«داعش» وسؤال المؤامرة! / محمد خلفان الصوافي

من المفيد (أحياناً) بل هو ضروري جداً للمشتغلين بتحليل ما يحدث في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، تفسير ما يتم فيها وفق «نظرية المؤامرة». فمع أن هذا النوع من التعليل أو التفسير يعتبر عند أهل العلم نوعاً من الجهل السياسي والتخلف، والذي لا يصلح استخدامه باعتباره منهجاً للمعرفة خاصة في هذه المرحلة من التقدم والتحضر الذي تعيشه البشرية، إلا أن تعقد بعض القضايا في المنطقة مثل: النجاحات التي تحققها «داعش» أحياناً، والتي أدت إلى قلب طاولات الاستراتيجية الدولية رأساً على عقب، فإنه في هذه الحالة تكون هذه النظرية هي أفضل طريقة لفهم بعض ما يحدث.

فكر السياسيين معلق بمحاولة مكافحة الإرهاب ووضع حد له، لكن صعوبة القضاء أو السيطرة عليه في منطقتنا تقلقهم وتثير في أذهانهم التساؤل حول ما ما إذا كانت هناك دول إقليمية وعالمية «حاضنة» لهذا الإرهاب لأهداف خاصة بها، رغم أنها قد تبدو مشاركة في الحرب ضمن الجهود الدولية! وفي هذه النقطة فإنه، ليس من باب المبالغة أن قادة إيران يحاولون أن يظهروا أمام الرأي العام العالمي على أنهم مسالمون سياسياً وعفويين في تعاطيهم مع ما يحدث في المنطقة. ويصل بهم إلى إرسال إشارات من هذا النوع أن يجعلوا الطرف الآخر هم «الأشرار» على الأقل من ناحية أن الإرهاب لا يمثل المذهب الشيعي. وأنهم (أي الإيرانيون) يسوِّقون أنفسهم إيجابياً ويحاولون مسح تاريخهم من أذهان الأوربيين، وهو التاريخ الذي اتصف في فترة ما بالعنف، سوء في تفجير المعابد أو قتل المعارضين.

لذا يعتقد البعض أنه ليس من باب المبالغة أو التجاوز إذا تملك المراقبون الشك بأن إيران واحدة من الدول الراعية للحركات المتطرفة في المنطقة، وهذه الرعاية قد تكون في ناحية غض الطرف.
يمكننا استخدام التفسير التآمري كأنه، الهروب من «الحارس التقليدي» إلى التفكير بحرية أكبر، لأننا أحياناً نحتاج إلى استخدام «الخبث السياسي» لفهم ما يحصل أكثر من حاجتنا للحقائق. ولو طبقنا هذه النظرية على دور إيران في احتضان «داعش» سنجد نقطتين ربما تثيران «الشك» في دورها وأنها ليست بعيدة عن دعمها: النقطة الأولى، أن أعضاء من تنظيم «القاعدة» -التنظيم الأم ل«داعش»- كانوا قد أقاموا فترة من الزمن في إيران، ومنهم على سبيل المثال: أبومصعب الزرقاوي وسليمان أبوغيث وغيرهم من أعضاء «القاعدة». العامل الثاني يكمن في الطرف المستفيد من حضور «داعش» في المنطقة. عادة عندما يتم طرح تساؤل حول من يقف وراء أي عمل إجرامي، يكون البحث عن الطرف المستفيد من حدوثه، وفي حالة «داعش» فإن إيران هي المستفيد الأكبر.

وإذا كان أصحاب نظرية المؤامرة عادة ما يحاولون من خلالها الحصول على الإجابات التي يحجبها خصومهم أو منافسوهم، فإنه في حالة «داعش» والتنظيمات الإرهابية في المنطقة هناك من يحاولون ربط «داعش» بالدول السنية فقط، لكن الذي ينبغي الانتباه إليه وعدم إغفاله هو أن خبرة إيران في إنشاء وإدارة هذا النوع من التنظيمات (بغض النظر عن العقيدة) هو أمر ليس جديداً، لأنها دولة تجيد التلاعب بالسياسة وتتقن فن «ابتزازها»، وأعتقد أن حركة «حماس» أفضل مثال على ذلك.

قد يكون «داعش» هو التنظيم الأبرز في الحركات الإرهابية في العالم اليوم، إلا أن هذا لا يعني أنها التنظيم الإرهابي الوحيد، فهناك الكثير من التنظيمات الإرهابية الأخرى أنشئت من قبل إيران، وهي غير سنية، لكن تأثيرها ليس عالمياً، الأمر يعود لعدم استخدام وسائل الإعلام الحديثة أو لكون جرائمها محلية فقط سواء في العراق، مثل «عصائب أهل الحق»، أو في سوريا مثل «كتائب القدس» و«لواء الفاطميين»، وكذلك باكستان.

في الواقع يصعب على المراقب الموضوعي تصور أن إيران لا يد لها في ما يحدث في المنطقة، حتى لو أبدت أنها ضد التنظيمات الإرهابية. فليست خافية على أهل المنطقة أو الغرب، تلك «العلاقة الاستثنائية» التي عادة ما تخرج بها إيران مع هذه التنظيمات في أوقات معينة، مثلما حدث مع «طالبان» مؤخراً وعدد من أعضاء «القاعدة». إنها تستثمر هذه التنظيمات لتحتفظ لنفسها بدور أساسي في المنطقة مع القوى الدولية والإقليمية الأخرى.

وإذا كانت إيران تريد إيهام الناس أنها ضد «داعش»، فإن الأفعال التي يقوم بها هذا التنظيم تفضحهم، فإيران حتى الآن الدولة الوحيدة التي لم تتأثر بأعمالها.

عن جريدة الاتحاد

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق