كتاب: العنف والسلوك المتمدّن..رؤى الفلسفة السياسية

هناك الكثير من الأحداث التي يعرفها العالم الذي نعيش فيه وتصبّ كلّها في تأكيد أن العنف، وبأشكاله الأكثر تطرّفاً في بعض الأحيان، يبرز أكثر فأكثر في المشهد القائم. وهذه الظاهرة تحظى باهتمام العديد من رجال الفكر والسياسة وتجد صداها في سلسلة من الكتب التي صدرت خلال السنوات الأخيرة.

ولعلّ من أبرز المفكرين والباحثين في مجال الفلسفة السياسية المعاصرين حول العلاقة بين «العنف» و«المدنية» في السياق العالمي المعاصر الفيلسوف الفرنسي «اتيين باليبار» ــ أحد الورثة الأساسيين للفيلسوف الفرنسي الراحل المعروف عالميا «لويس التوسير» ــ والأستاذ اليوم في جامعة كولومبيا الأميركية.

وهذه الجامعة أعادت قبل فترة وجيزة إصدار كتاب «باليبار» الذي يحمل عنوان «العنف والسلوك المتمدّن» بعد إثرائه من قبل المؤلف نظرا لراهنيته.

جذور العنف

تجدر الإشارة بداية أن المؤلف يهدي هذا العمل إلى فيلسوف فرنسي رحل عام 2004 عمل لسنوات في الولايات المتحدة ويحظى بشهرة عالمية كبيرة هو «جاك ديريدا». يعالج «باليبار» في هذا الكتاب ما يعتبره «جذور العنف» التي تجد بعض تبدياتها في مختلف الحركات السياسية «الطوباوية» التي تسعى إلى «حذف» ما يعترض مسيرتها.

ويسأل المؤلف: «ما هو العنف؟».

إنه لا يجد إجابة كاملة شاملة. ذلك أن هناك «العديد من أشكاله» التي تتراوح بين إظهار «ازدراء الآخر» وحتى «القيام بمجازر جماعية» ومروراً بالتمييز العنصري والاضطهاد والتعذيب والاغتيالات وعمليات القتل الجماعي الأعمى. وفي كل الحالات يبقى أكثر أشكال العنف تطرّفاً هو ذلك «العنف الجسدي» الذي يستهدف الإنسان بأول حقوقه وهو حق الحياة.

رؤى متطرّفة

ويميّز «اتيين باليبار» بين نموذجين ــ صيغتين ــ من هذا العنف المتطرّف. يكتب: «النموذج الأول للدعوة للقسوة المفرطة يكمن في معاملة جمهور الكائنات البشرية على أنهم أشياء أو بقايا غير مفيدة. أمّا النموذج الثاني فإنه يرى في الأفراد والمجموعات البشرية تجسيداً للشر والسلطات الشيطانية التي تهدد الإنسان من داخله والتي تنبغي إزالتها بكل تعبيراتها».

ويذهب المؤلف أبعد في نفس النهج من التحليل ليشير أن الأمر يصل لدى النموذج الأوّل من ممارسة العنف في بعض الرؤى المتطرّفة إلى اعتبار البشر الآخرين مجرّد «سلع غير مفيدة» و«لا دور لهم»، وبالتالي هم «نفايات تستحق أن ترمى» على غرار مختلف السلع التي تلاقي نفس المصير.

نماذج متطرفة

أمّا النموذج الثاني فيذهـــب في بعض نسخه المـــتطرّفة إلى حد النظر إلى الخصوم على أنهم بمثابة «وباء» يمكن أن يهدد المجــموعة التي تحيط به أو على الأقل أن يؤدي إلى إضعافها. من هنا يتم القول بضرورة القضاء على الوباء. وبكل الحالات يؤكّد المؤلف على أن أشكال العنف تتداخل فيما بينها لتشكّل نمطاً من السلوك القائم على إقصاء من لا يفكّر بنفس الطريقة.

ويحدد «اتيين بالابار» القول إن المهمة الرئيسية الأكثر إلحاحاً التي ينبغي العمل على إنجازها تتمثّل في الإجابة عن السؤال التالي: كيف يمكن مواجهة مثل هذا العنف؟. هنا يتمّ التأكيد على مجموعة مقولات في مقدّمتها أنه لا يمكن التخلّص من العنف عبر تبنّي سياسة «اللاعنف» التي لا تعترف أن العنف يمثّل باستمرار «مصدر تهديد».

مفهوم «اللاعنف»

ويرى باليبار أن مفهوم «اللاعنف» يعبر في صميمه عن «مفهوم طوباوي» ليس له ترجمة ملموسة على أرض الواقع العملي. مع تحديد القول إن هذا ينطبق على بعض الأمثلة الأكثر شهرة في التاريخ الإنساني الحديث وفي مقدّمتها مثالي المهاتما غاندي» في الهند و«مارتن لوثر كينغ»، في الولايات المتحدة الأميركية، صاحب دعوة الحصول على حقوق السود عبر «النضال البعيد عن العنف».

هذا مع الإشارة أن القادة المعنيين الذين أرادوا تحقيق أهداف سياسية عبر «اللاعنف» كانوا يدركون جيداً أن عملهم كان يرمي إلى «تجنّب إغراء اللجوء إلى العنف» عبر فرض نوع من «الانضباط الصارم» في عالم يعاني من الانقسام الحقيقي على قاعدة الاختلاف وما يخلق ذلك من ميل للعنف.

وفي نفس السياق يشرح المؤلف أنه لا يمكن مواجهة العنف بتبنّي «سياسة العنف المضاد» . بتعبير آخر لا يمكن إنهاء العنف عبر تبنّي «الوسائل العنيفة ذاتها». ذلك أن الأمر يعني عندها محاولة الرد على نتائج الظاهرة وليس التعرّض لمحاولة فهم أسبابها وبالتالي معالجة المشكلة من «المنبع» وليس عند«المصب». ذلك أن العنف يستهدف في نهاية المطاف التفكير الحر ومستقبل السياسة كلّها ومختلف مفاهيم المواطنة على الصعيدين المحلّي والعالمي.

وتحديد القول أن تبنّي مثل هذه الإستراتيجية يعني «قلب اتجاه العنف» ومما ستكون نتيجته إعادة إنتاج نفس نمط القسوة التي كانت نقطة الانطلاق بالأساس هي بالتحديد الرد عليها ومواجهتها.

سياق مُعاصر

وفي مواجهة مختلف أشكال العنف التي تأخد الاهتمام الأساسي في تحليلات هذا الكتاب يحدد «اتيين باليبار» إنه من الأجدى في السياق المعاصر الذي نعيش فيه تبنّي سياسة تبتعد في جوهرها عن العنف، دون الدخول في منطـــق نفي وجوده، وتقوم على احترام الآخر بما هو عليه من اختلاف. هذه السياسة المطـــلوبة يجد التعبير عنها في مقــــولة «الســـلوك الإنســاني اللطيف».

وهذه السياسة «المناهضة للعنف» والتي ترسم مقاربة لكيفية الوصول إلى تبنّي «السلوك الإنساني» والمحافظة عليه تحتوي في جوهرها، كما يرسم «اتيين باليبار » معالمها، على الالتزام برفض جميع أشكال «التطهير العرقي» ومكافحة الفقر والتمييز العنصري وغير ذلك من مظاهر العنف ومصادره.

عن جريدة البيان
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق