المشهد السياسي الفرنسي: من الثنائية إلى التثليث / حسن شامي

الاهـــتمام بانــتــخابات مجــالس المناطق في فرنــــسا، وبــنــتــائجها خـصوصاً، يتعدى الشغف أو الفـــضول المعـــرفي المتعلقين بترسيمة القوى السياسية على خريطة محلية – وطنية. يعود هذا الاهتمام بالأحرى إلى ارتسام العلاقة بين «داخل» و «خارج» مفترضين في صلب العملية الانتخابية.
في الوقائع أسفرت الانتخابات ذات الطابع المحلي عن حصول اليمين التقليدي على سبع مناطق فيما حصل تحالف اليسار الذي قاده الحزب الاشتراكي على خمس مناطق. ولم يحصل حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف على أي منطقة على رغم تقدمه الكاسح في انتخابات الدورة الأولى واعتقاده بإمكانية سيطرته على ثلاث مناطق في الدورة الثانية والمناطق التي حقق فيها اليمين المتطرف نسبة تأييد فاقت، في منطقتين على الأقل، الأربعين في المئة.
في الوقائع أيضاً أن نسبة الاقتراع في الدورة الثانية ازدادت بمقدار عشرة في المئة عن الدورة الأولى وعن الانتخابات المحلية السابقة. وارتفاع نسبة المشاركة ينم عن شعور تململ لدى قطاعات من الناخبين، استوجب درء الأخطار التي انطوت عليها نتائج الدورة الأولى. في خلفية هذا الإقبال على صناديق الاقتراع، لدى فئات اعتادت على الاستنكاف والتضجّر من الطبقة السياسية الحاكمة، يكمن إحساس طارئ بأن ثمة لعباً بالنار. واستفاقت في مخيلة كثيرين، وفي أدبيات إعلامية تحريضية، أشباح ذكريات وصول الفاشيات الأوروبية، والحزب النازي خصوصاً، إلى السلطة من طريق الانتخابات في الثلاثينات وما تلاها من حرب عالمية ثانية ورهيبة.
لكن قطع الطريق على حظوظ فوز الحزب اليميني المتطرف بمنطقتين أو ثلاث يعود إلى المناورة الانتخابية التي لجأ إليها الحزب الاشتراكي والقاضية بالانسحاب لمصلحة المرشح اليميني التقليدي ولو أدى ذلك إلى حرمان الاشتراكيين من التمثيل في المجالس المحلية وفق نسبة تمثيلهم. ومع أن هذه المناورة الانتخابية أحدثت تململاً في أوساط الاشتراكيين، إلى حد أن بعض مرشحيهم رفض الانصياع لتعليمات القيادة، فإنها بدت لكثيرين ضرباً من التضحية الجديرة بالاحترام.
على هذا النحو بدا الاشتراكيون أكثر أخلاقية من خصمهم التقليدي المتمثل بحزب الجمهوريين الذي يقوده نيكولا ساركوزي الطامح بالتأكيد إلى الرئاسة في الانتخابات المقبلة، بعد سنة ونصف سنة. تعليمات ساركوزي لمرشحي اليمين وناخبيه اختصرت في لاءين: لا للجبهة الوطنية ولا للاشتراكيين، ما تسبب بتصدعات داخل صفوف الحزب المذكور.
ومن المبكر ربما بناء استخلاصات على تعبيرات التململ المتزايدة في أوساط اليمين التقليدي ذي التلوينات والتنويعات المتعددة. في المقابل يمكن توقع أن تسخن حرارة التنافسات داخل حزب الجمهوريين، ويمكن حصول مفاجآت في الانتخابات الأولية الداخلية التي يفترض أن تحدد هوية المرشح اليميني لرئاسة الجمهورية.
الخلاصة الكبرى التي يمكن التوصل إليها هي نهاية الثنائية القطبية التقليدية التي وسمت الحياة السياسية الفرنسية منذ أربعة عقود تقريباً وفي أقل تقدير. الثنائية هذه رسمت خطاً فاصلاً بين محور يميني يتزعمه الحزب الديغولي وتحديثاته المتعارضة أحياناً مع الإرث التاريخي للديغولية في الداخل والخارج، ومحور يساري يتصدره الحزب الاشتراكي الذي يتعرض دورياً لخضّات وتصدعات تتوالد داخله وعلى هوامشه وداخل حلقات حلفائه من «البيئيين الخضر» أو في جبهة اليسار التي تضم ما تبقى من الحزب الشيوعي الفرنسي.
وفي هذا الإطار أيضاً تحصل الخضّات على خلفية نزاع تأويلي على إرث الفكرة اليسارية واتهام الاتجاه الغالب في الحزب الاشتراكي بالولوغ في لعبة السوق ومنطق اشتغاله وفق الترسيمة النيوليبرالية، ما يجعل التحالفات ظرفية وسلبية إذ تهدف في اللحظات الانتخابية الحرجة إلى قطع الطريق على اليمين التقليدي.
هذه الثنائية أخذت تتداعى فيما يتعاظم الاتجاه نحو «تثليث» اللعبة والمشهد السياسيين. ما عاد هناك شك في أن الحياة السياسية الفرنسية باتت مثلثة الأضلاع والأقطاب، تتوزع بين يسار ويمين وحزب الجبهة الوطنية الذي يبني رصيده على اتهام الطبقة الحاكمة ونخبها الموزعة بين اليمين واليسار بتبديد الإرث القومي لفرنسا وهويتها الجوهرية، المصفّاة والناصعة بطبيعة الحال. والكلام عن الإرث يقودنا إلى أحد أبرز العوامل في ازدياد شعبية اليمين المتطرف، ونقصد تخلص مارين لوبين، زعيمة الحزب الشعبوي والقومجي، من إرث الأب المؤسس جان – ماري لوبين صاحب التصريحات النارية المثيرة للجدل. وإبعاد الأب عن الحزب جاء في سياق عملية ترشيق لأداء القيادة الحزبية والرد على إستراتيجيات الخصوم بإستراتيجية مشابهة. فمن المعلوم ان استراتيجية ساركوزي الانتخابية قامت ولا تزال على مغازلة قواعد حزب الجبهة الوطنية واجتذاب ناخبيه. ما فعلته مارين لوبين هو بالضبط رد البضاعة إلى أصحابها، وقلب السحر على الساحر، أي مغازلة قواعد اليمين التقليدي بعد أن أدخل نفسه في التباس مدروس.
تثليث اللعبة السياسية ليـــس جـــديـــــداً. فـــفــي الخمسينات والستينات شكّل الحزب الشيـــوعي الفــــرنـــــسي قطبية ثالثة بقي وزنها السوسيولوجي والفكري أكبر بكثير من وزنها في لعبة السلطة. لكننا لن نخوض الآن في تحليل هذه المفارقة التي أملتها مخاوف الحزب على نفسه وعلى المجتمع الوطني في حال وصوله، الإشكالي بالضرورة، إلى السلطة. معلوم أن حزب الجبهة الوطنية حصد القواعد العمالية والشبابية التي كانت تنجذب قبل عقود إلى الشيوعيين. وليس من قبيل المصادفة أن يحقق اليمين المتطرف أعلى نسبة تأييد انتخابي في ثلاث مناطق حدودية مع إيطاليا وألمانيا في البر وإنكلترا في البحر. مسألة الداخل والخارج، والعلاقة بين المحلي والوطني تقع في هذا النطاق. واليمين القومجي المتطرف هو من يشوّش الحدود بين هذه الأنصبة ويجعلها عائمة. وليس المقصود بالخارج أوروبا أو مفاعيل العولمة فحسب بل كل ما يشذ، في عرف إيديولوجيات الانكفاء على داخل قومي عريق ونقي، عن الهوية الوطنية المستندة إلى مواصفات عرقية وإلى إرث ثقافي متعلق بنمط العيش.
في هذا السياق يأتي استهداف بيئات المهاجرين والتركيز عليها كبؤرة مشاكل تحتاج إلى علاج جذري. أبناء الهجرة ليسوا سوى متسللين وغزاة خارجيين إلى الداخل. تلك هي الصورة الإجمالية للخطر على الصفاء القومي. وليس صحيحاً أن المقتلة الرهيبة التي نفذها جهاديون فرنسيون منحدرون من الهجرة، هي السبب في صعود اليمين المتطرف.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق