تظاهرة بمتظاهر وحيد! / شوقي بزيع

لم أكن أحتاج إلى الخبر الغامض الذي قرأته على شبكة التواصل الاجتماعي حول تظاهرة مؤازرة لصوت فيروز، لكي أنتصر لسيدة العطايا التي هبطت من الفردوس لتنقِّي أرواحنا الملوثة من السموم وتعيدنا إلى صفاء الينابيع. وحين تلقيت من إحدى الصديقات ما يؤكد خبر المسيرة التي ستنطلق، عصر الرابعة من السبت الفائت، من أمام كنيسة القنطاري، التي اعتادت شاعرة الصوت على رفد مذبحها الإلهي بباقة من التراتيل، وصولاً إلى وزارة الإعلام، عقدت العزم على الانضمام إلى المسيرة المرتقبة دون إبطاء. ورغم أن المطر كان يهطل غزيراً على بيروت فقد قررت أن أقطع المسافة الفاصلة بين منزلي في رأس بيروت وبين مكان التجمع سائراً على قدمي. ذلك أن مقام صوتها القدوس لا يصح بلوغه بغير مشقّات الجسد، الطائف عند المسلمين بين الصفا والمروة، والطائف عند المسيحيين على طريق الملاك المبشّر بميلاد المسيح.

على طريق الكنيسة الطويل لم يكفّ المطر عن الهطول. ومع ذلك فلم يكن يعوزني لبلوغ الهدف أي شيء، حيث كفاني رجع أغنياتها الساحرة كل ما أحتاجه من مؤونة. فالمظلة التي رفعتها في وجه المطر بدت مصنوعة من حنين العشاق إلى المواعيد التي تنتظرهم شتاءاتها عند مفارق الطرق. وكان البخار المتجمع فوق زجاج مقاهي الرصيف يحوِّل الجالسين خلفه إلى سديم من الثنائيات المقتطعة من حليِّ الزمان المذوَّب في هتافها الراعف. أما البرق الذي لم يكفّ أبداً عن الوميض فقد أعادني عشرين عاماً إلى الوراء، حين أضاء لي الهوامات الأولى لقصيدتي عنها، والتي أعطيتها يومها عنوان «صوتها ضمة برق فوق نيسان». صحيح أن برق كانون كان أكثر ضراوة من بروق صوتها الربيعي، ولكن للمجاز تأويلاته التي تحلق فوق الأزمنة، وهي التي دعتنا جميعاً للاختباء من طريق الأعمار، والتطلع من خلف ظهر الحياة إلى طفولاتنا التي لا تعرف الذبول. وفي لحظة ما شعرت بأن الحياة تقلد الفن وتبحث من خلاله عن ظهير لإقامتنا القصيرة على سطح هذا الكوكب.

وصلت إلى باحة الكنيسة ولم يكن هناك من أحد سواي. غير أن وجود ثلة من رجال الأمن على مدخلها، إضافة إلى سيارة لمخابرات الجيش، جعلني أتيقّن من أنني لست الشخص الوحيد الذي تلقف تلك الدعوة الملتبسة إلى التظاهر. تبادلنا، رجال الأمن وأنا، شعوراً بالحرج إزاء ذلك المشهد السوريالي غير المتكافئ بين الطرفين. إذ كانت التظاهرة وقفاً على متظاهر واحد لا تحتاج حراسته إلى كل هذه البنادق. لم يطلب أحد من رجال الأمن بطاقة هويتي، إشفاقاً على ما أنا فيه من الشعور باليتم أمام فراغ الساحة من المدعوّين، فيما همس لي أحدهم بأنه كان يتمنى أن يخلع بزته الرسمية لينضم إليّ في المطالبة برفع صوت السيدة عن أكوام النفايات التي تفيض عن شوارع المدينة لتخترق العمق المازوشي لعقول المتطاولين على رمزها الأيقوني.

لنصف ساعة من الزمن مكثت وحيداً في الساحة. لحظة ذاك عادت بي الذاكرة أكثر من أربعين سنة إلى الوراء، حيث كنت طالباً على مقاعد الدراسة في كلية التربية التابعة للجامعة اللبنانية. يومها كنت أقف بين الحشود التي التهبت حناجرها بالصراخ دفاعاً عما اعتبرناه حق المقاومة الفلسطينية في حماية فلسطين من الضياع الكامل. وفي خضم المواجهة مع هراوات السلطة وخراطيم مياهها المصوّبة نحونا، تناهى إلى قوى الأمن خبر تظاهرة عارمة قادمة من جهة الجامعة العربية في بيروت. وفيما انكفأ بعض هذه القوى لمواجهة الموقف الطارئ، واتجهت عشرات الدروع لمنع القادمين من اختراق صفوفها، لم يصل من الشرق سوى متظاهر واحد يردّد الهتاف الشهير «يا حرية» بحنجرة شبه بحّاء، قبل أن يسقط مجهداً ومدمّى تحت الهراوات التي انهالت عليه من كل جانب.

لا أعرف بعد كل تلك السنوات شيئاً عن مصير ذلك الشاب الذي جمعني به التباس مشابه في الموقف، لكن الفارق كان واضحاً بين نصيبه من سياط رجال الأمن ونصيبي من دماثتهم. ومع ذلك فلن تفوتني الإشارة إلى أنني كنت أوفر حظاً منه، ليس فقط بسبب الرعاية التي أحاطني بها أبناء أولئك الرجال أو أحفادهم، بل بسبب الدفء الإضافي الذي أمدّني به الوصول المفاجئ لكل من لينا هويان الحسن ونوال الحوار ولينا حدشيتي إلى الساحة. أما سعدى صعب فكان لوصولها إلى هناك مذاق مختلف وقيمة مضافة، لأنها كانت تحمل الإسم نفسه لوالدة عاصي ومنصور الرحباني. وتحت مظلات الأغنية الفيروزية ذهبنا إلى مقهى الكوستا لاحتساء القهوة، غير آبهين بهطول المطر. ووسط ذلك الحضور الأنثوي الباذخ الذي عصمني من الوحشة لم يكن عليَّ، هذه المرة على الأقل، أن أردد مع فيروز تحت زخات المطر الكانوني «وأنا بإيام الشتي/ ما حدا نطرني».

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق