هل يُغير «داعش» استراتيجيته؟ / وحيد عبد المجيد

أسئلة كثيرة ما زالت تبحث عن إجابة منذ هجمات 13 نوفمبر الإرهابية في باريس، وخاصة بعد عمليتي كاليفورنيا وعدن في الثالث والسادس من ديسمبر الجاري. فهل يغير تنظيم «داعش» استراتيجيته القائمة على «التمكين» وإقامة «دولة إسلامية» في حالة استمرار التراجع الذي يتعرض له في معاقله الأساسية وفقدانه ثلث مساحة «دولته» المزعومة وفق آخر تقدير أميركي معلن الأسبوع الماضي؟ وهل يتجه تحت ضغط هذا التراجع، وما يترتب عليه من تغيير في ميزان القوى على الأرض، إلى انتهاج استراتيجية «النكاية» التي يتبعها تنظيم «القاعدة» منذ تأسيسه؟ وهل يقود هذا التحول إلى ازدياد العمليات الإرهابية الكبيرة في الدول الغربية، بعد أن قلت خلال الأعوام الأخيرة نتيجة الضعف الذي أصاب «القاعدة»، وبسبب عدم إعطاء «داعش» أولوية لها؟

لقد اتبع تنظيم «داعش» استراتيجية تهدف إلى استغلال تدهور الأوضاع في العراق منذ أن أظهرت حكومته السابقة برئاسة نوري المالكي وجهها المذهبي المتعصب، وظهر مدى خضوعها للهيمنة الإيرانية، ثم في سوريا منذ أن نجح نظام بشار الأسد في دفع الانتفاضة السلمية ضده، نحو العسكرة وإغراقها في محيط من الإرهاب.

وأتاحت هذه الظروف لقيادة تنظيم «داعش» فرصة نادرة للتحرك من أجل إقامة كيانه انطلاقاً من منطقة يسيطر عليها ويتمركز فيها ويتمدد حولها وفق مفهوم «التمكين»، وهذا ما فعله منذ أن سيطر على محافظتي الرقة والحسكة ومساحات كبيرة في محافظة دير الزور في سوريا، وعلى جزء من الأنبار ومناطق أخرى في العراق، قبل أن يتمدد في محافظتي الرمادي وصلاح الدين وصولاً إلى ديالي بالتوازي مع توسعه في مناطق متفرقة في سوريا.

وكان اهتمام «داعش» منصباً، قبل أن يفقد بعض هذه المناطق في الشهور الأخيرة، على تأكيد شعاره القائل «الدولة الإسلامية باقية وتتمدد»، ومحاولة بناء ركائز لهذه «الدولة». لذلك لم يثبت أن لقيادته علاقة مباشرة بأي من العمليات «الخارجية» التي نفذها من أعلنوا انتماءهم إليه في مواقع عدة خارج سوريا والعراق، باستثناء التفجيرات التي حدثت في لبنان بهدف إحراج «حزب الله» الذي أصبح طرفاً مباشراً في الحرب الدائرة في سوريا، وفي بضع بلاد عربية أخرى مثل ليبيا واليمن ومصر تدخل عمليات أتباع «داعش» هناك ضمن محاولات السيطرة على مساحات من الأرض رغم صعوبة ذلك. أما عملية باريس التي استهدفت مجلة «شارل إيبدو» في يناير 2015، فكان منفذاها الرئيسان (الأخوان كوارشي) من أتباع «القاعدة» وليس «داعش»، وهذا جزء أساسي من الخلاف بين تنظيمي «داعش» و«القاعدة». فلم يكن بإمكان قيادة «القاعدة» أن تفكر في استراتيجية «التمكين»، أو تسعى لإقامة «دولة إسلامية» أو «خلافة»، لأن الظروف اضطرتها للعمل انطلاقاً من أفغانستان. وكانت حركة «طالبان» قد أعلنت أفغانستان «إمارة إسلامية» قبل أن تستضيف قيادة «القاعدة» فيها، وتتيح لها إقامة قاعدة ارتكاز للتنسيق بين أتباعها ومن يريدون الالتحاق بها.

لذلك كان طبيعياً أن يختلف طريقا تنظيمي «داعش» و«القاعدة» منذ الصدام الذي حدث بينهما فور إعلان تأسيس الأول، بسبب سعي زعيمه (البغدادي) إلى إلحاق «جبهة النصرة» في سوريا به، وانحياز الظواهري لقيادة «النصرة» حين رفضت ذلك.

وليس هذا هو الخلاف الوحيد بين التنظيمين اللذين ما برحا متنافسين، فقد اتخذ «داعش» نهجاً أكثر عملية (براجماتية) وأقل اهتماماً بالتأصيل النظري، واتبع أساليب أشد قسوة وغلظة ونقل إدارة التوحش إلى مرحلة أبعد، كما تميز بقدرة كبيرة على استخدام الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

غير أن هذه الفروق كلها تظل أقل أهمية في المحصلة مقارنة بالاختلاف الذي صنعته ظروف أتاحت لـ«داعش» انتهاج سياسة «التمكين» وليست «النكاية»، فإذا تحول «داعش» في الاتجاه الذي انتهجته «القاعدة»، سيكون هذا تغيراً جوهرياً في مسار الإرهاب العالمي، خاصة في ظل ما يملكه هذا التنظيم من إمكانات بشرية وقدرات لوجستية لم تتوفر لـ«القاعدة» في ذروة تصدره المشهد الإرهابي في العقد الماضي. لذلك ينبغي أن تكون احتمالات حدوث مثل هذا التحول، وتداعياته، في مقدمة اهتمام المتخصصين في شؤون حركات العنف الآن.

 
عن جريدة الاتحاد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق