كيف نكافح الظَّلاميين؟

رغم الخسائر العسكريَّة والماليَّة والبنيويَّة الَّتي تكبَّدتها منظمة داعش في الفترة الأخيرة إلاَّ أنَّ عقيدتها ما تزال تلقى رواجًا بين بعض شباب المسلمين خارج المناطق الَّتي تحتلُّها، سواء في دول الشَّرق أو حتَّى في الغرب. لكن ما الَّذي يجتذب هؤلاء الشَّباب إلى داعش؟ 

تنبغي دراسة ظاهرة العنف الإسلاميّ (أو الإرهاب الإسلاميّ كما يدَّعى في الغرب) برؤية متحرّرة وبعيدًا عن القولبة المسبقة، ذلك لأنَّها ليست نتاجًا لعامل محدَّد، وإنَّما لعوامل عديدة ومختلفة؛ ويكفي أنَّ المنخرطين في هذه الظَّاهرة هم من بلدان شتَّى ومجتمعات مختلفة عن بعضها ثقافيًّا وحضاريًّا وبالتَّالي فلا علميةَ في إدراج كلّ الظَّاهرة تحت تنميط جاهز أو تفسير جامع. 

صحيح أنَّ للواقع الاجتماعيّ دورا في نشوء الميول العنفية، ولكن في حالة التَّطرف الاسلاميّ بالذَّات فإن العامل العقائديَّ له دور رئيسيٌّ سواء في التَّأسيس أو في إدامة الزَّخم أو في الانتشار. في أوروبا يحلو لليسار وأحزاب الاشتراكيَّة الدّيمقراطيَّة أن يربطوا الانتماء لداعش بالظُّروف الاجتماعيَّة للمسلمين في هذه القارَّة: الفقر والعنصريَّة والإسلاموفوبيا والإقصاء والبطالة. لكن هذه الحجَّة دحضتها نماذج ووقائع كثيرة مثل القدرات الماليَّة لقادة المنظَّمات المسلَّحة الاسلاميَّة وللعناصر المقاتلة، وثراء الدَّاعمين الماليين لهذه المنظَّمات، وانتماء نسبة كبيرة من الجمهور المؤيّد لهذه المنظَّمات إلى الطبقة المستريحة. كما دحضت هذه النَّماذجُ والوقائعُ التَّفسيرَ “الطبقيَّ” اليساريَّ الجاهز للتَّطرف الاسلاميّ في بلدان الشَّرق أيضًا. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ التَّفسير اليساريَّ، سواء في الغرب وفي الشَّرق، يؤكّد – من حيث لا يدري – النَّظرة “البورجوازيَّة” للفقراء بوصفهم حاقدين وشريرين بطبيعتهم، وللفقر بوصفه منتجًا للانحراف! فهذا التَّفسير يجعل انخراط المهمَّشين في منظَّمات التَّطرف الاسلاميّ أمرًا مسلَّمًا به، متناسيًا أنَّ الفقر والظُّلم الاجتماعيَّ يمكن أن يكونا – كما حصل مرَّات كثيرة جدًّا من قبل – أساسًا لوعيّ سياسيّ مثلاً، أو لحراك إجتماعيّ أو لتنظيم شعبيّ بهذه الصّيغة أو تلك، وليس شرطًا أن يكونا دافعًا لحركة رجعيَّة أو لتيَّار ظلاميّ. وبذلك يُخضِع هذا التَّفسير – وكعادة اليسار – الظلمَ في المجتمع، والمنتجات الفكريَّةَ لهذا الظُّلم، لمَسْطرة أيديولوجيَّة. إنَّ التَّغيرات الفكريَّة الَّتي يمكن أن يتسبَّب فيها الظُّلم في المجتمع تعتمد على عوامل مختلفة، يتعلَّق بعضها بطبيعة المجتمع نفسه وهويَّته، وبعضها الآخر تفرضه تغيُّرات الواقع المعاش في مرحلة معيَّنة، وما يتبعها من تغيّرات في القيم وفي الفكر. 

ثمَّة حالة بالغة الخصوصيَّة – والسُّوء كذلك – فيما يتعلَّق بالمَصْدر والمُصَدِّر الرَّئيسيّ لقوى الظَّلام في عصرنا، وأعني المملكة السَّعوديَّة، هي أنَّه بالإضافة إلى الجمود الَّذي وسم ثقافة مجتمع الجزيرة العربيَّة طوال تاريخه، فإنَّ القفزة الماليَّة الهائلة الَّتي أحدثها اكتشاف النَّفط لم تؤدّ إلى حداثةٍ – كما حصل في حالات مشابهة في أجزاء أخرى من العالم – وإنَّما بالعكس أعطت هذه القفزةُ الماليَّة القوَّةَ الحاكمةَ إمكانات ضخمة للإمساك بعجلة الزَّمن ومنعها من الدَّوران في أرض الجزيرة العربيَّة؛ وبذلك تضاعف الثّقل الثَّقافيُّ الضَّاغط على ذهنيَّة الفرد في هذه المنطقة من العالم: حيث اجتمعت في هذا الثّقل ثقافة المجتمع القديم من جهة، وتكريس الدَّولة الحاليَّة إمكاناتها الضَّخمة لنشر وتعميق – بل وتضخيم – هذه الثَّقافة، من الجهة الثَّانية. لدينا هنا إذن حالة نادرة: فالعامل الماديُّ نفسه الَّذي كان في دول أخرى مساعدًا – بل وقوَّة دافعة – في عملية التَّحديث نجده في الجزيرة العربيَّة قد صار هو المساعد في منع التَّحديث، وهو المساهم في التَّجميد الحضاريّ للدَّولة والتَّجميد الفكريّ للمجتمع. وهكذا فإنَّ مليارات من عوائد البترول قد صرفت في نشر وترسيخ التَّخلُّف والتَّعصُّب والظَّلاميَّة في مجتمع المملكة السَّعوديَّة، ثمَّ صرفت مليارات أخرى لتمويل نشر الظَّلاميَّة في كلّ بلد أمكن الوصول إليه، ثمَّ لتمويل الصّراعات المذهبيَّة في هذه البلدان والهادفة إلى التَّطهير الطَّائفيّ الَّذي أسال أنهارًا من الدّماء؛ ورغم اختلاف هذه البلدان في الظُّروف والتَّقاليد فقد أُخضِعت جميعًا للفكر الوهَّابيّ على اختلاف المنظَّمات والمسمّيات الَّتي اتّخذها. فالأساس في موضوع التَّطرف العنفيّ الاسلاميّ هو عقيدة التَّشدُّد السّني السّعوديَّة ذات الطَّابع الأممي، والتَّمويلُ الباذخُ لنشرها عالميًّا، أمَّا الظُّروف المحليَّة في كلّ بلد والعوامل الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة والسَّيكولوجيَّة فهي فاعليات محدودة بجغرافيتها تمَّ توجيهها – هذه المرَّة – صوب التَّشدُّد الدّينيّ مثلما وجّهت في عهود سابقة صوب اتّجاهات أخرى (كالماركسيَّة مثلاً) ومثلما يمكن أن تذهب مستقبلاً في أيّ اتّجاه آخر وفقًا لتيَّارات العصر وموجاته الفكريَّة. 

في دول الشَّرق والجنوب، لا شكَّ في أنَّ الأوضاع الاجتماعيَّة العسيرة، والظُّروف السّياسيَّة السَّيّئة، تلعب دورًا في نشوء اليأس بين الشَّباب وفي توجّههم – بالتَّالي – نحو التَّطرُّف، ولكنَّ الظُّروف العامَّة وحدها لا تكفي لإنتاج تمرُّد ذي هويَّة محدَّدة؛ وهنا تظهر العقيدة كمحرّض، وكموجِّه أيضًا لهذا اليأس صوب وجهة بعينها. بهذا المعنى فإنَّ شباب البلدان النَّامية تتناهشهم قوَّتان حيث يُضطهدون من جانب وتُغسل أدمغتهم من جانب آخر. فبعد أن تقسو القوى الحاكمة وقوى المجتمع عليهم وتلقي بهم إلى اليأس يأتي دور مموّلي التيَّار الرَّجعي المتطرّف فيَستثمرون في يأس الشَّباب المظلوم ويوجّهونه لمصلحتهم. إنَّ فهم هذه العلاقة (الظّلم – الفرد – العقيدة) مهمٌّ ليس فقط لفهم هذه الظَّاهرة وإنَّما لمساعدتنا – كذلك – في تصوّر الكيفيَّة النَّاجعة لمكافحتها. 

مهما كان الواقع الاجتماعيُّ جيّدًا والظُّروف الشَّخصيَّة مثاليَّة، كما هو الحال مع بعض جهادي أوروبا والمنحدرين من الطبقة الغنيَّة والوسطى في الخليج، فإنَّ انجذاب الأفراد إلى منظمات العنف الاسلاميّ يظلُّ احتمالاً واردًا طالما استمرَّ التَّمويل السَّخيُّ لنشر التَّشدُّد الاسلاميّ والتَّرغيب فيه، هذا التَّمويل الَّذي ظلَّ دائبًا على مدى عقود قبل أن يؤتي حصاده الآن حربًا وإرهابًا ودمارًا على امتداد العالم كلّه، وضحايا بلا حصر، وبلدانًا تتفكَّك وشعوبًا تهجر أوطانها. إنَّ اجتثاث الأفكار والمصادر الثَّقافيَّة للفكر الظَّلاميّ لا يقلُّ ضرورة عن تجفيف منابعها الماليَّة أو عن طرد الظَّلاميين من المناطق الَّتي يحتلُّونها. إنَّ هنالك عملاً كثيرًا يجب القيام به في مجال السّياسة الثَّقافية والتَّربية والتَّعليم والإعلام، لتنظيفها جميعًا من الأفكار المتشدّدة والمتخلفة ومن النُّصوص العنصريَّة والاستئصاليَّة والقمعيَّة الَّتي تعتمدها داعش وغيرها لتسويغ إجرامها. دون هذا العمل فإنَّ كلّ ما يجري هو استمرار بلا نهاية لدوران عجلة الاستنزاف: حيث في نفس اللَّحظة الَّتي يتمُّ فيها قتل ظلاميين في ساحات الحرب يجري خلق ظلاميين جددًا في قلب المجتمع، تخلقهم مناهج التَّعليم، وأساليب التَّربية، والتَّقاليد الضَّارة في المجتمع، والمراكز الدّينيَّة، والمصادر الثَّقافيَّة، ووسائل الاعلام.

فيما تنهمك اليوم دول كثيرة في محاربة المسلَّحين المتشدّدين في المناطق الَّتي استولوا عليها، فإنَّ الفكر الَّذي يحمله هؤلاء ما يزال يجد له أنصارًا جددًا. فكيف يخسر التَّشدُّد والعنف الاسلاميُّ معركته الفكريَّة؟ في هذا السَّبيل أعتقد بضروة ترسيخ فلسفة عصرنا الرَّاهن وقيم حضارتنا الحديثة في كلّ مفاصل المجتمع والدَّولة. إنَّ الفكر الظَّلاميَّ، سواء لدى داعش أو القاعدة وغيرهما أو لدى المملكة السَّعوديَّة، أو لدى رجال الدّين أو الأفراد العاديين، يقوم على العنصريَّة والشُّموليَّة والعنف، والطُّغيان السّياسيّ والاجتماعيّ والفكريّ والجنسيّ، وهي توصيفاتنا نحن أبناء هذا العصر لأنماط كانت شائعة ومعتادة في مجتمع الجزيرة العربيَّة قبل خمسة عشر قرنًا. لهذا فإنَّ ترسيخ قيم عصرنا هذا، الدّيمقراطيَّة والمساواة والحريَّات العامَّة والفرديَّة وحقوق الانسان، في التَّربية والتَّعليم وفي المجتمع والإعلام، وقبل ذلك – طبعًا – في الحكم ومؤسَّسات الدَّولة، هو السُّمُّ القاتل للظَّلاميين، الَّذي لا يقضي عليهم فحسب، وإنَّما على أيّ أمل بإمكانيَّة نجاحهم مستقبلاً. 

إنَّ مكافحة الظَّلاميَّة والعنف الإسلاميّ ينبغي أن تكون مزيجًا متناغمًا بين تحسين الواقع المعيشيّ والثَّقافيّ، والقضاء على منابر هذا الفكر، وتجفيف منابعه الماليَّة، وإرساء قيم الدّيمقراطيَّة والمساواة في المجتمع.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق