الإرهاب هذا العدوّ الحميم للسياسيين / راتب شعبو

يتحول السياسيون في لحظة إلى نجوم الإعلام بعد كل عملية إرهابية، ولا سيما العمليات الثقيلة العيار كالتي حدثت في باريس ليل 13 تشرين الثاني، فتنشدّ الأنظار إليهم، ويستمع إليهم من لا يعيرهم اهتماماً في العادة من المواطنين، ويحفظ أسماءهم أناس ما كانوا ليحملوا في ذاكرتهم هذا الاسم أو ذاك لولا العملية الإرهابية.

في العمليات الإرهابية يروج سوق وزراء الداخلية الذين يحوزون اهتماماً خاصاً إثرها. أضواء وكاميرات وميكروفونات وآذان صاغية من جهة، وربطات عنق وكلام موزون عن التحدي والطمأنة والتحذير، مع تعابير صارمة ومسؤولة على الوجوه من الجهة الأخرى.

حين يدخل الموت على الحلبة تكتسب السياسة رهبة خاصة، ويصبح لأسياد الشأن العام قيمة مضافة. تكون رهبة الموت أشدّ حين يضرب الموت عشوائياً وعلى غير توقع، ما يجعل جميع الناس في دائرة الخطر، في أي مكان، في أي وقت. كأن يختار هذا القتل العشوائي (الإرهاب) روّاد مقهى على الرصيف، أو أناساً يمضون سهرة مع الموسيقى في مسرح ما، أو طلاباً يعودون من جامعتهم أو شباباً يتناولون وجبة منتصف النهار في مطعم للوجبات السريعة… الخ.

تماماً كما ينشدّ الناس إلى مجتمع العلماء ويصغون إلى كلامهم وتقديراتهم، حين تهزّ العالم زلازل أو براكين أو أوبئة أو تبدلات فلكية أو مناخية هائلة. كذلك ينشدّ الناس إلى السياسيين عقب العمليات الإرهابية. يتحول السياسيون في نظر “المرهوبين” إلى أنبياء يحملون في أيديهم أمل الخلاص. الجميع ينتظر أقوالهم، والجميع يقبل ما يقدمون عليه من أفعال، حتى لو كان ما يفعلونه لا يقلّ عن الإرهاب إرهاباً. لكن هذه الأفعال تحوز تبريرها في أنها ضمن إطار محاربة الإرهاب وفي أنها أقل عشوائية من الإرهاب. فهي تختار ضحيتها بعناية، ذلك أن الدولة في الغرب توجّه “إرهابها” ضد مجتمعات معينة تعتبرها متورطة في الإرهاب أو بيئة له، وفي هذا ما يبدو حماية لـ“المجتمع الأصل”.

لهذا الأمر قيمة خاصة في الغرب لأن زعماء الغرب قليلو الهيبة في بلدانهم إذا ما قورنوا بزعماء الشرق. الغربيون محكومون بقانون يحدد قدرتهم على التدخل، على خلاف الزعماء في بلداننا. الهالة السحرية التي تحيط بالزعيم في بلداننا ناجمة عن انفلات قوته “في الداخل” من أي ضابط، فهو يستطيع أن يعطي وأن يمنع، أن يحيي وأن يميت، كصورة مصغّرة عن فكرة الله في الأذهان، مع فارق هو أن الزعيم الشرقي “لا يمهل”، جحيمه جاهزة دائماً لابتلاع “المشركين به”. يمكن لزلة صغيرة أمامه أن تودي بصاحبها إلى التهلكة، ويمكن لسلوك صغير ينم عن ولاء عميق أو يستهوي الزعيم أن يرفع صاحبه إلى مصاف عالٍ.

في الأزمات وأمام القوى القاتلة، المغفلة والغامضة، التي تقتحم حياة الناس اليومية، يبحث هؤلاء عن الفهم وعن مصدر للطمأنينة ويتجهون إلى الأشخاص الذين يتولّون الأمر، وهم الزعماء السياسيون. يغدو الناس، عقب العمليات الإرهابية، أقل استعداداً لنقد السياسات “الوطنية”، يميلون أكثر إلى تسليم أمرهم إلى “السلطات”. يقبلون تحديد الحريات والحقوق وفرض حالة الطوارئ، ويستنفرون مشاعر عداء حادة تجاه الآخر “الإرهابي” الغامض الذي يحدده لهم السياسيون. لقد أدرك السياسيون الغربيون، ما أدركه قبلهم أسياد السياسة في الشرق: كم هو سهل وممتع أن تقود أناساً خائفين.

لم يلمع اسم ساركوزي مثلاً لولا حوادث خريف 2005 في باريس حين كان وزيرا للداخلية. لم يتوقف معظم الفرنسيين حينها عند حقيقة أن ساركوزي ساهم في توسيع تلك الحوادث حين راح يستخدم لغة تحقيرية ضد المحتجين على وفاة اثنين من الفتيان جراء ملاحقة الشرطة لهما، ولم يتوقف الفرنسيون عند مطالبته بتنظيف صناعي لأحيائهم، في تلميح إلى أنهم “قذارة”. على العكس، ارتفعت أسهم الرجل لأنه تمكن من السيطرة على الحوادث، ثم تمكن من الوصول إلى رئاسة الجمهورية بعد ذلك بعامين، ويمكن القول إنه تمكن من ذلك بفضل الإرهاب.

لعل حوادث الحادي عشر من أيلول 2001 وخروج جورج بوش الابن للحرب على الإرهاب كانا في أساس التجديد له لولاية ثانية، الشيء الذي لم يتح لأبيه، “بطل” حرب الخليج وزعيم التحالف الثلاثيني حينها.

الإرهاب بازار مناسب للسياسة، يحوّل الجمهور عجينة طيّعة. يجهد السياسيون للقضاء على الإرهاب لكنهم في حقيقة الأمر لا يريدون له أن يموت، فموته يجعل من السياسة عملاً أكثر صعوبة وأقل إثارة وجاذبية.

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق