تونس17 ديسمبر: البوعزيزي «مفرد بصيغة الجمع» / حسان حاجبي

العنوان هو الآتي: محمد البوعزيزي، 17 شارع ديسمبر مدينة سيدي بوزيد، الطقس شتائي، مطره يتساقط احياناً وحيناً يبعث الطمأنينة في سكان الجغرافيا الأولى إنتاجاً للخضروات في تونس. ينزل الصحافي محطة سيارات الأجرة، يستقل تاكسي. السائق رجل كهل في العقد الرابع من العمر يبادر ضيفه بالسؤال: «جئت توثّق المهرجان، هو حقيقة فرصتنا التي نريد عبرها أن نقول إن سيدي بوزيد ليست 17 ديسمبر بل المدينة المضيافة، ما بالكم تزوروننا فقط في مثل هذه الاحتفاليات؟». يجيبه الصحافي: «جئت مرات عدة والتقيت بالجميع وخاصة المحامين، أتذكرهم خالد عواينية وعصام حمدوني ومعز صالحي وغيرهم»، يصمت السائق ويجيبه: «محامو هذا البلد هم عمادها وهم سند المواطن وهم الأمان».

كانت 25 ديسمبر، التغيير الجذري في عمق الحراك الثوري التونسي انطلق حين خرج المحامون للشارع، يحملون لافتات العدالة الاجتماعية ومناهضة الدكتاتورية والقمع السياسي. عصام حمدوني محامٍ شاب، يصطفّ بين الجموع التي اختارت الوقوف تضامنا مع الحراك الاجتماعي في بلدته. ابتسامته تنبئ المواطن المارّ على الرصيف أن رجالات القانون يقفون سنداً للمطالب الشعبية. كانت سيدي بوزيد عبق المحاماة حين ترجّلوا في شارع الثورة. كانت القصبة والتجمّع البشري الأكبر في تاريخ تونس المعاصرة، الآلاف يطالبون بمجلس تأسيسي، لم يقف عصام مكتوف الأيدي بل رافق أبناء بلدته الى العاصمة وحاكاهم ثقافة قانونية واستبشر فرحاً حين فازت البلاد بإقرار انتخابات مجلس شعبي سيكتب قوانين جديدة لها.

17 ديسمبر من سنة 2011، جموع من العاصمة ومن سواحل البلاد ومن جنوبها هاجرت الى سيدي بوزيد، ومثيلتها في السنة الموالية ثم في السنة التي تلتها، كلها معلقات ذكريات يحتفظ بها المهرجان ويعرضها للقادمين الجدد. الافتتاح سيكون سباق عدوٍ ريفي، ينطلق من امام مقر محافظة المدينة ليصل الى قبر محمد البوعزيزي، هي مسابقة للشابات وللشبّان. الفكرة لم تكن اعتباطية هي وفاء لذكرى ركض الشهيد البوعزيزي من مكان عمله كبائع خضار الى مقر والي المحافظة قبل أن يشتعل تضحية للمعدمين وللمفقرين في سيدي بوزيد..

مهرجان 17 ديسمبر بسيدي بوزيد يذكّر بخير فلسطين ويقيم لها خيمة في أولى أيامه، تليها تظاهرة الأطفال المبدعين ومن ثمة حلقة نقاش لقوانين التمييز والكل غير متتابع، هو رفض للعنصرية وللإرهاب. انه الانسان في جميع أبعاده. الموسيقى لن تغيب، وجيل الجيلالة رفيقة درب طلاب الجامعة التونسية تحضر لتغنّي وليتفاعل معها الجميع، حضورها ليس الأول من نوعه بل هي رسمت تقاليدها في مركب 17 ديسمبري الشبابي. البرنامج لم يكن بالعمق الذي ينتظره الجميع، لكن الكل متفق أنه المناسبة المهمة للتعريف بتراث جهة انتفضت يوماً من أجل إنسانية الإنسان وكرامته ومن اجل العدالة الاجتماعية والتي مازالت تبحث عن صفتها في متغيّرات عالمية صعبة.

كان البدء المحامي الشاب عصام حمدوني وكان المنتهى جائزة نوبل للسلام للرباعي الراعي للحوار. هم المحامون كانوا الأمان للمواطن أثناء حراكه وكانوا جزءاً لا يتجزأ من الرباعي الحاصل على الجائزة.

«للوطن محامٍ يحميه» يقولها هشام حجلاوي ناشط مجتمع مدني، حتى ان يذكرنا بعصام حمدوني كشخصية ربما تظهر للجميع خفية لكنه المواطن الذي اختار أن يدافع عن خيارات الانسان ويرافق المثقف والفنان وحتى عابر السبيل ويرسم لهم طريق الإنجاز.

عصام حمدوني هو مثل جيله يناشد المعرفة والثقافة كخيار أمثل للنهوض بالمجتمع في اطار ثقافة تربوية تحترم تراث البلد وتكتب لآفاق علمية ملتزمة بالوطنية وبحب الناس والانضباط لحقوق الإنسان ومقولاته الكونية.

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق