة البرلمانية،”قررت عدم الخوض في المسألة الأساسية، بإقرار وجود تعذيب من عدمه، نظرا لفتح تحقيق في الغرض من طرف القضاء، بعد إثبات تقرير الطب الشرعي وجود اعتداء بالعنف الشديد على 5 متهمين“، بحسب تعبيره . مع العلم ان اللجنة لم تنشر تقريرها إلى العموم انظر جريدة التونسية بتاريخ 15 أوت 2015
2015.
(7) تصريحات أدلى بها رئيس مرصد استقلال القضاء في القناة التلفزيونية ” الحوار التونسي “يوم 24 اكتوبر 2015 . وقد لقيت صدى واسعا في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة 
(8) بيان هيومن رايتس وتش الصادر بتاريخ 13 أوت
2015
(9) تقرير المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب في تقريرها حول تونس لسنتي 2013 –
2014
(10 )انظر توطئة ” دليل التصدي لجريمة التعذيب في القانون التونسي ” الصادر عن وزارة العدل في نوفمبر 2014 والتي كتبها رضا بن عمر وكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيبوهذا الدليل عبارة عن جملة من القواعد والآليات تعرف بالإطار القانوني والممارسات المعتمدة في القضاء و خاصة المتعلقة بالأبحاث والتتبعات العدلية في جرائم التعذيب وسوء المعاملة. وفي تعريفها لهذا الدليل قالت السيدة آمال الوحشي- متفقدة بوزارة العدل-. انه يمثل ثمرة تعاون ناجح بين وزارة العدل التونسية و المعهد الدنماركي لمناهضة التعذيب الذي انطلق منذ شهر جانفي 2013 بإمضاء بروتوكول تفاهم بين الجانبين ويضم هذا الدليل بعد التوطئة جزئين. يتعلق الجزء الأول بجريمة التعذيب في القانون التونسي و الجزء الثاني بكيفية تعامل القضاء مع هذا النوع من الجرائم..
(11 ) أقوال محمد ناجم الغرسلي وزير الداخلية في تحذير موجه للأمنيين،يوم الثلاثاء 03 نوفمبر 2015 خلال مؤتمر الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب،كما علق وزير الداخلية السابق لطفي بن جدو ، على تواتر حالات التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون بالقول انّه لا يمكن اعتبارها ظاهرة « ممنهجة » وإنما تُصنّف –حسب رأيه- ضمن الحالات المعزولة. 
(12 ) تعطل إرساء هذه الهيئة. وتعد السلطة منذ سنتين تقريبا بان إرساءها سيكون قريبا جدا إذ أشار كمال الجندوبي الوزير المكلف بالعلاقة مع المجتمع المدني لدى استضافته يوم الثلاثاء 03 نوفمبر 2015 في برنامج في احدى الإذاعات الخاصة إلى آلية لمقاومة التعذيب من خلال انتخاب أعضاء الهيئة الوطنية لمقاومة التعذيب من قبل مجلس نواب الشعب عن قريب، مؤكدا أن الحكومة على استعداد تام لتوفير كل الامكانيات الضرورية والاجرائية لتبدأ الهيئة في مهامها بعد انتخاب أعضائها بزيارة أماكن الاحتجاز والتعامل مع الشكاوي المتعلقة بممارسات التعذيب وسوء المعاملة.
(13 ) تقرير المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب لسنتي 2013 و 2014
(14 ) راجع تصريحات النائبة بشرى بلحاج حميدة عضو لجنة التحقيق المذكورة وهي قيادية في الحزب ألأغلبي الحاكم في تونس على موجات إذاعة موزاييك بتاريخ 17 أوت وفي إذاعة شمس أف أم بتاريخ 18 أوت والتي عوض الانكباب فيها على قضية التعذيب التي شكلت اللجنة من اجلها شنت هجوما على القضاء واعتبرته صار خطرا على البلاد في معركتها ضد الإرهاب ويراجع رد القضاة عليها في بيان المرصد التونسي لاستقلال القضاء بتاريخ 19 أوت وتصريح رئيسة جمعية القضاة في إذاعة شمس أف أم بتاريخ 20 أوت
وتراجع أيضا في هذا الصدد تصريحات رئيسة جمعية القضاة عل موجات الإذاعة الوطنية يوم 24 أكتوبر 2015 والتي اعتبرت فيها أن الحملة الموجهة ضد القضاة سببها فتحه لملفات لها صلة بسوء المعاملة والتعذيب التي يتعرض لها المظنون فيهم في مخافر الشرطة .

 

عن موقع “المفكّرة القانونية”

04 كانون الأول / ديسمبر 2015 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق