كتاب: لماذا ننتظر..الضرورة الملحّة لمكافحة التغيّر المناخي

تمثّل المسائل المتعلقة بالتغيّر المناخي وسخونة الأرض أحد أكثر الملفات التي تثير اهتماماً عالمياً متعاظماً، ومثل هذا الاهتمام يبرزعلى السطح خلال الفترات السابقة مباشرة على عقد المؤتمرات ــ القمم ــ الدولية حول هذه المسألة وطرق التصدّي لها. وفترة انعقاد قمّة باريس للمناخ في شهر ديسمبر من عام 2015 لا تشذّ عن هذه القاعدة.

من بين الكتب العديدة التي تندرج في سياق هذا الاهتمام العمل الذي يقدّمه «نيكولا ستيرن»، أستاذ الاقتصاد في مدرسة لندن للاقتصاد ورئيس الأكاديمية البريطانية ورئيس معهد «غرانتهام» للأبحاث حول التغيّر المناخي، تحت عنوان «لماذا ننتظر؟»، وعنوانه الفرعي هو «المنطق والضرورة الملحّة ووعد مكافحة التغيّر المناخي».

المسلّمة الأساسية التي ينطلق منها المؤلف تتمثل في القول إن «مخاطر التغيّر المناخي قد تكون هائلة». والتأكيد مباشرة بعد ذلك، فيما يعني ضمناً نوعاً من الردّ المطلوب والضروري على مثل هذا الاحتمال ــ التغيّر المناخي ـ، أن للتحرّك و«الفعل» في مواجهة نتائجة ميزات واضحة جليّة.

ما يؤكّد عليه المؤلف هو أن مجرّد النجاح في تحفيض كميّة الغازات الضارّة وبالتحديد غاز ثاني أكسيد الكربون ــ غاز الفحم ــ من مختلف أشكال المحرّكات التي تتغذّى بمواد الطاقة التقليدية يمكن أن يترتب عليه ــ أي النجاح ــ الكثير من التحولات الإيجابية في مختلف القطاعات الاقتصادية.

هذا إلى جانب التأكيد أن«التخفض السريع والحاسم» لهذه الغازات أمر ضروري ولا بدّ منه من أجل تحديد سقف لا تزيد فيه حرارة المناخ عن «درجتين» بالقياس إلى الحرارة في الحقبة ما قبل الصناعية. تتم الإشارة في هذا السياق، بل والتساؤل، عن أسباب التباطؤ الذي يتم على مستوى أصحاب القرار في العالم حيال الشروع بتحقيق خطوات متقدمة ترمي إلى التقيّد بعدم تجاوز ذلك السقف.

ويحدد المؤلف في طليعة القطاعات التي ستعرف نشاطا كبيرا كنتيجة لخفض إصدار الغازات المخرّبة للبيئة، نظراً لما يفتحه ذلك من آفاق جديدة فى قطاع الاستثمارات في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي. وفي المحصلة يمكن لمثل هذه الخطوة «النوعية»، حسب التحليلات المقدّمة، أن تكون بمثابة الإعلان عن فترة جديدة و«مستدامة» من الازدهار الاقتصادي على الصعيد العالمي العام.

فـ«لماذا ننتظر؟»، يسأل المؤلف، كما جاء في عنوان هذا الكتاب.

وإذا لم يتم تقديم أيّة إجابة واضحة من قبله فإن الكتاب هو في صميمه نوع من محاولة تقديم الحجج والبراهين «المنطقية»، وبالاعتماد على معطيات الواقع وعلى لغة الأرقام في العديد من الإحصائيات، على ضرورة الانطلاق في هذا المشروع الخاص بـ«مكافحة التغيّر المناخي». وبعد الإشارة إلى الصعوبات الحقيقية التي يواجهها يؤكّد على أهمية البدء بذلك «الآن» ودون أي تأخير. ويصوغ عددا من التوجهات ــ الاقتراحات ــ التي يرى أنه يمكن لمثل هذا العمل أن يستفيد منها.

الركيزة الأساسية التي يقيم عليها المؤلف تحليلاته تكمن في الواقع بمحاولة تقديم جميع الحجج والبراهين ذات الطبيعة «العلمية والاقتصادية والأخلاقية» التي تثبت أن «المخاطر والكلفة الباهظة» التي تترتب على التغيّر المناخي هي أكبر بكثير من كلفة الحدّ منه، وأكبر من التوقعات والنتائج التي تتوقعها جميع النماذج الاقتصادّية التقليدية القائمة.

من هنا يرى نيكولا ستيرن أن الخيار«المنطقي» ينبغي أن يكون واضحا للجميع وتمليه بالتالي المصلحة الاقتصادية بالضرورة. كما يحدد القول أن الخيار المطروح هو بين نهجين.

النهج الأول يتمثّل في المثابرة في الاعتماد على تقنيات الماضي والطرق التقليدية المعروفة ومؤسساتها وما يمكن أن يوفّر بعض النمو الاقتصادي على المدى القصير.لكن ثمن ذلك، حسب التحليلات المقدّمة، هو بعد أجل «حالة من الفوضى والنزاعات والتخريب».

والنهج الثاني يراه المؤلف في الرهان ذي الطابع المستقبلي والذي يأخذ باعتباره مصلحة الأجيال القادمة. وهو يقصد بذلك النهج تبنّي اللجوء إلى الاستثمارالأمثل للتكنولوجيات الجديدة، بالتوازي مع تحقيق أقصى درجة ممكنة من التعاون والتضامن الدوليين.

ويرى أن مثل هذا الخيار هو السبيل الأمثل من أجل تحقيق نمو «مستدام» وتحسين مستويات المعيشة. ومن خلال هذا كلّه المساعدة في «الانتصار» في المعركة «المصيرية» ضد الفقر التي أعلن العالم خوضها بالنسبة لهذه الألفية الثالثة. وهنا أيضاً يطرح المؤلف من جديد سؤال: «لماذا ننتظر؟».

وفي العديد من صفحات الكتاب وخاصّة في الفصل العاشر منه يعيد المؤلف عملية التباطؤ في تنفيذ «وعد مكافحة التغيّر المناخي» إلى عدّة عوامل. إنه يشير بداية إلى ما يسميه «العجز على مستوى التواصل» و«استمرار وجود الحواجز النفسية ــ البسيكولوجية» بين الذين يقومون بمحاولة التعبئة حول مخاطر التغيّر المناخي وبين الجمهور العريض.

والتأكيد أيضا على دور وسائل الإعلام التي قد يمكنها ان تستفيد من فرص «الحالات المتطرّفة من سوء الأحوال الجويّة» لمحاولة شرح ظواهر «التغير المناخي» وأخطاره للجمهورالعريض. بهذا المعنى يؤكّد نيكولا ستيرن على أهمية وجود «إستراتيجية إعلامية» للتواصل مع هذا الجمهور فيما يتعلّق بالرهانات الكبرى للتغيّر المناخي.

عن جريدة البيان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق