اللاَّجئون في مصر: جدليَّة الخصم/ الإضافة

لا يمكن تحديد العدد الفعليّ للاَّجئين وطالبي اللُّجوء الَّذين يعيشون بمصر لاسيَّما، إذ يتراوح هذا العدد وفق التَّقديرات المختلفة بين 500 ألف و3 ملايين شخص، ينتمون إلى ما يزيد على 40 دولة مختلفة، من أبرزها سوريا والعراق واليمن وليبيا والسُّودان بشمالها وجنوبها والصُّومال وإثيوبيا وإريتريا، فضلا عن بعض اللاَّجئين من أفغانستان وبوروندي وإيران وليبريا ورواندا وسيراليون واليمن والعديد من الدُّول الإفريقيَّة، وهناك من ناحية أخرى ما يقرب من 700 ألف فلسطيني ينتمي معظمهم إلى قطاع غزَّة والضّفة الغربيَّة ترك غالبيتهم فلسطين فى عامي 1948 و1967(1). ولكن وفقا لبيانات مفوضيَّة الأمم المتَّحدة السَّامية لشؤون اللاَّجئين في يوليو 2012، وصل العدد الرَّسميُّ للاَّجئين حوالي 44,670 من طالبي اللُّجوء واللاَّجئين معظمهم يعيش في القاهرة(2). 

 يتركَّز اللاَّجئون في أحياء بعينها بالقاهرة أهمُّها: عين شمس وتغلب عليها تجمُّعات من اللاَّجئين السُّودانيين لاسيَّما من جنوب السُّودان، مدينة نصر خاصَّة منطقة الكيلو 4 ونص ويقطن بها السُّودانيون والصوماليون. أمَّا مناطق الدقى، أرض اللّواء ، بولاق الدكرور فيقطنها لاجئون من إريتريا، إثيوبيا، إريتريا، السُّودان. فضلا عن مناطق مصر الجديدة ، العبَّاسيَّة، السّكاكيني، عرب المعادى حدائق المعادي ويتركَّز بها لاجئون من جنسيات مختلطة. في حين يتركَّز العراقيون بشكل أساسيّ في مدينة السَّادس من أكتوبر. وبالمثل يتركَّز اللاَّجئون السُّوريون في مدينة 6 أكتوبر خارج القاهرة، ومنطقتي الهرم، وفيصل، ومدينة العبور، ومدينة نصر، والرحاب، بالإضافة إلى عدد محدود بمدن الإسكندريَّة ودمياط وبورسعيد وبعض مدن الدلتا(3). 

ومن الملاحظ أنَّ الأحياء السَّكنيَّة الَّتى يقطنها اللاَّجئون تتنوَّع ما بين أحياء ذات مستوى اقتصاديّ/ اجتماعيّ مرتفع (كالدقى، المعادي)، وأحياء شعبيَّة مثل الكيلو أربعة ونص في مدينة نصر. ويعيش المصريون واللاَّجئون في بيئة مختلطة، حيث لا توجد جيوب خاصَّة باللاَّجئين، حتَّى في الأحياء ذات التركيزات العالية اللاَّجئين فغالبا ما تكون بها أغلبيَّة من الفقراء المصريين(4).

هناك العديد من الأسباب الَّتي تجعل مصر جهة مرغوب اللُّجوء إليها لعلَّ أهمَّها القرب الجغرافيُّ بينها وبين الدُّول الطَّاردة للاَّجئين، فضلا عن أنَّها توفّر فرصا للتوطين في بلد ثالث إمَّا من خلال برامج التَّوطين الَّتي تتيحها مفوضيَّة الأمم المتَّحدة لشؤون اللاَّجئين أو البرامج الخاصَّة ببعض البلدان من خلال سفاراتها في القاهرة ( مثل كندا وأستراليا والولايات المتَّحدة وفنلندا)(5). ومن أمثلة تلك البرامج إعلان الخارجيَّة الأمريكيَّة في العام 2008 عن برنامج موسَّع في مصر والأردن لإعادة توطين اللاَّجئين العراقيين المتواجدين في البلدين والتَّقدُّم بطلب لإعادة توطينهم ضمن برنامج “قبول اللاَّجئين” الأمريكي تحت رعاية منظَّمة الهجرة الدُّوليَّة، وبموجبه يمكن لللاَّجئين العراقيين الَّذين تنطبق عليهم الشُّروط من الذَّهاب إلى الولايات المتَّحدة للتوطين هناك دون الحاجة إلى توصية من مفوضيَّة الأمم المتَّحدة السَّامية لشؤون اللاَّجئين والسَّفارة الأمريكيَّة(6).

بصرف النَّظر عن المشكلات الَّتي يعانيها اللاَّجئون وطالبو اللُّجوء أثناء إقامتهم في مصر (على كثرتها وتنوُّعها)، فإن تزايد أعداد اللاَّجئين في مصر يثير العديد من علامات الاستفهام حول تأثيراتهم على المجتمع المصريّ من مختلف الأبعاد، لاسيّما في ظلّ التَّباين الواضح في تقدير هذه التَّأثيرات فهناك اتّجاه يرى أنَّ وجود اللاَّجئين بأعداد كبيرة في مصر لاسيَّما تلك الموجة الأخيرة قد ألقت بعبء كبير جدًّا على إمدادات المياه والتَّيَّار الكهربائيّ الَّتي تعاني أصلاً من كثافة الطَّلب وكذلك على قطاعي السَّكن والتَّعليم، لاسيَّما في ظلّ الصُّعوبات الاقتصاديَّة والأمنيَّة الَّتي تواجهها مصر منذ ثورة عام 2011(7).

وتؤكّد الآراء في هذا السّياق أنَّ خيار التَّوطين في بلد ثالث يعدُّ خيارا مرغوبا فيه من قبل الحكومة المصريَّة واللاَّجئين على حدّ سواء، لاسيَّما مع صعوبة اندماج بعض اللاَّجئين في المجتمع المصريّ، فضلا عن أنَّ عددا كبيرا من طالبي اللُّجوء الَّذين ترفض مفوضيَّة اللاَّجئين منحهم وضعية اللاَّجئ إلى مهاجرين غير شرعيين(8).

ولكن على الجانب الآخر، تشير بعض التَّحليلات إلى أنَّ تواجد اللاَّجئين فى مصر يعدُّ مصدرًا مهمًّا من مصادر دخول العملة الصَّعبة عن طريق التَّحويلات الخارجيَّة، كما أنَّ بعض أصحاب المشروعات التّجاريَّة مثل المطاعم والمقاهى يستخدمون اللاَّجئين للعمل فى هذه المشروعات، فمثلاً المطاعم الموجودة فى منطقة الكيلو 4.5 والَّتى تقدّم الوجبات الشَّعبيَّة التَّقليديَّة للاَّجئين السُّودانيين تستعين باللاَّجئين لخبرتهم ودرايتهم بهذه الخدمات. كما يؤكّد البعض على أنَّ معظم اللاَّجئين اللّيبيين الَّذين أحضروا معهم أموالهم كما أنَّ لديهم علاقات قرابة داخل مصر ولديهم أيضا أعمالهم المرتبطة بالجانب المصريّ وهو ما ساعدهم على الاستقرار في مصر سريعا(9).

وفي السّياق ذاته تشير بعض التَّقارير إلى أنَّ الاقتصاد المصريَّ شهد ضخَّ قدر كبير من الأموال الَّتي حوَّلها رجال أعمال سوريون هاربون من نظام بشار الأسد إلى مصر، حيث يتمُّ استثمارها في العقارات والبورصة والقطاع الصّناعيّ، كما يفضّل العديد من السُّوريين المشروعات الصَّغيرة والمتوسّطة وتجارة التَّجزئة كمجال لاستثمار أموالهم، فمعظم من ينتمون إلى الطَّبقة البرجوازيَّة في سوريا فضَّلوا اللُّجوء إلى مصر لسهولة إجراءات الدُّخول والخروج منها وسهولة الحصول على إقامة، بالإضافة إلى توافر الأيدي العاملة الرَّخيصة والطَّاقة. ويقدّر البعض الاستثمارات السُّوريَّة داخل مصر بما يتراوح بين 400-500 مليون دولار، في حين يقدرها آخرون بأكثر من ذلك، خاصّة أنَّ السُّوريين باتوا يتعاملون بغزارة مع البنوك المصريَّة من حيث الإيداعات وفتح الحسابات(10).

يأتي التَّباين في تقدير تأثيرات اللاَّجئين وطالبي اللُّجوء في المجتمع المصريّ متَّسقا مع التَّباين في رؤى الأدبيات النَّظريَّة ذات الصّلة، إذ يمكن التَّمييز بين اتّجاهين من التَّحليلات:

الاتّجاه الأوَّل:

يرى أن يكون للأعداد المتزايدة من اللاَّجئين انعكاسات عدَّة على الدَّولة المضيفة. فمن ناحية، يشكّل هذا العدد المتزايد ضغطًا على الموارد الَّتي هي بالأساس محدودة، بالإضافة إلى تأثيراته السَّلبيَّة على البيئة. ومن ناحية أخرى، يهدّد هؤلاء القادمون من بيئات ثقافيَّة واجتماعيَّة مختلفة –خاصَّة فى حالات الأعداد الكبيرة من اللاَّجئين- النّظام الثَّقافيَّ والقيميَّ السَّائد بالدَّولة المضيفة. والأخطر من هذا أنَّ مجمل الظُّروف الَّتي يعانيها هؤلاء اللاَّجئون وطالبو اللُّجوء تؤثّر على سلوكهم، إذ يتَّسم هؤلاء فى معظم الأحيان بالميل للعنف ومحاولة الدّفاع عن أنفسهم بشتَّى السُّبل، والتَّخوف من الآخرين، إذ تزداد عمليات العنف فى المخيّمات، خاصَّة أنَّه في بعض الأحيان يكون من بين هؤلاء الأفراد قادة عسكريين من دول المنشأ، يدخلون الدَّولة المضيفة فى صورة مدنيين، ويقومون بتجنيد اللاَّجئين فيما يعرف بـ“عسكرة المخيمات”. ومن ناحية ثالثة وهي النَّاحية الصّحيَّة، فإنَّ سفر هؤلاء الأفراد لمسافات طويلة، وفي ظروف غير صحيَّة، يجعلهم في معظم الأحيان يحملون أمراضا عدَّة وغير معروفة، ممَّا قد يساهم فى انتشار بعض الأمراض والأوبئة في الدَّولة المضيفة.

والأهمُّ هو الانعكاسات السّياسيَّة لوجود اللاَّجئين على دولة الملجأ وهو الأمر الَّذى من شأنه فى أحيان كثيرة التَّأثير على العلاقات بين دولة المنشأ والدَّولة المضيفة، ممَّا يجعل الأخيرة تقع فى إشكاليَّة التوفيق بين الاعتبارات السّياسيَّة والاعتبارات الإنسانيَّة. إذ ترفض بعض الدُّول استقبال لاجئين من دول بعينها خشية أن يؤثّر ذلك على علاقاتها بتلك الأخيرة، كما أنَّه فى بعض الأحيان يلجأ هؤلاء اللاَّجئون -بالتَّعاون مع بعض المواطنين المحلّيين- إلى الحصول على بطاقات هويَّة مزورة وبطاقات انتخابيَّة يتمُّ استخدامها من قبل بعض المرشحين فى الانتخابات للتَّأثير على نتائج الانتخابات. وهي كلُّها إشكالات خطيرة تجعل الدُّول المستقبلة للاَّجئين فى شدَّة الحذر قبل السَّماح باستقبال اللاَّجئين على أراضيها(11).

إجمالا، يؤكّد هذا الاتّجاه أنَّ اللاَّجئين يفرضون عبئا على مضيفيهم يتمثَّل في ترتيب تكاليف إضافيَّة على الموازنة العامَّة ومخصّصات الرفاه الاجتماعيّ، وإعاقة النُّمو الاقتصاديّ وإرباك الأسواق والتَّسبب في تدهور الأوضاع البيئيَّة ورفع مستوى التَّوتر في الدُّول المستضيفة الَّتي تكون أصلاً دولاً هشَّة متأثرة بالنّزاع(12).

الاتّجاه الثَّاني:

يرى أن يكون للاَّجئين وعمليات المعونة آثار إيجابيَّة على الاقتصادات المحليَّة؛ فاللاَّجئون يستأجرون الشُّقق، وعمَّال الإغاثة الدُّوليون والصُّحفيون والدُّبلوماسيون الَّذين يملكون قوَّة شرائيَّة أكبر يضخُّون الأموال في الفنادق والمطاعم، ووكالات المعونة تقوم بتعيين مئات الموظّفين المحليين في كلّ بلد من البلدان المجاورة(13). 

وفي سياق الاتّجاه ذاته يأتي رأي يؤكّد على ضرورة النَّظر إلى وجود تجمُّعات اللاَّجئين في المجتمع المضيف باستخدام منظور رأس المال الاجتماعيّ، الَّذي يوفّر إطارا هامًّا للنَّظر في تزايد أعداد المهاجرين كوسيلة للمجتمعات لتعزيز قاعدتها الاقتصاديَّة من خلال التَّركيز على تكوين رأس المال الاجتماعيّ، من خلال طرح الأسئلة حول بعض المهارات والخبرات الَّتي قد يجلبها اللاَّجئون والمهاجرين إلى المجتمعات المضيفة(14). كما قد يستفيد المجتمع المضيف من برامج المساعدات الَّتي تضمُّ مثلاً خدمات البنى التَّحتيَّة والرفاه الاجتماعيّ الَّتي تقدّمها الوكالات المستجيبة لحاجات اللاَّجئين(15).

وهذا ما تؤكّده أدبيات منظَّمة الأمم المتَّحدة، حيث تشير إلى أنَّ اللاَّجئين يأتون مع ما لديهم من معرفة ومهارات مؤهّلات وتجارب الحياة، وبالاضافة إلى هذا الرَّأسمال الاجتماعيّ، يتَّصل اللاَّجئون، بصفة متزايدة ، بمجتمعات الشَّتات في مناطق أخرى من العالم ويتلقون منهم مبالغ كبير من المال في صورة تحويلات. ومن ثمَّ ترى المفوَّضيَّة السَّامية للاَّجئين التَّابعة للأمم المتَّحدة أنَّه من الضَّروريّ الاستفادة من هذه الأصول، ودعم الجهود الَّتي يبذلها اللاَّجئون دائما لتوفير سبل العيش لأنفسهم وتمكينهم من الاعتماد على الذَّات، وهو ما يمكن اللاَّجئين من المساهمة في الحياة الاقتصاديَّة للبلدان والمجتمعات الَّتي يعيشون فيها، كما يقلّل من الحاجة إلى برامج الإغاثة الدُّوليَّة طويلة المدى والمكلفة. وهي تروج العمل المتبادل الإيجابيّ بين اللاَّجئين ومضيفيهم المحلّيين(16). 

الهامش:

1)    UNHCR Regional Office (RO) – Cairo: Egypt’s Refugee Population     2004

2)      Feinstein International Center. Refugee Livelihoods in Urban Areas: Identifying Program Opportunities. Case study Egypt. Feinstein International Center, Friedman School of Nutrition Science and Policy, Tufts University, Boston, USA. , 2012, p4

3)      Feinstein International Center. Refugee Livelihoods in Urban Areas: Identifying Program Opportunities. Case study Egypt. Feinstein International Center، Friedman School of Nutrition Science and Policy، Tufts University، Boston، USA. ، 2012. P4

4) Ib.Id

5) نرمين حسن ،“اللاَّجئون فى مصر.. مشكلة بلا حلّ”، المرجع السَّابق
6) “مسؤول أمريكي يعلن عن إعادة توطين اللاَّجئين العراقيين في الأردن ومصر بالولايات المتَّحدة”، موقع وكالة الأنباء الصينيَّة على شبكة الأنترنت، 28 فبراير 2008.
http://arabic.people.com.cn/31662/6362693.html
7) Ib.Ib.
8) نرمين حسن، المرجع السَّابق.
9) أحمد المقدامي، “نرصد خارطة توزيع اللاَّجئين وأعدادهم وأبرز مشاكلهم داخل مصر”، 19 نوفمبر 2012
http://rassd.com/cat-5.htm
10) وفاء بسيوني، “السُّوريون في مصر ..”أكتوبر“ملجأهم وأموالهم حائرة”، شبكة الإعلام العربيَّة (محيط)، 8 ديسمبر 2012
http://moheet.com/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9/

11) خديجة عرفة، قضايا اللاَّجئين فى العالم الإسلامي: بين الإعتبارات السّياسيَّة وغياب منظور للأمن الإنساني، شبكة النَّبأ المعلوماتيَّة- 6 مارس 2006.
http://www.annabaa.org/news/maqalat/writeres/index.htm
12) روجير زيتر، “اللاَّجئون: أهم عبء على الاقتصاد أم منفعة له؟” نشرة الهجرة القسريَّة، مركز دراسات اللاَّجئين بجامعة أكسفورد، ديسمبر 2012 
http://www.fmreview.org/ar/issues
13) “تكلفة إستضافة اللاَّجئين السُّوريين”، موقع شبكة الأنباء الإنسانيَّة (إيرين)، مكتب الأمم المتَّحدة لتنسيق الشُّؤون الإنسانيَّة (أوتشا)، 11 نوفمبر 2013
http://arabic.irinnews.org/printreport.aspx?reportid=3999

14) Turcotte, D. & Silka, L. 2003. Reflections on the Concept of Social Capital: Partnerships in Refugee and Immigrant Communities. Article in the Bridge Review (e-journal http://ecommunity.uml.edu ), Vol. IV

15) روجير زيتر، مرجع سابق.
16) “حالات اللاجئين طويلة الأمد” ورقة مناقشة لحوار المفوّض السَّامي بشأن تحدّيات الحماية، چنيڤ، ديسمبر 2008، ص ص 13-15.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق