مفهوم الإنسان

 “الإنسان كائن مقدَّس بالنسبة للإنسان” سينيكا 

 ما الإنسان؟ ليست الأجوبة هي التي تعوزنا في تاريخ الفلسفة. هل الإنسان حيوان سياسيٌّ كما يحلو لأرسطو تعريفه؟ أم هو حيوان ناطق كما عبَّر عن ذلك أيضا؟ أم هو حيوان ذو قدمان وبلا ريش كما أثبت ذلك بطرافة أفلاطون؟ أم هو حيوان عاقل كما اعتقد الرِّواقيون ثمَّ السكولائيون؟ أم أنَّه كائن يضحك(رابلي)، يفكِّر(ديكارت)، يقرِّر(كانط)، يعمل (ماركس)، ويبدع (برغسون).

 لا شيء في مضان هذه الأجوبة، ولا في مجملها، ما يبدو لي أنَّها تستوفي تماما الغرض. بدءا لأنَّها ربَّما، بشأن امتدادها، ففظاظة ومغرقة في الاختزال. إنَّ التَّعريف الجيِّد ينبغي أن يكون صحيحا بالنِّسبة للموضوع المعرّف كلّه دون أن يتجاوزه. وهذا ما لا ينطبق على هذه التَّعريفات الَّتي أنا بصدد التَّطرق إليها رغم شهرتها الفائقة. توهم أنَّنا أقمنا الدَّليل على وجود لغة مَّا، تنظيم سياسي مَّا، فكر مَّا، وشغل مَّا…عند الدلافين أو عند كائن مريخيٍّ. إنَّ هذا الوجود، لن يصنع من الدلفين أو الكائن الفضائي إنسانا، ولن يحوِّل الإنسان إلى حوت أو كائن مريخي. ثمَّ ما عسى أن يقال عن الملائكة وعن ضحكهم المحتمل؟

 إنَّها إذن تعاريف فضفاضة، مادامت لا تصلح للموضوع المعرف وحده إلاَّ من أجل التَّعريف: فبإمكان كائن مَّا أن يعيش في مجتمع، يتكلَّم، يفكِّر، يقرِّر، يضحك، ويبدع أنماط وجوده… دون أن ينتمي إلى الإنسانيَّة.

 بيد أنَّ هذه التَّعاريف نفسها هي كذلك مفرطة في الاختزال، مادامت لا تصلح للموضوع المعرف كلّه: إذا كان المعتوه عاجزا عن الكلام والاستدلال والضَّحك أو التقرير أو مزاولة شغل أو ممارسة السِّياسة…؛ فهو ليس أقلَّ من إنسان على أيِّ حال. قد نتساءل: هل يعيش في المجتمع؟ بالكاد، وربَّما أقلَّ من أيِّ حيوان من حيواناتنا الأليفة. لكن من منَّا يرتضي لنفسه أن يعامله معاملة البهيمة كما لو كان أشبه بحيوان يتمتَّع بمعاملة وديعة؟ من منَّا يودُّ أن يزجّ به في حديقة حيوان؟ قد يقول قائل: لقد دأبت النَّاس كعادتهم، على اقتراف فضاعات، أضحت معروفة لدى جميع النَّاس. لكن أيُّ فيلسوف هذا الَّتي ستطاوعه نفسه على قبول تصرف من هذا القبيل؟

 إذا كانت الدلافين أو الكائنات الفضائيَّة، مهما ارتقى ذكاؤها، لا تنتمي إلى البشر، وإذا عدَّ الإنسان المعتوه واحدا منهم (وكما هو واضح فهذه النُّقطة الأخيرة هي الَّتي تهمُّنا)، فإنَّ ما ينبغي استخلاصه، هو أنَّ تعريفاتنا الوظيفيَّة أو المعياريَّة فاقدة للجدِّيَّة: الإنسان يبقى إنسانا حتَّى وإن كفَّت وظائفه الطبيعيَّة عن الاشتغال بشكل سويٍّ. من هنا يصحُّ القول أنَّ هذه الوظائف والمعايير لا يمكن أن تفيد كتعريف. الإنسانيَّة لا تتحدَّد بما تصنعه أو بما تعرف صناعته. هل لما تكونه؟ أمر لاشكَّ فيه. لكن من تكون؟ فلا العقل ولا السياسة ولا الضَّحك ولا الشُّغل ولا أيُّ ملكة أخرى مهما كانت، بإمكانها أن تشكِّل خاصيَّة الإنسان. هذا الأخير لا خاصيَّة لديه، أو لا وجود لخاصيَّة، على كلِّ حال، كافية لتعريفه.

  ذاك ما عاينه ديدرو، ففي مقال له بعنوان”الإنسان” الصَّادر في موسوعته أجمل تعريفا لخاصياته:”الإنسان كائن حاسٌّ، متأمِّل، مفكِّر، جوَّال بحريَّة على وجه البسيطة، يوجد، ربَّما، على رأس قائمة كلِّ الحيوانات الأخرى الَّتي سيطر عليها، عائش في مجتمع، مبدع للعلوم وللفنون، موصوف بشمائل حميدة وذميمة والَّتي هي خاصيات ملازمة له. منح لنفسه أسيادا وشرع قوانين… وهكذا دواليك). يلاحظ  أنَّ هذا التَّعريف يسري عليه نفس النُّعوت ونواقص التَّعاريف الأنفة الذِّكر؛ وبما أنَّ ديدرو كان على بيِّنة بهذا الإشكال، فقد ختم تعريفه هذا بعبارة مرحة، يراد منها الإيضاح والإبطال معا: “إنَّ هذه الكلمة لا تحمل دلالة دقيقة بقدر ما تذكرنا بجميع ما نكونه، إلاَّ أنَّ ما نكونه لا يمكن تنميط فهمه داخل تعريف مَّا”.

  كيف يصحُّ الحديث عن حقوق الإنسان إذا كنَّا نجهل عمَّاذا- أو عمَّن- نتكلم؟ يتوجَّب منَّا،على الأقلِّ، معيار أو علامة مميّزة أو وسم انتماء أو اختلاف نوعي باصطلاح أرسطو. فأيٌّ منها يقصد؟ إنَّه الجنس عينه الَّذي ننتمي إليه. الإنسانيَّة قبل كلِّ شيء ليست إنجازا، تتوقَّف عنه نجاحاتها. بل هي شيء معطى يعرف حتَّى في حالات انكساراتها.

  هذا الأمر يستلزم منَّا العودة إلى البيولوجيا. هي عودة لا يتوخَّى منها العثور على سمات تعريفيَّة أخرى، والَّتي ستؤول هي بدورها أيضا مثار جدال: انتصاب القامة، إبهام اليد المقابل لباقي الأصابع الأخرى، وزن المخّ، والتَّهجين؛ ليست بتاتا، وبلا استثناء، في حضن الإنسانيَّة. إذا كان من اللاَّزم العودة إلى البيولوجيا، فلا يراد  منها تعريف مفهوم مَّا بقدر ما أنَّها تسنح لنا باستناف الصِّلة مع تجربة الأجساد، والَّتي هي تجربة إنسانيَّة ذات طابع جنسانيٍّ، تجربة الحمل والحبل والولادة. فالكلُّ مولود من صلب امرأة: الكلُّ مولود لا مخلوق. أمر ينطبق على المعتوه كما العبقريِّ، على الشَّريف كما النَّذل، على العجوز كما الصبيِّ. وهو ما ليس بوسع أيِّ كائن فضائيٍّ أو ملاك أن يدَّعيه. الإنسانيَّة هي، قبل كلِّ شيء، جنس حيوانيٌّ معيَّن. وسيكون من الخطأ أن نتأسَّف عليه: ليس فقط بسبب ما يجلبه لنا من شهوة اللَّذَّات، والَّتي هي لذات حيويَّة، بل سيكون من الإسفاف أن نتأسَّف عن هذا الشَّيء الوحيد الَّذي يمنح لنا حقَّ الوجود. فنحن ننتمي إلى فصيلة الثَّدييات كما يذكرنا بذلك ادغار موران، أي نحن جزء”من فصيلة الثَّدييات العلويَّة، من عائلة القردة العليا، من الجنس البشريِّ، من النَّوع العقليِّ”. إنَّ هذا الانتماء البيولوجيَّ، يفضي بنا إلى تعريف آخر لا صلة له تماما بالتَّعريف الوظيفيِّ بل بالتَّعريف الجنسيِّ. هذا التَّعريف الأخير كان لي عونا باستمرار في استعمالاتي الشَّخصيَّة: الكائن البشري هو كلُّ كائن ولد من كائنين بشريين. هي إذن نزعة بيولوجيَّة صارمة وحذرة. فسواء أكان الإنسان ناطقا أم أخرسا، مفكّرا أم جاهلا، قادرا على التَّنشئة الاجتماعيَّة والإبداع والعمل أم عاجزا عن فعل ذلك، لا يحقُّ بأيِّ حال من الأحوال إقصاء أي كائن من دائرة هذا التَّعريف. فله نفس الحقوق الَّتي نتوفّر عليها (حتَّى وإن عجز فعلا عن ممارستها) أو بالأحرى- وهذا يفيد نفس المعنى- لدينا حياله نفس الواجبات.

تعتبر الإنسانيَّة حدثا قبل أن تكون قيمة، نوعا قبل أن تصير فضيلة. إذا استطاعت الإنسانيَّة أن تغدو قيمة أو فضيلة ( بالمعنى الَّذي تكون فيه الإنسانيَّة نقيض اللاَّإنسانيَّة)، فلأن الأمر راجع بالأساس إلى الوفاء لهذا الحدث ولهذا النَّوع.”أي إنسان يحمل- بتعبير مونتاني- صورة كاملة للشَّرط الإنسانيِّ”. إنَّ الأسوء بيننا غير قادر الانفلات من قبضته. هناك أناس يعيشون بين ظهرانينا غير إنسانيين بسبب فظاعة أفعالهم ووحشيتها وبربريتها، لكن يمكن أن نكون أكثر فظاعة منهم في حال اعتراض عن حقِّهم في الانتماء إلى الإنسانيَّة. فنحن نولد بشرا، ثمَّ نصير إنسانيين. لكن من يفشل في أن يصير كذلك، لا يقلّ عن كونه إنسانا على أيِّ حال. إنَّ الإنسانيَّة هي إنسانيَّة متلقاة قبل أن تكون مخلوقة أو مبتدعة؛ طبيعة قبل أن تكون ثقافة. وبالتَّالي فهي ليست ماهية بل نسالة: إنسان لأنَّه ابن إنسان.

 إنَّ هذا الأمر يطرح قضية الاستنساخ وقضيَّة تحسين النَّسل أو توقع صناعة إنسان اصطناعيٍّ أو إنسان أعلى. وهذا سبب قويٌّ لديَّ لرفضها. إذا كانت الإنسانيَّة تتحدَّد  بواسطة النسالة أكثر ممَّا تتحدَّد بماهيتها أو بالإنجاب أكثر منه بالفكر أو، في النِّهاية، من خلال واجباتنا إزاءها أكثر منه بوظائفها أو إنجازاتها، فإنَّه من اللاَّزم الحرص تمام الحرص على هذه النسالة، وعلى هذا الإنجاب، وعلى هذه الواجبات. فالإنسانيَّة رهان لا لعبة، تحويل لا إبداع، إخلاص لا اختراع. فأن  نتمكَّن من الاستخدام الباهر للتَّقدُّم الجينيِّ قصد إرجاع  لكلّ إنسان، قدر المستطاع، كمال إنسانيته (وهذا ما ننعته بالعلاجات الجينيَّة)، فلا نتخيَّل أن يتذمَّر المرء من ذلك. هذا ليس سببا كافيا في أن يرغب المرء في تحويل الإنسانيَّة نفسها، والحال أنَّها وجدت من أجل تحسين وضعها. دور الطبّ هو محاربة الأمراض، لكن الإنسانيَّة لا تندرج ضمن أحد هذه الأمراض: معناه أنَّه لا يمكن أن تكون من اختصاص الطبِّ شرعيًّا.

  هل نتجاوز الإنسان؟ سيكون ذلك خيانة أو خسرانا له. كلُّ كائن يجهد للحفاظ على البقاء في كيانه بتعبير سبينوزا. إنَّ كينونة إنسان مَّا، ليست أقلَّ تدميرا، إذا ما تحوَّل إلى ملاك أو إلى فرس….إنَّ واجهة الصِّراع تبقى هي هي، سواء أكان الأمر تحسينا للنسالة أو نزوعا نحو الوحشيَّة! أن نداوي فردا مَّا فهذا أمر محمود، دون السَّعيِّ إلى المغالاة. أمَّا أن نعدِّل في النَّوع البشريِّ فهذا أمر مرفوض. إنِّي أعلم علم اليقين، أنَّ الحاجز الكائن بين الاثنين، والمتعلّق أساسا بالعلاجات الوراثيَّة، هو حاجز واه وذو طابع استشكالي. وهذا سبب إضافيٌّ محفِّز للتَّفكير فيه ومبعث لإيقاظ الأذهان. الإنسان ليس إلها: ولن يظلَّ الإنسان إنسانيًّا كاملا إلاَّ إذا إشترط أن يقبل ألاَّ يكون سببا لذاته ولا إفسادا لوجوده.

أن تكون الإنسانيَّة، قبل كلّ شيء، نوعا حيوانيًّا، فهذا أمر يطرح كذلك، َّ، قضية النَّزعة الإنسانيَّة. يمكن أن تؤخذ كلمة إنسانيَّة في معنيين: معنى أخلاقي أو عملي، والَّذي يروم ببساطة إضفاء قيمة معيَّنة على الإنسانيَّة، وبعبارة أخرى، يلزم على كلّ كائن إنسانيّ، جملة واجبات ونواه أو ما أضحى ينعت اليوم بحقوق الإنسان أو، بالأحرى، تلك الحقوق ذات الجذر الفلسفيّ: إذا كان النَّاس يتمتَّعون بحقوق مَّا، فلأنَّنا أوَّلا نتوفَّر جميعا على واجبات تلزم بعضنا البعض. هي واجبات تأمرنا بالنَّهي عن القتل، عن التَّعذيب، عن القمع، عن الاستعباد، عن الاغتصاب، عن السَّرقة، عن الإهانة، وعن الشَّتم….إنَّ هذه النَّزعة الإنسانيَّة هي أساسا أخلاقيَّة قبل أن تكون سياسيَّة، وهي إلى حدّ مَّا أقرب إلى نفوس معاصرينا. نتساءل إذن في هذا الصَّدد: لماذا لا نعتبر بتاتا الاستمناء أو المثليَّة أخطاء؟ لأنهَّا ببساطة لا تجلب الضَّرر لأيّ شخص منَّا. لماذا نجرم دائما، وأكثر من أيّ وقت مضى، الاغتصاب، تجارة الرَّقيق، واغتصاب الأطفال؟ لأنَّ هذه الأفعال الإجراميَّة، تفترض أو تسبّب العنف واستعباد الآخر واستغلاله وقمعه. إنَّها، بإيجاز، جالبة الأذى لحقوقه، لنزاهته، لحريَّته ولكرامته. وهذا يدلُّ على ما ألت إليه الأخلاق في مجتمعاتنا اللاَّئكيَّة. إنَّها لا تلزم المرء الإذعان لنواه مطلقة أو متعالية، وإنَّما هي دعوة إلى مراعاة مصالح الإنسانيَّة، بدءا بمصالح الرَّجل الآخر ومصالح المرأة الأخرى. ولا هي تذييل للدّين، بل أساس- نكرّر ذلك- النَّزعة الإنسانيَّة العمليَّة. نتساءل: لماذا تنعت بـ”العمليَّة”؟ لأنَّها تقترن بالفعل (praxis) أكثر ممَّا هي موصولة بالفكر أو التَّأمُّل( théoria). فما يثير الاهتمام، ليس ما نعرفه أو ما لدينا من اعتقاد عن الإنسانيَّة، بل ما نبتغيه لها. إذا كان الإنسان كائنا مقدَّسا لدى الإنسان كما سبق أن عبَّر عنه سينيكا، فذلك ليس مرده أنَّه سيصير إلها، ولا أنَّه أمر الإلهيٌّ، وإنَّما لأنَّه مجرَّد إنسان، ثمّ لا ثمّ.

   هكذا تكون النَّزعة الإنسانيَّة العمليَّة نزعة إنسانيَّة أخلاقيَّة. بمعنى أن نتصرَّف تصرفا إنسانيًّا ومن أجل الإنسانيَّة. بيد أنَّ هناك نزعة إنسانيَّة أخرى، يمكن أن نطلق عليها نعت النَّزعة الإنسيَّة النّظريَّة أو المتعالية. فماذا يقصد منها؟ أي يقصد منها فكرة مَّا، اعتقاد مَّا، معرفة مَّا، أو ما يعتبر نفسه كذلك: هذا ما نعرفه عن الإنسان وعن قيمته أو ما ينبغي لنا اعتقاده فيه، والَّتي من شأنها أن تؤسّس واجباتنا إزاءه. إنَّ هذه الإنسانيَّة بالذَّات ترتكز على المعرفة نفسها الَّتي تعلن عن انتمائها إليها. أوَّلا، لأنَّ ما نعرفه عن الإنسان، بحسب رأي أوشفيتزAuschwitz، هو قدرته على اقتراف الدَّناءة أكثر من سعيه إلى السُّمو بنفسه إلى مقام أفضل. ثانيا، لأنَّه لم يختار، برأي داروين، أن يكون ما هو كائن عليه ( كون الإنسان حصيلة أكثر منه مبدأ)؛ و لكونه، في النّهاية، غير موصوف بصفات الإله لجسمانيته (هيئته الجسمانيَّة، تمنعه أن يكون جبَّارا أو كاملا أو خالدا)؛ ولأنَّه يجترُّ تاريخا، بدءا من التَّاريخ الطبيعيّ ثمَّ التَّاريخ الثَّقافيّ، وختاما بالمجتمع وبحياة لاواعية تتحكَّم فيه أكثر ممَّا يتحكَّم هو فيها مع كامل الأسف. من هنا كان مجيء العلوم الإنسانيَّة – فلتتمعنوا ماركس، فرويد، دوركهايم – بمثابة تصدُّع للفكرة الَّتي يمكن أن نصنعها عن أنفسنا: إنَّ هذه النَّزعة النَّظريَّة المضادة للإنسانيَّة، بحسب تعبير التوسير، تمنعنا أن نعتقد بالإنسان كما اعتقدنا بالإله. وبعبارة أخرى، تمنعنا من أن نجعل منها أساسا لكيانه ولأفكاره أو لأفعاله. وبلغة ليفي ستروس: “إنَّ الهدف النّهائي للعلوم الإنسانيَّة، ليس بناء الإنسان، بل فكُّ ألغازه”؛ ممَّا يفترض أن نعيد إدماج “الثَّقافة في الطبيعة، والحياة ضمن مجموع شروطها الفيزيا – كميائيَّة”. ذلك أنَّ الإنسان ليس علَّة ذاته ولا سيّد نفسه، ناهيك عن شفافيته لذاته. إنَّه محصلة تاريخ معين، ما يفتأ يخترقه ويشكّله معا على حين غرَّة. وبالتَّالي، فهو لا يكون بما يصنع إلاَّ لأنَّه يوجد أوَّلا بما يصنع له (جسده، ماضيه، تربيته..). فإذا كان الإنسان “محكوما عليه في كلّ لحظة أن يخلق إنسانا”، حسب تعبير سارتر، فإنَّ هذا الخلق، لا يتمُّ أبدا من لاشيء. ذلك أنَّ الإنسانيَّة ليست صفحة بيضاء ولا هي إبداع خالص لذاتها بذاتها. إنَّها تاريخ، إنَّها حتميَّة أو أكثر من ذلك، إنَّها مغامرة.

إنَّ “الإنسان ليس إمبراطوريَّة داخل إمبراطوريَّة”، بتعبير سبينوزا: إنَّه ينتمي إلى الطبيعة ويتماشى وفق مقتضى نظامها (حتَّى عندما يبدو خرقا وزعزعة له)؛ وينتمي إلى التَّاريخ سواء أكان صانعا له أم صنيعته، وينتمي إلى مجتمع معيَّن، وإلى عصر معيَّن، وإلى حضارة معيَّنة…فأن يكون المرء قادرا على اقتراف الأذى، فذلك ما يمكن أن يفسّر على نحو جيّد. إنَّ الإنسان حيوان آيل إلى الموت ويعي ذلك، له من الدَّوافع أكثر من الغرائز، ومن الأهواء ما يفوق ما لديه من الأسباب، ومن الاستيهامات أكثر ممَّا يعجُّ به من أفكار، ومن أشكال الغضب أقوى ممَّا لديه من إشراقات. للفيلسوف ادغار موران عبارة بديعة: “الإنسان العاقل، إنسان شيطان؛Homo sapiens  homo demens ” فكم يطمر في بواطنه من صنوف العنف، ومن نزوع للرَّغائب، ومن هواجس الخوف! وكم كنَّا دوما على صواب في دأبنا الحثيث على صون الإنسان من نفسه كسبيل وحيد لخدمته. كتب لامتري قائلا: “أتأسَّف لمصير الإنسانيَّة الَّذي يوجد بين أسوء الأيادي الَّتي هي أياديها”. لكن لا يوجد ما يتوسّل به غيرها: عزلتنا تحكم كذلك واجباتنا. فما تعلّمنا إيَّاه العلوم الإنسانيَّة عن ذواتنا، وهو أعزُّ ما يطلب، لا يمكنه أن يقوم مقام الأخلاق. فما نعلمه عن الإنسان لا يشي بأيّ شيء أو بالكاد لا شيء، حول ما نريده أن يكون. بل أن تكون الأنانيَّة، والعنف، والفظاعة قابلة لأن تفسَّر تفسيرا علميًّا (لماذا لا تكون كذلك، مادام أنَّ وجودها واقعيٌّ؟)، فهذا الأمر لا يعلمنا شيئا عن قيمتها. ومن جهة أخرى، يمكن أيضا، أن نفسّر الحبَّ، اللَّطافة، والشَّفقة، ما دام أنَّها موجودة ومفضلة. لكن باسم ماذا؟ أبسم فكرة معينة عن الإنسان كما قال بذلك سبينوزا، والَّتي تعتبر”كنموذج للطبيعة الإنسانيَّة الجاثم نصب أعيننا”. فأن يعرف المرء لا يعني أن يقرّر ولا أن يعفى من ذلك. إنَّ مناهضة النَّزعة الإنسانيَّة النَّظريَّة في العلوم الإنسانيَّة، وبمنأى عن التَّبخيس من قيمتها، هي الَّتي تمنح للنَّزعة الإنسانيَّة العمليَّة استعجاليتها ومدى أهميَّة وضعها. إنَّها أخلاق لا دين، إرادة لا عقيدة، معركة لا نظريَّة. هي إذن معركة من أجل حقوق الإنسان باعتبارها الواجب الأوَّل لكلّ واحد منَّا.

  إنَّ الإنسانيَّة، بهذا المعنى، ليست ماهية يجب تأمُّلها، ولا هي شيء مطلق يتطلَّب واجب العبادة، ولا هي إله تتشوَّق النُّفوس إلى محبَّته: إنَّها بالأساس ذاك النَّوع الَّذي ينبغي المحافظة عليه، وتاريخ لامناص من معرفته، وجموع أفراد يتوجَّب الاعتراف بها، وقيمة لا بدَّ، في الختام، من الدّفاع عنها. يتعلَّق الأمر إذن، كما جرى الكلام عن الأخلاق، ألاَّ نشين ما صنعته الإنسانيَّة بذاتها وبأنفسنا. هذا ما دعوته بالوفاء الَّذي يجلب لي ميزة أفضل من الإيمان.

  أنعتقد بالإنسان؟ من الأحسن، أن تتمَّ معرفته كما هو، مع الاحتراس منه. بيد أنذَ هذا التوجُّس، لا يعفينا من الوفاء عمَّا أسدوه هؤلاء الرّجال والنّساء من أعمال جليلة- الحضارة، الفكر، الإنسانيَّة نفسها- وعمَّا تلقيناه عنهم، وعمَّا نودُّ نحن بدورنا من نقل، وبإيجاز، فكرة معينة عن الإنسان، لكنَّها فكرة تدين بالشَّيء القليل  للمعرفة منه إلى الاعتراف، وبالشَّيء القليل للعلوم منه إلى الإنسانيات كما جرى القول في الماضي. وأخيرا ندين للأخلاق وللتَّاريخ أكثر ممَّا ندين للدّين. وعود على بدء، لابدَّ من لا التأكيد على أهميّة النَّزعة الإنسانيَّة العمليَّة عوض النَّزعة الإنسانيَّة النظرية: النَّزعة الإنسانيَّة الوحيدة الجديرة بذلك، هي النَّزعة الَّتي يتصرَّف فيها المرء تصرُّفا إنسانيًّا. ولكون الإنسان ليس إلها، فإنَّ أمره موكول على عاتقنا حتَّى يصير، على الأقلّ، إنسانا.

  وبالمناسبة، نشير إلى عبارة سنيكا سبق أن استحضرها مونتاني في ختام “دفاع عن رامون سوبون:” كم هو الإنسان خسيس وحقير حينما لا يعلو فوق الإنسانيَّة”. هذا وقد أضاف تعليقا :” هاهي كلمة طيبة ورغبة نافعة، غير أنَّها تبدو بالمثل كلمة عبثيَّة، فأن تصنع مقبضا أكثر من قبضة اليد، أو أن تمدَّ السَّاعد أكثر من اللاَّزم، أو تأمل أن تخطو خطوات أكثر من امتداد الأرجل، هو ضرب من الاستحالة والبشاعة”. فلا أحد، ما عدا الإنسان، يعلو فوق ذاته وعلى الإنسانيَّة. لذا، فما تبقى لنا فعله، وهذا ليس دوما مضمونا، هو أن نصون حياته من السُّقوط إلى أسفل السَّافلين.

إنَّها إذن إنسانيَّة بلا أوهام ومرفأ حمائي. الإنسان ليس ميّتا: لا كنوع، ولا كفكرة، ولا كمثال. بيد، أنَّه كائن فان. ولأنَّه كذلك، فهذا سبب إضافي يستلزم منَّا الدّفاع عنه.

 André Comte- Sponville ، Présentations de la philosophie.  éd. Albin Michel S. A،2000 

الهامش:

هذه ترجمة عربيَّة للمقال الَّذي نُشر بالفرنسيَّة في الأول من نوفمبر على موقع مجلَّة فرانكوبوليس الكنديَّة والموجود على الرَّابط التَّالي:

http://www.francopolis.net/vues/AlnabwaniKhaldoun-novembre2015.html

                                                                                                                                         
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق