استراتيجية‮ “‬داعش‮” ‬في أفغانستان‮ ..‬بين الزعامة السياسية والدعم العسكري / ‬عمرو منصور‬‬‬‬‬‬‬‬‬

تحول كبير بدأ يحدث في خريطة الصراع في أفغانستان، بعد إعلان تنظيم “داعش” تشكيل ولاية خراسان، في خطوة تصعيدية أدخلته في مواجهة شرسة فكريا وعسكريا مع حركة طالبان، وذلك علي الرغم من انشغاله بمعارك قوية علي الساحتين السورية والعراقية. ويثير ذلك العديد من التساؤلات حول الهدف من إعلانه تشكيل ولاية خراسان، وتوقيت هذا الإعلان، والتي سنحاول أن نجيب عليها.

في التاريخ الإسلامي في القرن الثاني الهجري، وعقب سقوط الخلافة الأموية، وقيام الخلافة العباسة، رفض الأمير عبدالرحمن الداخل – عقب وصوله للأندلس – أن يعلن نفسه خليفة للمسلمين، لأنه رأي أن الخلافة تكون ناقصة، ما لم يكن خليفتها مسيطرا علي الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، لأنهما “عصب الملة”.

هذه الحالة يمكن إسقاطها علي فكر الجماعات المسلحة “الجهادية”. فأفغانستان تحمل دلالة رمزية في فكر هذه الجماعات بما تحمله من ذكريات الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال السوفيتي، ثم تشكيل إمارة طالبان الإسلامية، واستقبال أسامة بن لادن، انتهاء بمرحلة مقاومة الاحتلال الأمريكي، حيث لا يمكن في أوساط أتباع هذا الفكر القبول بادعاء تنظيم سيادته وقوته التنظيمية والعسكرية دون أن يكون له موطئ قدم، ويشارك في الجهاد في أفغانستان، فما بالنا ونحن أمام تنظيم أعلن زعيمه الخلافة، ودعا كل التنظيمات المسلحة الأخري، بما فيها طالبان والقاعدة، لمبايعته؟. ومن هنا، كان من الأهمية بمكان أن يتجه تنظيم “داعش” لفرض وجوده في أفغانستان، والتنافس مع حركة طالبان وتنظيم القاعدة، من أجل إعطاء دفعة معنوية لأتباعه، واستقطاب العديد من الأنصار الجدد، والتمهيد لانتزاع الزعامة الكاملة من منافسيه.

أولا- عوامل إعلان ولاية خراسان:

1- تطلع التنظيم لاستغلال الفراغ الزعامي في حركة طالبان الذي خلفه وفاة الملا عمر، مما أدي لانقسام داخلي بين قيادات الحركة حول تولية الملا أختر منصور قيادتها، حيث أعلنت أسرة الملا عمر – ممثلة في الملا محمد يعقوب، والملا عبد المنان – رفضهما تنصيبه. وقال عبد المنان في رسالة صوتية دون إشارة إلي منصور “عائلتنا لم تعلن البيعة لأي شخص وسط هذه الخلافات”. وأضاف “نريد من العلماء حل الاختلافات بدلا من إعلان البيعة لطرف من الأطراف”.

واتخذ هذا الموقف أيضا الملا عبد القيوم ذاكر، رئيس المجلس العسكري للحركة السابق، والذي قدم استقالته من منصبه في أبريل 2014، متعللا بالمرض. إلا أنه وفق بعض التقارير، فإن السبب الحقيقي لاستقالته هو خلافاته مع الملا منصور، والمتعلقة بمحادثات السلام. كما أن من بين معارضي تنصيب منصور رئيس المكتب السياسي للحركة في قطر طيب أغا، الذي أعلن أنه بصدد التنحي عن منصبه، عقب عملية التنصيب، مشيرا إلي أن قراره جاء لتجنب “أي خلافات قد تنشب مستقبلا”. وفي تلميح لتدخل المخابرات الباكستانية في تنصيب منصور، قال “أغا” إن علي حركة طالبان إدارة شئونها من داخل أفغانستان، والسماح بتدخل القوي الخارجية في شئونها “خطأ تاريخي كبير”. وبالمقابل، يحظي “منصور” بدعم سراج الدين حقاني الذي أصبح نائبا له وزعيما لجماعة حقاني، بعدما كشفت تقارير إعلامية عن وفاة والده جلال الدين منذ نحو عام.

ولا شك في أن فشل قيادات الحركة في الاتفاق علي أميرها الجديد، وعدم وجود شخصية بين القيادات الموجودة تتمتع بقيادة كاريزمية تمكنها من فرض نفسها علي الجميع، وظهور بوادر اختلاف في الرؤي الاستراتيجية للحركة بين جناح مؤيد للمفاوضات مع الحكومة الأفغانية، برعاية باكستانية، ويقوده الملا منصور، ونائبه سراج حقاني، وجناح معارض لهذه المفاوضات، يقوده الملا ذاكر والملا يعقوب – كل ذلك يفتح الباب علي مصراعيه أمام تفكك الحركة. هذا احتمال وارد في حالة إعلان أحد القادة نفسه أميرا جديدا للحركة، ومنافسا للملا منصور. وقد لجأ الموقع الرسمي لحركة طالبان “إمارة أفغانستان الإسلامية” لمحاولة إجهاض هذه الخطوة المحتملة، واستخدام عبارة “الزعيم الشرعي الجديد لإمارة أفغانستان الإسلامية أمير المؤمنين الملا / أختر محمد منصور”، خلال تناوله خبر مبايعة الظواهري للملا منصور.

من جهة أخري، فمن الواضح أن القيادة الجديدة للحركة بقيادة الملا منصور تعيش حالة من التخبط السياسي، ستكون “داعش” هي المستفيد الأول منها. هذا التخبط يمكن أن نلاحظه من خلال ثلاث نقاط في منتهي الأهمية:

الأولي: ما تم ذكره آنفا من أن الملا منصور هو من مؤيدي المفاوضات مع الحكومة الأفغانية.

الثانية: ذلك الخطاب الذي صدر في يوليو الماضي، والذي تم نسبه للملا عمر بأنه يعلن فيه دعمه للمفاوضات الجارية بين الحركة والحكومة الأفغانية. ومع الكشف لاحقا عن وفاة الملا عمر في أبريل 2013، يصبح من المرجح بشدة أن من كتب هذا الخطاب هو الملا منصور نفسه في إطار مسعاه لقيادة الحركة، وفقا لرؤيته.

الثالثة: إعلان منصور، عقب توليه رئاسة الحركة رسميا، أن التفاوض مع الحكومة الأفغانية لن يحدث، وأن ذلك خدعة من الأعداء.

هذا الإعلان الأخير الذي يتعارض مع الموقفين السابقين يكشف عن أن منصور اضطر لتغيير موقفه تماما بالعودة للموقف الثابت الذي تبناه زعيمها الراحل الملا عمر، وذلك من أجل ضمان الحصول علي تأييد كافة أتباع الحركة، وإحباط مخطط منافسيه: الملا ذاكر، والملا يعقوب، لنزع الشرعية عنه، وإظهاره بمظهر المتخلي عن مبادئ الحركة. إلا أن التحول في موقف الملا منصور سيصعب تصديقه علي مستوي قيادات وقواعد الحركة، مما سيعزز من الانقسام في صفوفها الذي يصب في مصلحة “داعش”.

2- بعد نجاح “داعش” في إحداث تفكك جزئي في الجماعات المنضوية تحت لواء القاعدة في مصر، وبلاد المغرب العربي، وإفريقيا جنوب الصحراء، وإعلان بعض من عناصر هذه التنظيمات ولاءهم لها، كانت الخطوة المتوقعة في إطار الصراع علي الزعامة بين التنظيمين هي اتجاه “داعش” لتوجيه ضربة قوية للقاعدة في أفغانستان، معقلها التاريخي، لإيصال رسالة لأتباع غريمتها بأنني ها قد أصبحت بينكم، أتمدد وأنافس قيادتكم، مستغلة فشل أيمن الظواهري في تحريك أتباعه للقيام بهجمات كبري ضد الغرب تحافظ للقاعدة علي زعامتها، وتؤكد احتفاظها بقوتها، ومقتل عدد من قيادات التنظيم البارزين، آخرهم أبو خليل السوادني، رئيس قسم العمليات الاستشهادية والمتفجرات في تنظيم القاعدة الذي قتل في غارة جوية أمريكية في منطقة ديرمال بولاية باكتيا شرق أفغانستان، في الحادي عشر من الشهر الماضي، حسبما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” في بيان رسمي لها في الرابع والعشرين من الشهر ذاته، والتي وصفت السوادني بأن له علاقات وثيقة مع أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة.

3- في ضوء محاولات “داعش” لترسيخ وجودها في سوريا والعراق، وضبط بنائها الهيكلي لمواكبة عمليات التوسع التي تقوم بها، ووجود عدد كبير من المقاتلين الذين يفتقدون الخبرات القتالية أو الإدارية، فإنها باتت في حاجة ملحة لاجتذاب بقايا المقاتلين العرب المنضوين تحت لواء القاعدة في أفغانستان، نظرا لرمزيتهم في العمل “الجهادي” وقدراتهم التنظيمية الكبيرة، وخبرتهم القتالية الطويلة التي تتجاوز 15 سنة في نطاق هو الأشرس عسكريا، والأقسي جغرافيا ومناخيا، ليصبح هولاء المقاتلين هم مفاصل إدارتها الجديدة.

4- الارنباط الوثيق أيديولوجيا، وحركيا وعسكريا بين طالبان الأفغانية، ونظيرتها الباكستانية بقيادة الملا فضل الله، سيعرقل بشكل كبير أي محاولات من قبل “داعش” لاختراق طالبان الباكستانية. لذا، فإن “داعش” تدرك أن عليها هزيمة طالبان الأفغانية، وإحداث شرخ مؤثر في كيانها يساعد علي إضعاف الارتباط بين الحركتين، ويمكنها من اختراق الجناح الباكستاني بالتبعية. وتملك “داعش” فرصة جيدة لتحقيق ذلك إذا ما نجحت في استغلال العلاقة الجيدة بين أمير طالبان الأفغانية، الملا منصور، ونائبه سراج حقاني، والمخابرات الباكستانية في إحداث شقاق بين الحركتين، وإثارة سخط طالبان باكستان، تحت دعوي أن قيادة طالبان الأفغانية تتعاون مع أعدائهم من المخابرات الباكستانية في حسابات مصلحة بحت وتعاون مع الطواغيت ضدهم.

5- مشكلة “داعش” العسكرية والإعلامية مع الولايات المتحدة علي جبهتي القتال في سوريا والعراق هي أن الأخيرة ليست لها قوات برية علي الأرض يمكن استهدافها من قبل عناصر التنظيم، كما أن تفوقها الجوي غير متناه نتيجة لعدم امتلاك التنظيم قوة جوية، وهزالة دفاعه الجوي. ولهذا، فإن أحد أسباب اهتمام “داعش” بالوجود في أفغانستان هو توافر قوت برية أمريكية يسهل استهدافها نسبيا، حيث يبلغ عدد هذه القوات 10 آلاف جندي، يسعي الرئيس الأمريكي باراك أوباما لخفضهم إلي 8 آلاف جندي بنهاية العام الجاري، تمهيدا للانسحاب الكامل يناير 2017. ومن هنا، يمكن عبر عدد من السيارات المفخخة، وقوة قتالية محدودة، شن هجمات مؤلمة ضد هذه القوات، سيخرج التنظيم كل براعته الإعلامية في تسويقها ليجذب بها المزيد من العناصر، سواء من داخل أفغانستان، أو خارجها.

كما أن بدء الولايات المتحدة في استخدام قاعدة إنجرليك الجوية التركية لشن هجمات علي مواقع التنظيم في سوريا، ربما يعجل بشن التنظيم هجمات علي القوات الأمريكية في أفغانستان لإحداث نوع من توازن الألم، واستغلال حالة عدم الاستقرار في صفوف حركة طالبان لدفع القيادة الجديدة للحركة التي تسعي لإثبات قوتها للدخول في تنافس مع التنظيم علي استهداف القوات الأمريكية.

إلا أن تنفيذ هذه العمليات يحتاج لتوافر عدد مقبول من المقاتلين، ونقاط تمركز متماسكة لتحمل الهجمات المضادة من قبل القوات الأمريكية بخلاف الاشتباكات مع حركة طالبان، وهو أمر غير متوافر حاليا، وهذا ما يفسر عدم شن التنظيم حتي الآن أي هجمات علي القوات الأمريكية، واهتمامه بالتركز في المناطق الجنوبية والشرقية من البلاد، معاقل حركة الطالبان الرئيسية، بعيدا عن الحدود الغربية مع عدوه الإيراني، مثل هلمند، وننجرهار، وغزنة، وقندوز، ونيمروز، وبعض المناطق من إقليم زابل المجاور لـ “قندهار، وإقليم لوجر.

ثانيا – استراتيجية”داعش“في أفغانستان:

كشفت”داعش“من خلال بيان واليها علي ولاية خراسان، حافظ سعيد خان، عن استراتيجية تحركاتها في أفغانستان وباكستان، مع صبغها بصبغة شرعية تتناسب مع الواقع العملياتي الصعب في مواجهة القوات الأمريكية، والذي يدفع التنظيم لتجنب القتال معها، والاكتفاء بقتال حركة طالبان والقاعدة في أفغانستان، وحسم الخلاف معهما بشأن قضية الخلافة، والإعلان عن مواصلة قتال الحكومتين الأفغانية والباكستانية.

حاول سعيد خان في بيانه أن يحسم الجدل حول صراع الزعامة مع طالبان، والقاعدة، والتنظيمات الجهادية علي إطلاقها، حتي تلك التي لم تقاتله هو، أو تنظيم”داعش“الأم، بالقول:”قال النبي – صلي الله عليه وسلم – (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)، يراد من البيعة بيعة خليفة المسلمين، لا بيعة التنظيمات الجهادية، فلا عبرة لهذه التنظيمات بعد إعلان الخلافة. وكان هدف هذه التنظيمات هو إقامة الخلافة الإسلامية، وها هي قد أقيمت، فلا بد من مبايعة خليفة المسلمين، وترك هذه التنظيمات“.

لكن هذا الطموح الداعشي، ودعوة التنظيمات الجهادية لمبايعة أبي بكر البغدادي، واجههما أمير طالبان الملا أختر منصور بإعلان أن إمارته هي كيان عالمي مواز للخلافة التي أعلنتها”داعش“، وإثبات زعامته علي كافة التنظيمات الجهادية، وعلي رأسها حليفتها القاعدة، وتأكيد وجود تأييد شعبي له من كافة فئات الشعوب الإسلامية، واصفا نفسه بأمير المؤمنين في بيان صادر عنه نشر علي الموقع الرسمي لإمارة أفغانستان الإسلامية بعنوان”رسالة قبول وتقدير لبيعة جميع المبايعين من أمير الإمارة الإسلامية الجديد“، إذ قال”وفي المقدمة، أقبل بيعة أمير تنظيم “قاعدة الجهاد” الدكتور/ أيمن الظواهري، وأشكره علي أنه أرسل إلينا ببيعة جميع من تحت إمرته من المجاهدين، كما أتقدم بالشكر لجميع المجاهدين المرابطين علي الثغور، وأساتذة المدارس والجامعات والمراكز التعليمية، والشخصيات الجهادية والوطنية، والأحزاب الجهادية، الذين شاركونا حزننا من مختلف أصقاع الأرض (لوفاة الملا عمر)، أو بايعونا أميرا للجهاد“.

وفي إطار الصراع بين القاعدة و”داعش“علي زعامة عالمية العمل”الجهادي“، بدا أيمن الظواهري حريصا علي دعم حليفه أمير طالبان أميرا للمؤمنين في القيادة السياسية للعالم الإسلامي ضد عدوهما المشترك”داعش“، في التسجيل الصوتي الذي أصدره لمبايعة الملا منصور بالقول:”بوصفي أميرا لجماعة قاعدة الجهاد، أتقدم إليكم ببيعتنا لكم، مجددا نهج الشيخ أسامة بن لادن وإخوانه الشهداء الأبرار في بيعتهم لأمير المؤمنين الملا محمد عمر“،”نبايعكم علي كتاب الله وسنة رسوله .. وعلي إقامة الشريعة حتي تسود بلاد المسلمين حاكمة لا محكومة، قائدة لا مقودة“.

ثم أراد خان أن يشرح رؤية”داعش“قائلا”أوجه كلمتي إلي إخواننا المسلمين في ولاية خراسان بشأن مقصد الخلافة الإسلامية وهو تطبيق الكتاب والسنة علي هذه الأرض“. لكن هذا الكلام في مضمونه لا يمثل إضافة جديدة لما تعلنه طالبان والقاعدة عن سعيهما لتطبيق الشريعة. ومن هنا، كان علي سعيد خان أن يقدم نقطة تميزه عن الجماعتين، وتفسير ضرورة قتالهما قبل قوات الاحتلال الأمريكي بالقول:”بالنسبة للتنظيمات الجهادية التي لا تتحاكم إلي الكتاب والسنة، وتقاتل ضدنا .. ندعو المسلمين إلي أن يكونوا علي حذر منهم .. وهم ليسوا بمجاهدين حقيقيين، فقد بدأوا يطلبون المساعدة والمدد من حكومة إيران الرافضية، أعداء صحابة رسول الله، صلي الله عليه وسلم، وهم أشد غلظة في الكفر، فالأولي أن نقاتل ضدهم، فهم مرتدون، وقتال المرتد مقدم علي قتال الكافر الأصلي (القوات الأمريكية)، ولن نترك الكافر الأصلي أيضا بإذن الله“.

أحد محاور استراتيجية”داعش“الرئيسية بشكل عام هو تأكيد صراعها مع إيران، صاحبة المشروع الشيعي الأبرز، وعدوتها في سوريا والعراق من أجل جذب تعاطف السنة. ومن هنا، حرص سعيد خان، والي ولاية خراسان التابعة لها، علي شن هجوم علي قيادة طالبان بسبب سعيها للتقارب مع إيران، والتعاون معها في حربه، عقب زيارة الملا أختر منصور، رئيس مجلس شوري كويتا (قبل توليه إمارة الحركة) للعاصمة الإيرانية طهران مطلع يونيو الماضي، علي رأس وفد ضم 11 شخصا، حيث التقي وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، وقائد فيلق القدس بالحرس الثوري اللواء قاسم سليماني، حيث قدم منصور طلبا رسميا للسماح لطالبان بفتح مكتب تمثيل في طهران، إضافة إلي طلب مساعدة لمحاربة تنظيم”داعش“، والجنود الأمريكيين في أفغانستان.

هذا المحور كان له واقعه علي الأرض، حيث قام أتباع”داعش“من المنشقين في حركة طالبان بخطف 31 من المواطنين الهزارة الشيعة في فبراير الماضي بمنطقة زبل، بين قندهار وكابل، حسبما أعلن الزعيم الشيعي الأفغاني محمد محقق، زعيم حزب الوحدة الإسلامية.

علي الجانب الآخر، ورغم إعلان تنظيم”داعش“تأسيس ولاية خراسان في 26 يناير الماضي، فإن قراءة التتابع الزمني للأحداث ستكشف لنا الكثير حول ما يدور في كواليس الساحة الأفغانية، وتطورات الصراع بين”داعش“وطالبان.

إن الطابع الكاريزمي لشخصية الملا عمر، وقوته السياسية والعسكرية داخل أفغانستان أمر لا ينكره حتي أقوي أعدائه، فكيف لتنظيم مثل”داعش“ليس له أرضية داخل أفغانستان أن يتجرأ ويتحداه، محاولا انتزاع زعامة العمل”الجهادي“منه فيها، ويعلن أفغانستان جزءا مما سماه ولاية خراسان، إلا إذا كان التنظيم قد تأكد تماما من أن الملا عمر لم يعد له وجود، وأن الساحة خلت من أقوي رجالاتها؟ لكن متي حدث ذلك؟.

الزيارة التي قام بها ممثلون من”داعش“لباكستان في سبتمبر 2014 للقاء قادة الحركات”الجهادية“المختلفة، ومن بينهم بعض قادة حركة طالبان باكستان، هي التي وفرت علي الأرجح لـ”داعش“معلومة وفاة الملا عمر. بل وليس من المستبعد أن يكون من بين أهداف هذه الزيارة بالأساس التأكد من صحة هذه المعلومة التي تسربت في صورة إشاعة منذ فترة. حيث يذكر عثمان غازي، أمير الحركة الإسلامية لأوزبكستان، الموالي لـ”داعش“في بيان له في يونيو الماضي بخصوص اختفاء الملاء عمر”أريد أن أشدد علي أن الحركة الإسلامية لأوزبكستان لم تعرف هذه الحقيقة “وفاة الملا عمر” أخيرا، بل منذ وقت طويل، وقد انتظرنا لوقت كاف راجين أن يقول هذه الحقيقة أهله“.

وعقب تأكد”داعش“خلال الزيارة من وفاة الملا عمر، وأنه لن يستطيع بداهة أن يرد علي كل أقاويلها، كان عليها أن تحطم صورته المثالية التي تكاد تصل لحد العصمة بين أتباعه، فأعلنت تمثيلية الصدام البطولي ضد الرجل الذي تعرف أنه ميت – وكأنها لا تعرف- حيث شنت في عدد ديسمبر 2014 من مجلة”دابق“التابعة لها، هجوما حادا علي الرجل، متهمة إياه بتبني مفاهيم”مشوهة“عن الإسلام. ونشرت المجلة مقالا تتهمه فيه وتنظيم القاعدة بالتخلي عن الإسلام، من خلال وضع القانون القبلي فوق الشريعة، والفشل في الاستيلاء والسيطرة علي الأراضي بفاعلية، وتجاهل استهداف السكان الشيعة، وقبول الاعتراف بالحدود الدولية.

وبعد انتهاء الجزء الأول من تمثيلية الصراع مع الرجل القوي -الغائب- باتت البيئة مهيأة لإعلان”داعش“تشكيل ولاية خراسان في الشهر التالي، انتظارا لاختيار اللحظة المناسبة لكشف وفاة الملا عمر أمام أتباع طالبان لكسر ثقتهم في قيادتهم التي خدعتهم، ومن ثم استقطابهم بسهولة للانضمام لصفوف ولاية خراسان التابعة لها، حيث أعلن الناطق باسم التنظيم أبو محمد العدناني، في 26 يناير 2015، عن قيام”ولاية خراسان“، عبر كلمة صوتية بعنوان”قل موتوا بغيظكم“أن الخليفة أبا بكر البغدادي قام بتعيين حافظ سعيد خان واليا علي ولاية خراسان، وعين عبد الرءوف خادم نائبا له.

ويبدو أن مقتل”خادم“في 9 فبراير 2015 في هجوم لطائرة أمريكية بدون طيار، وفشل محاولة اغتيال حافظ سعيد خان في منطقة أتشين في إقليم ننكرهار في 15 مارس الماضي، أظهرا لقيادة التنظيم أن الولايات المتحدة لن تنتظر حتي يقوي نفوذه في أفغانستان، ومن ثم فإن عليها الإسراع في إحداث التصدع المأمول في طالبان للتمكن من بناء قوتها في أفغانستان في أقرب فرصة. لذا، فقد أعلن حافظ خان في رسالة صوتية له بعنوان”رسالة إلي أهلنا في خراسان“في 13 يوليو الماضي أن الملا عمر توفي منذ سنوات، وهو ما أكده عثمان غازي، أمير الحركة الإسلامية لأوزبكستان في بيان له في يونيو الماضي.

محاولات قيادة طالبان لنفي وفاته لم تعد مجدية في ظل عدم خروج الملا عمر بنفسه لنفيه، وآخرها إعلان المتحدث باسم الاستخبارات الأفغانية حسيب صديقي، في 29 يوليو الماضي، وفاة الملا عمر، زعيم حركة طالبان، قبل عامين، فاضطر مجلس شوري الحركة لإعلان صحة نبأ وفاته في اليوم التالي، ثم إصدار بيان يعلن فيه انتخاب الملا أختر محمد منصور زعيما جديدا لطالبان.

ارتفاع سقف التنافس السياسي والمسلح بين”داعش“من جهة، وطالبان والقاعدة من جهة أخري إلي مستوي الادعاء بقيادة العالم الإسلامي والجماعات الجهادية فيه، سواء في صورة خلافة أو إمارة، وبلوغ هذا التنافس حد الاقتتال بينهما علي أرض أفغانستان، ساحة الجهاد الأعظم، ومع وجود امتدادات مسلحة لـ”داعش“والقاعدة في مناطق مختلفة من إفريقيا وآسيا، يصل بين أفرادها إلي حد تقاسم مناطق النفوذ، فإنه من غير المستبعد أن يمتد القتال بين الجانبين إلي هذه المناطق.

ومع دخول أطراف إقليمية مؤثرة في المشهد الأفغاني، ممثلة في إيران وباكستان، ميدان دعم طالبان والقاعدة ضد”داعش“بشكل غير مباشر، فإن نجاح”داعش” في استخدام أفغانستان كقاعدة متطورة للتدريب والإمداد بالمقاتلين الأكفاء لجبهتي القتال الرئيسيتين للتنظيم في سوريا والعراق يبدو مهددا، لاسيما إذا ما تمكنت قيادات حركة طالبان من تجاوز خلافاتهم الداخلية، واستيعاب حجم التحديات التي تواجهها الحركة.

عن مجلة السياسة الدولية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق