كي يُهزم «داعش» لا بد من خطة… فأين هي؟ / مصطفى كركوتي

مؤتمر الرياض الأخير جمع 34 جهة راغبة في هزيمة «داعش»، وهذه خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن المطلوب إجراءات نوعية تتعدى الإعلان عن النوايا، تمهّد في النهاية لإطلاق خطة استراتيجية تُقنِع «داعش»، قبل أي أحد آخر، بأن هزيمته باتت ممكنة.

وكي نصل إلى هذه النقطة، هناك خوف حقيقي من أن رقعة أراضي «داعش» قد تتّسع، وأن أنهاراً من الدم قد تجري في مناطق لا تزال آمنة حتى الآن في سورية والعراق ودول أخرى في المنطقة.

الآن، بعد انضمام بريطانيا وألمانيا إلى عمليات قوات التحالف الدولي الجوية ضد أهداف «داعش» المبعثرة، يتعزز مسار واحد فقط ضمن مسارات عدة يجب أن تكون متوافرة في الحرب الطويلة والشاقة ضد هذا التنظيم. فالحملة ضده انطلقت في آب (أغسطس) 2014 في العراق، وتحوّلت ضد أهدافه في سورية بعد شهرين، وابتهجت أطراف باحتمال إلحاق هزيمة بـ «داعش» خلال عام. لكنها تدرك الآن، أن العمليات الجوية وحدها ليست كافية لكسب الحرب. طبعاً هناك تأثير كبير لتصعيد العمليات الجوية مباشرة بعد اعتداءات باريس الأخيرة، كما أن قيام القوات الجوية الأميركية وحدها بأكثر من ثمانية آلاف هجوم حتى الآن عمل لافت للانتباه، لكن هذا يكرس حقيقة أن الهجمات الجوية وحدها غير كافية لتحقيق النتائج المرجوة على الأرض.

على الأقل هناك إقرار الآن بأن الهجمات الجوية لن تهزم «داعش»، وأن هناك حاجة ماسة الى صوغ استراتيجية شاملة بين عناصرها محادثات سياسية وعمليات نوعية عالية التنسيق على الأرض، إضافة إلى العمليات الجوية. وإذا كان الرئيسان باراك أوباما وفرنسوا هولاند ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كامرون والمشاركون في مؤتمر الرياض، يعنون ما يقولون حول هزيمة «داعش»، ينبغي أن يدرسوا بعناية ما يجدر اتخاذه من خطوات لناحية حماية التقدم الذي تحققه قواتهم الجوية على الأرض على الأقل. ووفق المعلومات المتوافرة، هناك بداية لفهم هذه الحقيقة، حيث يقوم شركاء التحالف العرب بوضع برامج لتدريب مقاتلين ينتمون الى أطياف المعارضة المتعددة في الأردن، وكذلك تفعل بريطانيا.

فقد بات واضحاً أنه من دون السيطرة على الأرض، فإن قوات التحالف لن تستطيع تقرير مصير الحرب من خلال الضربات الجوية وحدها. لذلك، فتدريب المقاتلين المحليين أكان في سورية أو العراق، خيار استراتيجي لا بد منه، إذ يمنح الأهالي فرصة المشاركة في استرداد ما فُقد على الصعيدين الشخصي والوطني، فضلاً عن أنه خيار يحدد الانتقال الى الأمام بإبقاء الأهالي والقوى المحلية بحيث لا تكون مضطرة للتعامل مع «داعش» لأسباب معيشية وحياتية. «البيشمركة» الكردية تقدّم مثالاً عملياً عما ينبغي القيام به في هذه الحرب. فقد نجحت فصائلها في مواجهة «داعش» على جبهة طولها نحو 1200 كيلومتر على مدى سنة ونصف سنة، وتمكنت، مثلاً، من استرجاع مدينة سنجار بعد مواجهة طويلة. هكذا يجب خوض معارك مماثلة في مدن وبلدات أخرى، بغية شد الخناق على «داعش» وإنهاء سيطرته تدريجياً على الأراضي التي في حوزته.

والمهمة الأصعب هي بالتأكيد في سورية، حيث الأوضاع على الأرض شائكة أكثر نتيجة الوجود الروسي والإيراني وميليشيا «حزب الله» اللبناني، الذي لا هدف له آنياً غير إطالة عمر حكومة دمشق. ويجعل هذا الوضع الاستثنائي من ساحة المعارك في سورية اختباراً فعلياً لاتجاهات الحرب وإمكان تلمّس نهاياتها، حيث يصعب تصوّر نتائجها الآن. وزير الخارجية البريطاني السابق وليام هيغ، قال كلاماً مهماً في هذا الشأن أثناء مناقشة مطولة لدور بريطانيا في الحرب، مطلع الشهر الجاري في مجلس العموم، بإشارته إلى احتمال «ضرورة تقسيم أو انقسام، سورية كخطوة ضرورية لتوقف القتل المتوحش»، مضيفاً: «يجب أن نكون جاهزين للحل الجديد»، إذ قد يبرهن قادة المجموعات المختلفة عن عجزهم عن العيش بسلام في ما بينهم، «وعندها يجب أن نوفر لهم على الأقل سبل العيش بسلام في كيانات منفصلة عن بعضها داخل الدولة الواحدة». وهيغ لم يستبعد أن تُساهم قوات التحالف في المساعدة على تحقيق هذا الواقع الجديد في المستقبل.

هذه مهمةٌ الحديث حولها شيء، وإمكان تنفيذها شيء آخر، إذ إن أي مسعى الى التحالف في هذا الشأن يصطدم بواقع تفرضه تطلعات روسيا وتركيا وإيران وأهدافها في هذه الحرب. موسكو تهدف رسمياً الى حماية منظومة الحكم في دمشق لضمان شرعية وجود قواتها في هذا البلد الممزق، وأنقرة العضو المهم في حلف الناتو، تعتبر الأسد وميليشيات الأكراد على طول حدود تركيا في سورية والعراق عدواً أكبر من «داعش». أما طهران فتصبو دائماً الى تأكيد موقع حاسم لها ومعترفٍ به في الإقليم، ولو على حساب الوحدة الجغرافية لسورية واليمن وربما لبنان أيضاً. وإذا أضيف إلى هذا المشهد الواقع المتفاقم لأزمة اللاجئين السوريين الممتدة من جنوب الإقليم حتى بوابات أوروبا، فالصورة تبدو قاتمة جداً.

إسقاط طائرة السوخوي الروسية في أجواء تقول تركيا إنها لها، كاد يحرف الحرب نحو أبعاد غامضة الخطورة لولا «الخط الساخن» بين واشنطن وموسكو، الذي حال دون التصعيد. فالطائرة الروسية، وهذا هو الأهم، كانت تقصف أهدافاً في أراضٍ تابعة للجالية التركمانية السورية المعارضة لدمشق والمدعومة من أنقرة. والأقلية التركمانية السنيّة جزء من موزاييك عرقي ومذهبي متشابك من التركمان والكرد والأرمن والإيزيديين والمسيحيين، وسط غالبية سنيّة عربية في منطقة تمتد من حدود تركيا حتى حلب شمالاً، وتهبط جنوباً على امتداد الشريط الساحلي بين اللاذقية وطرطوس حتى حمص، حيث تعيش أقلية علوية كبيرة وأقليات مسيحية مختلفة. التوتر الراهن في هذه المناطق، حتى في تلك التابعة لسلطات دمشق، غير مسبوق وفق مصادر سكانها، إذ بات يُخشى أن يؤدي استمرار الحرب إلى تعريضها لحالة تُدخلها في قتال أهلي يشهد أنهاراً من الدم، بغض النظر أكان «داعش» طرفاً في ذلك أم لا.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق