النموذج الإسباني في التفاعل مع الأزمات / نهلة الشهال

هل هو التاريخ القاسي لإسبانيا الحديثة، الحرب الأهلية في النصف الثاني من الثلاثينات، التي تجاوزت من بعيد الإطار المحلي لتتخذ معنى عالمياً وتمتلئ بالرموز، وبالأساطير، وتترك لنا بين ما تركت «غيرنيكا» بيكاسو، و»لمن تقرع الأجراس» لهمنغواي الذي حضر في تلك الحرب كصحافي «منحاز». أم هي سنوات الفرنكية الفاشية الممتدة 36 عاماً، والتي شهدت علاوة على حركة الإعدامات والعسف الواسعين، هرب مئات آلاف المواطنين من البلاد، وهي استمرت بفعل عوامل شتى، بينها ما يمكن اعتباره مثالاً تجسيدياً صارخاً لحسابات السياسة العالمية وتوازناتها، البعيدة عن اتباع المبادئ أو احترامها، فيما اندحرت حليفتاها، الفاشيتان الألمانية والإيطالية.

أم هو الاندماج الرجراج والمتردد للأقاليم، المتفاوتة الغنى والإمكانات وأنماط الحياة وحتى اللغة، في «الدولة الإسبانية» (وليس «إسبانيا»، هكذا بالمطلق)، وهو التعبير الرسمي فـــي البلاد كلها، والسائد والمتبع بحدة، بخاصة فـــي مناطق الباسك وكاتالونيا وـــحتى في الأندلس، كتعبير عن الاعتراف بالوحدة السياسية – الدولة – وهي تدبيـــر سياسي يمكن أن يكون قسرياً أو طـــوعياً، وفق الظروف، لكنه مختلف تماماً عن الإقرار بوجود «أمة». أم هي الخبرة السياسية الثمينة للخروج من الفرنكية مع مــــوت الديكتاتور وليس قبله، وليس عنوة، والتعرف حينذاك إلى منطق التسويات والتــــوافقات السياسية التي أتاحت سلمية ذلك الانتقال، وأبقت في الوقت نفسه علـــى الملكـــية، المستمرة منذ ما قبل الفرنكية بقــــرون وخلالها، وحتى اليوم، والإقرار في 1978 بأنها مــلـكـيـــة دستورية وبرلمانية، لم يطالــــب بنزعها أحد، ولعل مرد ذلك الى ما يشار إليه كدورها المُسهِّل لعملية الانتقال الهادئ من الفرنكية، وأيضاً وربما لكونها بدت كشرط من شروط الحفاظ على السلم الأهلي في بلاد تنوء بكل تلك الرضوض.

أم هي الأزمة الطاحنة التي عرفتها إسبانيا خلال السنوات الأخيرة، منذ 2008 خصوصاً، حين عصفت بها رياح الانهيار العالمي الكبير معطوفاً على انفجار فقاعة الملكية العقارية التي كشفت في شكل فاضح عيوباً خطيرة في إدارة البلاد، وقدراً من الفساد الموصوف الذي لطّخ سمعة الحزبين الكبيرين (وقتها)، «الحزب الشعبي» المحافظ واليميني، و»الاشتراكي العمالي» الذي تألق في إدارة مرحلة الخروج من الفرنكية، ثم هوى كالآخر الذي تناوب معه على السلطة طوال أربعة عقود، في مستنقع البلادة والعجز والفساد.

الأزمة الأخيرة التي أطاحت ما كان يقال له المعجزة الاقتصادية الإسبانية، أوصلت البلاد إلى الفقر، مع دين عام يبلغ اليوم 100 في المئة من الدخل الوطني الخام، ومع 50 في المئة من البطالة للفئات العمرية الشابة (16-24 سنة)، ونسبة 24 في المئة من البطالة العامة، ومئات الألوف من المطرودين من مساكنهم لعجزهم عن سداد أقساط ملكيتها، في بلد تبلغ فيه نسبة من يتملك مسكنه 80 في المئة من الـ 46 مليون مواطن. وأما الإجابة ببرنامج التقشف القاسي كحل وحيد اتبعه اليمين الحاكم، فقد تنابذت مع تلاحق الفضائح المالية التي طاولت ما تسميه حركة «بوديموس» الشابة «الطائفة المغلقة» (caste)، وهي «النخبة» التي تضم جزءاً من رموز الملكية ومن الرموز السياسية من الحزبين الكبيرين على حد سواء، ورجال أعمال وبنوك ومضاربين عقاريين.

الانتخابات النيابية التي جرت الأحد الماضي في 20 كانون الأول (ديسمبر)، حملت كل تلك المعطيات الى الواجهة. نال الحزبان التقليديان مقاعد تفوق سواهما (123 مقعداً و90 مقعداً على التوالي للشعبي والاشتراكي من أصل 350 مقعداً)، لكنها نسب لا تؤهل أياً منهما تشكيل الحكومة، بينما نالت حركة «بوديموس» (ومعناها «نحن نستطيع») 69 مقعداً وحركة «المواطنين» (ciudadanos) كاتالونية المنشأ، والمصنفة في الوسط فكرياً وسياسياً (والمناهضة لاستقلال كاتالونيا) 40 مقعداً.

وتمثل «بوديموس» أكبر المستجدات في الساحة السياسية الإسبانية، وهي انبثقت من حركة «الساخطين» (indignados) التي تأسست عام 2011 (ربما بشيء من إلهام النداء الذي يحمل العنوان نفسه، والذي أطلقه الديبلوماسي الشهير والكاتب والمناضل الفرنسي ستيفان هيسيل، داعياً إلى السخط وإلى رفض الخضوع للوضع البشع القائم)، وهي حليفة عمدتي برشلونة ومدريد الفائزتين في الانتخابات البلدية منذ أشهر. وقائدا الحركتين الجديدتين في منتصف الثلاثينات من عمريهما، وبالكاد يكبرهما بعشر سنوات الزعيم الجديد للاشتراكي، فيما راجوي، زعيم الشعبي ورئيس الوزراء السابق، يبدو أمامهم هرماً. لكن التجديد العمري أو الجيلي ليس وحده ما يلفت الأنظار (فـ «بوديموس»، الأكثر فتوة وانتشاراً في الأحياء الشعبية للمدن، علاوة على كثرة المثقفين والأساتذة والفنانين في صفوفها، تضم كذلك المناضلين الكهول ضد الفرنكية الذين عادوا إلى الحقل العام لأنهم «استعادوا الأمل»).

وسيدخل البرلمان الجديد نواب يمثلون «الناس العاديين» كما تقول الحركات الجديدة الفائزة، حيث ربع أعضائه لم يسبق لهم أن احتلوا اي منصب في المؤسسات. وقد عبّرت حركة «بوديموس» عن ذلك بقولها «لا نريد سياسيين ممتهنين، بل مهنيين يمارسون السياسة». وهكذا سيدخل البرلمان أساتذة وقضاة وحرفيون ومناضلون نقابيون وجمعويون وفنانون ومهندسون وشغيلة من ذوي الشروط الهشة وعاطلون من العمل، رجالاً ونساء، وكثير من الشباب… أي ما يشبه تشكيلة المجتمع نفسه، بينما حدّدت حركة «المواطنين» مدة التمثيل السياسي القصوى لأعضائها بثماني سنوات، وذلك للحيلولة دون تشكّل شبكات زبائنية مفسدة.

لا يتيح المشهد الحالي، حتى اللحظة، وعلــــى رغم الدينامية الخارجة عن المألوف التي تطـــبعه، استبيان الكيفية التي ستتشكل بها الحكومة المقبلة. وقد بدأت المحادثات بين الأحزاب الأربعة الكبرى تلك، وهي تبدو شـــاقة ويبدو تحقيق التوافق بينها مستعصياً، سيمــا أن الهوامش خارج تلك التشكيلات الأربع ضيقة للغاية ولا تتجاوز بضعة مقاعد، ما يقلص إمكانات المناورة والاتفاقات الشكلية، ويفرض تعميق التصورات البرنامجية للأطراف كلها. وإن كان الحزبان القــديمان يبدوان كمن استنفد خياله السياسي، فالآخران الجديدان مطالَبان بتحويل النيات والشعارات الجذابة إلى مقترحات ومخططات عملية. وعــندها سيمكن بلورة توافقات مشروعة ومعلنــة، وليس صفقات. أما لو لم يحدث، فقد تقــود الأزمة السياسية إلى إعادة الانتخابات النــيابية. ولكن، وأياً تكن المخارج، فقد قدمت إسبانيا في هذه الانتخابات نموذجاً آخر من مــمارسة السياسة والشأن العام، يحفِّز على التفكيــر والنقاش. وهذا بذاته ليس بالقليل.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق