العمل القسري خارج إطار التجريم في الأردن / أيمن هلسا

تعّرضت الأردن، كغيرها من الدول، إلى الإنتقاد من المنظمات الدولية لوجود العديد من حالات العمل الجبري بالإضافة إلى احتمالية وجود أشكال مختلفة من أوجه العبودية الحديثة مثل الإتجار بالبشر. فقد صنّف تقرير مؤشر العبودية العالمي للعام 2014الأردن في المرتبة 57 من أصل 167، الأمر الذي يعتبر تراجعاً ملموساً عن التقرير السابق الذي احتل فيه المرتبة 87. وأوضح التقرير أن عدد الأشخاص الذين يقعون ضحية أشكال العبودية الجديدة يصل إلى 31 ألفاً.

يعود الحديث عن العمل القسري (الجبري) إلى بدايات القرن المنصرم من خلال جهود منظمة العمل الدولية التي عكفت منذ نشأتها على الاهتمام بالحقوق العمالية ورفع الظلم عنهم على الصعيد الدولي. وكانت من ثمرات جهودها اعتماد الاتفاقية الخاصة بالسخرة والعمل القسري رقم 29 لسنة 1930.

عبارة العمل القسري ترتبط دائما باستغلال العمالة البسيطة المستضعفة من مثل العمالة المهاجرة، اللاجئين والعمالة المحلية غير المتعلمة والفقيرة. وفي غالب الأحيان، لا تستطيع هذه الفئة من العمال الدفاع عن حقوقها إما لجهلها أو عدم قدرتها لأسباب اقتصادية أو قانونية أو اجتماعية مختلفة. ولهذه الأسباب، وضعت الاتفاقيات الدولية المعنية بهذا الموضوع مجموعة من الالتزامات على عاتق الدول الأطراف بهدف محاربة هذه الظاهرة بطريقة فعالة، الأمر الذي يستتبع بالضرورة اتخاذ التدابير التشريعية والإدارية اللازمة بحسب ما جاء في هذه الاتفاقيات.

وسندا لأحكام المادة 2/1 من هذه الاتفاقية، يعرّف عمل السخرة أو العمل القسري بأنه “جميع الأعمال أو الخدمات التي تفرض عنوة علي أي شخص تحت التهديد بأي عقاب، والتي لا يكون هذا الشخص قد تطوع بأدائها بمحض اختياره”[1]. ويُلاحظ على التعريف السابق أن طبيعة العلاقة بين صاحب العمل والشخص الذي يُجبر على العمل لها أهمية خاصة، فينبغي مراعاة عنصرين أساسيين: أولهما، أن ما اغتُصب من عمل أو خدمة قد تم تحت التهديد بعقوبة، وثانياً، أن العمل تم بشكل غير طوعي.

نص الدستور الأردني خلال المادة 13 على حظر العمل الجبري إلا في حالات معينة تتماشى بطبيعة الحال مع الاتفاقيات الدولية.
التعديلات الدستورية التي تمت في العام 2011، عززت الحقوق والحريات الواردة في الفصل الثاني. فعلى سبيل المثال نصت المادة 7/2 على أن كل اعتداء على الحقوق والحريات العامة أو حرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة يعاقب عليها القانون. بمعنى أنه يتوجب على التشريعات الجزائية ان تجرّم العمل الجبري أو الإلزامي تفعيلا للنص الدستوري. كما تنص المادة 128/1 من الدستور على أنه لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها.

النصوص الدستورية السابقة تلزم المشرّع الأردني بسن القوانين الملائمة لحظر التشغيل الإلزامي واعتباره جريمة تعاقب عليها التشريعات الجزائية، لأن الأصل كل فعل مباح ما لم يأت نص يجرمه.
وبالرغم من ان قانون العمل لم ينص صراحة على عامل الرضائية عند تعريفه لعقد العمل، فإن نص المادة 76/ب اعتبرت من ضمن المخالفات العمالية استخدام أي عامل بصورة جبرية أو تحت التهديد أو بالاحتيال او بالإكراه بما في ذلك حجز وثيقة سفره[2]. هذه المادة تغطي أغلب أشكال العمل القسري. إلا ان التعريف الوارد في اتفاقية 1930 أوسع لأنه شمل “التهديد بأي عقاب”. كما أن النص اعتبر العمل الجبري نوعاً من أنواع المخالفات العمالية وليس جريمة بحسب ما نصت عليه الاتفاقية. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النص غير مطبق فعليا في الأردن[3]. وهذا أيضا يخالف نص المادة 9 من الاتفاقية التي اشترطت أن تكون العقوبات التي يفرضها القانون فعالة ويتم تنفيذها على أرض الواقع.
وبالرجوع إلى قانون منع الإتجار بالبشر الأردني، نجد أن المشرع جعل من الاستخدام القسري شكلا من أشكال الاستغلال وذلك في المادة 3/ب التي جاء فيها “لغايات الفقرة (أ) من هذه المادة تعني كلمة (استغلال) استغلال الأشخاص في العمل بالسخرة أو العمل قسرا أو الاسترقاق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء أو في الدعارة أو أي شكل من أشكال الاستغلال الجنسي، أي أن العمل القسري لا يعتبر جريمة مستقلة بحد ذاته، إلا أنه يمكن المعاقية عليه إذا اكتملت أركان جريمة الاتجار بالبشر بحسب التعريف الوارد في القانون.

من أهم أهداف القوانين الجزائية المحافظة على أمن وسلامة المجتمع وتوفير الحماية لحقوق الأفراد وحرياتهم. وعلى هذا الأساس يتم تجريم مجموعة من الأفعال مع بيان العقوبات المحددة لكل منها. وبالرغم من أن الدستور الأردني حظر العمل الجبري في المادة 13، الأمر الذي يستتبع اعتباره جريمة يعاقب عليها القانون سندا لأحكام المادة 7/2، إلا أنه لا يوجد نص في قانون العقوبات الأردني أو القوانين الجزائية الأخرى ما يفيد تجريم العمل القسري. كما ان الاتفاقيات الدولية التي تلزم الدول بتجريم بعض الأفعال، كما هو الحال بالنسبة للعمل الجبري، لا يمكن تطبيقها مباشرة سندا لمبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص حيث لا يجوز القياس في الجرائم. ومن المؤسف أن مشروع قانون العقوبات الحالي لم يتنبه إلى هذا الموضوع.
قصور القوانين الجزائية عن تجريم العمل الجبري لا يُشّكل فقط إخلالا بنصوص الدستور و انما مخالفة للاتفاقيات الدولية المعنية التي أوجبت على الدولة الطرف اعتبار العمل القسري جريمة من الجرائم الواقعة على الأشخاص لأنها تنال بالاعتداء أو تهدد بالخطر الحقوق اللصيقة بالإنسان. فالعمل الجبري جريمة لا تقل خطورة عن الإيذاء، سلب الحرية و الخطف.لذلك، من الضروري أن يكون هناك عقوبة لهذا الفعل تتماثل مع عقوبات الجرائم الأخرى لا ان يتم معاملتها على انها مخالفة عمالية جزاؤها غرامة مالية.

[1] توضح الفقرة الثانية من ذات المادة بان عبارة”عمل السخرة أو العمل القسري“، في مصطلح هذه الاتفاقية، لا تشمل: (أ) أي عمل أو خدمة تفرض بمقتضى قوانين الخدمة العسكرية الإلزامية لأداء عمل ذي صبغة عسكرية بحتة، (ب) أي عمل أو خدمة تشكل جزءا من واجبات المواطنين المدنية العادية في بلد يتمتع بالحكم الذاتي الكامل، (ج) أي عمل أو خدمة تفرض علي شخص ما بناء علي إدانة قضائية، شريطة أن ينفذ هذا العمل أو الخدمة في ظل إشراف وسيطرة سلطة عامة، وألا يؤجر هذا الشخص لأفراد أو شركات أو جمعيات خاصة أو يوضع تحت تصرفها، (د) أي عمل أو خدمة يفرض في حالات الطوارئ القاهرة، أي في حالة حرب أو في حالة نكبة أو خطر نكبة مثل الحرائق أو الفيضانات أو حالات المجاعة أو الزلازل، أو الأمراض الوبائية العنيفة التي تصيب البشر أو الحيوانات، أو غزوات الحيوانات أو الحشرات أو الآفات النباتية، وعموما أية حالة من شأنها أن تعرض للخطر بقاء أو رخاء السكان كلهم أو بعضهم، (هـ) الخدمات القروية العامة البسيطة التي يؤديها أعضاء المجتمع المحلي خدمة لمصلحته المباشرة، والتي يمكن تبعا لذلك أن تعتبر واجبات مدنية طبيعية تقع علي عاتق أعضاء هذا المجتمع، شريطة أن يكون لهم أو لممثليهم المباشرين حق إبداء الرأي في صحة الحاجة إلى هذه الخدمات”

[2] تم تعديل هذه المادة بموجب القانون المعدل رقم 48 لسنة 2008.

[3] US department of state, Trafficking in Persons Report, June 2014 TRAFFICKING IN PERSONS REPORT JUNE 2014, p 223.

عن موقع المفكرة القانونية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق