عن فكرة دولة خفيفة / محمد ثامر يوسف

ظل الصراع المتبادل ضد عدوّ الطائفة، هو الاقدس، وأهم من اي صراع ومسألة، أهم حتى من عمليات النهب المنظمة لمخزون الدولة العراقية من الاموال، “الدولة” التي تحتار هذه الايام إلى درجة كيف توفر مرتبات موظفيها نهاية كل شهر: “لا شيء، الامر هيّن”، ظل يقول الطائفي دائما، حينما كان يواجه بسؤال الفساد. لماذا؟ يجيب كأنه يبزّ عدوّه، “الطائفي والسارق هو الآخر” ليغلبه او ليسفّه الامر، متخيلاً الغلة الهائلة كأنها حصة إلهية مستحقة، ممهورة بدمه المظلوم.

تعمية مثل هذه كانت فعلا، اهم من اي سرقات منظمة “حلال” تواصلت على قدم وساق، اهدرت البلاد بها نحو 800 مليار دولار خلال اقل من عقد. ظل الامر يمشي على هذه القاعدة المبتكرة (القاتلة) “الفلوس اهون من النفوس”، حتى وجد الجميع انفسهم اخيراً بلا مال تقريبا، فيما ساهمت هذه الازمة المالية الخانقة، متأخرة، في تخفيف الحديث عن قدسية “الاخ الاكبر” نوعا ما، وصراعه مع عدوه القريب، وإن لم يختف الهوس الطائفي المتطامن. فالكلام المباشر اليوم عن نهب الثروات وضياعها كعمل “ارهابي”، غدا ايضا كلاما يقال واضحا ويتساوى شيئا ما مع فكرة ارهاب الدم والقتل بالمفخخات او الذبح بالسكاكين، ليس ذلك فقط ما اججته اصوات المتظاهرين المطالبين بالخدمات العادية كالكهرباء ورفع القمامة، وانقاذ المدن والبيوت من مياه المجاري الطافحة، انما لأن المرتبات الشهرية للموظفين صارت على المحك وتتلكأ مع تلكؤ اسعار النفط وتراجع ايراداته، كما ومتطلبات حرب “داعش”.

تهدر اصوات المتظاهرين، او تضعف هذه الايام، لا فرق. فلا حل في الافق.

وطن موظفين
اعني مواطنين درّبهم ساستهم على “نعمة” هي في الغالب تشبه السرقات الضمنية، غير المستحقة، ألحقت ضررا مريعا بالدولة المفترضة وبهم معا، وخصوصا مع مفاجأة فكرة اعادة النظر في المخصصات الكبيرة وفروقات الرواتب الممنوحة الضخمة في بلد يكدس اعلى نسبة موظفين في العالم. ثم هذه هي النتيجة: دولة عاطلين ينتظرون رواتب قلقة، يضيف زميل بنوع من القسوة: دولة معوقين.

اشير دائما إلى مواطنين “موظفين” هم في الأعم لا يفعلون شيئا، زاحمتهم احزاب المحاصصة في مؤسسات ورئاسات ووزارات شتى، وحشرتهم بمزاج منفلت: رغبة الكثرة الفئوية وشهوة الغلبة الطائفية، لملء فراغ الحصص السياسية. هذه هي النتيجة: “دولة” تحتار كيف تؤمّن مرتبات هؤلاء كل شهر. ومع انها بلاد هي نفسها وجدت نفسها كأنها فائضة، “فضائية”، حسب التعبير الشعبي العراقي الدارج، تشبه موظفيها تماما وشبه مفلسة، الا ان محاولة الحفاظ على ما بقي من المال العام وايقاف الهدر، محاولة جاءت كنوع مرير من الافكار “الاصلاحية” الخجولة، متأخرة وفيها الكثير من اللغط، ومنها مقترح قانون جديد للرواتب، يثير جدلا واسعا الآن، ويقسم “يا للمفارقة” حتى تيار المتظاهرين المؤيدين للاصلاحات ويضعهم في مأزق امام انفسهم حين تعرضت مخصصاتهم العالية ورواتبهم ايضا لإعادة نظر: “متظاهرون لأجل الاصلاح ينقلبون على انفسهم!”. بهذه العبارة يمكن تلخيص رفض موظفين كبار، واساتذة جامعات، ومثقفين يتقاضون رواتب حكومية مميزة لمقترح هذا القانون: امر يشبه الفضيحة، لكنه ايضا وللامانة: مقلب الدولة الخفيفة، من الاساس.

حسنا، ماذا كان يجب على الجميع منذ البداية ان يفعلوا، اعني بداية تأسيس هذه “الدولة” التي سميت جديدة بعد 2003؟ ما الذي كان يحدث مثلا لو لم يتم توظيف كل هذه الملايين من البشر التي تكلف “الدولة” موازنتها السنوية كلها تقريبا، بهذه الطريقة الفجة؟ لماذا ورطت دولة الاحزاب، وما زالت، ابناءها في حلم راتب نهاية الشهر مهما كان، باعتباره الحل الامثل الوحيد للعيش في حياة لم يتجرأ احد ان يصنع لها بدائل، بتوسيع آفاق العمل غير الحكومي او دعم القطاع الخاص، بدل هذه الطريقة الريعية المبتذلة، “كل قيمة النفط مقابل الرواتب”، وبدل ان يتحول المكان العراقي إلى جحيم موظفين عاطلين، لا اكثر؟

لا أحد يرغب، او يجيب بوضوح عن هذه الاسئلة، او بالاحرى لا نفع لأي اجابة.
لكن، بسبب هذه الازمة المالية خصوصا، واشياء اخرى، انفتحت “حرب” المكاشفة متأخرة داخل البيت النوعي الواحد نفسه، ولذلك ليس بلا معنى ان يسمّي العبادي رئيس الوزراء، سلفه المالكي، مثلا، الذي حكم لثماني سنوات بـ“القائد الضرورة” في استعارة عراقية لا تحتاج إلى توضيح، وإن عمّم تصريحه بعد ايام، حين زعل الثاني، الى اكثر من واحد وقال: اعني، كل قائد فسّد، وبدد الثروات الطائلة واساء الادارة، واستفرد بالحكم. ومع ان هذا الخناق هو الذي افضى إلى حركة احتجاج قوية اخذت تشهدها البلاد منذ اكثر من ثلاثة شهور، الا ان هذه التظاهرات قد تنقضي الى لا شيء في النهاية. هذا وارد، فالتعب مضنٍ واليأس قاتل، والحيتان التي يسمّيها المحتجون حيتان الفساد، هم دولة اقوى وأهمّ من الدولة، محميون بميليشيات مالية وعسكرية لا يستهان بها. بعبارة اخرى، نظام “دولة الفساد” اقوى ومدجج، وليس بسهولة ان يتلاشى في ظل طبقة سياسية تتخادم مع بعضها في كل شيء وتتستر على سوءاتها في كل نأمة، إلى درجة انها تعامت حتى عن مساءلة من اغرق بغداد كلها بمياه الامطار المخلوطة بمياه الصرف الصحي الطافحة إلى غرف نوم الناس قبل ايام. لا احد يحاسب، اذ لا أحد مذنب!

من جهة، فإن ملل العراقيين من كل شيء احدى صفاتهم، والتظاهرات منها، وما خصها، وهذا ليس سرا، “مكروهة” في الاجمال، وانها كما يراها اعداؤها المتضررون، تأتي على الاعصاب، على “عملية سياسية” كاذبة وعلى “استقرار” زائف، كشف عريه نضوب المال المفاجئ، ولذلك يجب الا تستمر بهذه السهولة، يفكر كثير من الكبار، عدد مهم من شيوخ الدين وائمة الحسينيات لا يحبذون خروج الناس للاحتجاج اصلا. صحيح ان اعلى مرجع ديني بالنجف، السيد السيستاني، يدعو دوما إلى ضرورة وضع حد للفساد، ولا ضير عنده إن خرج الناس في تظاهرات يتذمرون فيها من عراق فاسد يقوده فاسدون، انما الصحيح ايضا، وبدرجة كبيرة، هو ان حركة الاحتجاجات تجري على مضض بالنسبة إلى آخرين، ممن لهم تأثير في الشارع وعلى المنابر. فطالما كانت مقولات من ان الوقت غير مناسب، و“داعش” اولى، او ان في التظاهرات مندسين، الى القول انها ترفع شعارات لادينية، مقولات جاهزة تأخذ مداها ويشيعها منتفعون. حدث هذا مع تظاهرات 11 شباط 2011 ايام حكم المالكي التي اجهضها لصالحه عدا العسكر وضباط متواطئين، شيوخ متشددون اعتبروا الاحتجاج ضد الحكومة، بمثابة خروج على الطائفة. ولو تم الاصغاء إلى مطالبات الاصلاح من وقتها، لوفرت البلاد على نفسها الكثير، ومع ذلك ليست احتجاجات اليوم بلا مخاوف، او اكلاف.

إمام صلاة بارز في النجف، على سبيل المثل، دعا صراحة بعد اسبوع فقط من انطلاق تظاهرات 31 تموز الاخيرة، إلى عدم الخروج فيها، قال انها تحاول ان تؤسس لنظام لاديني، رغم ان فساد النظام القائم يضرب الاطناب، مخالفا بذلك حتى رأي المرجعية الدينية العليا نفسها بضرورة ضرب الفاسدين. لكن لنعترف ايضا “اي يد من حديد تلك التي يريد السيد السيستاني بنيات طيبة، ان تفعل فعلها في دولة اضعف ما فيها يد القانون؟”.

مواقف
يتحدى سياسي بارز من كتلة رئيسية، ووزير معروف، محاوره على الشاشة، ويذهب ساخرا ليقيس من يخرجون إلى التظاهر بالعدد، ويراهن على ان في استطاعته ان يبزهم بالعدد ايضا ويدفع من عنده ضدهم ضعفين او ثلاثة واكثر، لو ارادوا، محتجا بعدد من انتخبوه. ويواصل يفلسف الظاهرة او ينظّر لها بهذه الطريقة المبتسرة، فيما تظل فكرة الجمهور النوعي التي فرضت نفسها في البداية على الاقل، هي الفكرة اللافتة التي خلخلت الى حد ما السياقات السياسية المعتادة والتي استرعت للمرة الأولى منذ سنة التغيير، الانتباه الى ان البلاد في ورطة حقيقة. اعني الجمهور، لا بمعناه المختلف او النخبوي الخاص، انما بفكرة حضور الناس العاديين، وحماستهم لتغيير الاحوال.

لكن، كم باستطاعة هذا الجمهور ان يصمد امام قوى محلية مهيمنة وحتى اقليمية مجاورة لها رأي آخر في هذا الغضب المشروع، والرفض السلمي للقواعد السياسية القائمة وادائها المهلك؟
بهذه الطريقة، وبروح التعالي والاستخفاف هذه، ينظر سياسيون كثر إلى رغبة الناس في التغيير وتعبيرهم عما يختلج في صدورهم على الرغم من ان حجم هذا التعبير لا يتناسب اصلا ودرجة الظلم الواقع عليهم طيلة كل تلك السنين. جمهور كانت قد اخذته عزته الطائفية هو نفسه تبعا لزعمائه، بعيداً في الاثم، اكثر مما انتبه فيها إلى حاله وحاجاته الملحة وحقوقه في الحياة، وهذا ما كان. اتحدث كذلك، عن غياب لغة سياسية جديدة للتعامل مع هذه المتطلبات، لغة تفتقر إلى الكثير من التواضع، واللياقة والاصغاء والادب، ما زال يجهلها الكثير من الساسة الذين بلبل عليهم الجو المحلي العام اجواءهم، فيما اخذتهم التغييرات الاقليمية الحادة في الاقتصاد والحرب على حين غرة.

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق