بين كافكا ومجلس التحرير / جهاد الزين

عندما يَجمعُ الابداعُ الثقافةَ واللحظةَ والإثارة، فهذا أقصى ما يتمنّاه الصحافي في أي مجالٍ كان… من الكتابة أو التصوير أو الكاريكاتور.

1- أما الكاريكاتور تحديداً، الذي انطلق أساسا من فكرة السخرية وتحوّل إلى مرادفٍ لها، فإنه يخرج من “الصناعة” الصحافية ليصبح عملاً فنيّاً تشكيلياً عندما يلتقي الإتقان والطرافة والإبداع ودائماً الثقافة.
2-
بالقدر الذي شاهدتُ فيه رسوماً كاريكاتورية العام 2015 المنصرم على الطبعات الورقية والإلكترونية للصحف في العالم، وجدتُ أن الرسم الأكثر عمقا وإثارة وطرافة بين الرسوم التي جذبت اهتمامي هو رسمٌ للفنان مات تشايز في صفحة الرأي من صحيفة “النيويورك تايمز” نشرته الصحيفة قبل أشهر بعد كشف السلطات الأميركية المختصة عن خلل في انتاج سيارات شركة الفولسفاكن الألمانية يؤدي إلى انبعاث غازات مضرّة بالبيئة تغافلت عنها الشركة عمداً. وتشايز هو فنان ومصمم ورسام.

الصورة- المرفقة بهذا المقال- اخْتار الرسامُ أن تكون بشكل سيارة فولسفاكن في شكلها القديم الشهير مقلوبةً على رأسها وترتفع منها إلى الأعلى أرجلٌ كأنها حشرة صرصور مقلوب تشبيها بصرصور كافكا الشهير في روايته “التحوُّل” التي يستفيق فيها إنسانٌ عاديٌّ على سريره ليجد نفسه وقد أصبح صرصورا مقلوبا على رأسه.

لا أظن أن أحدا في العالم استعمل هذا التشبيه بمعانيه المختلفة في تلك اللحظة المهمة والكبيرة من انكشافات وتداعيات وصراعات علاقات العالم الغربي المتقدّم مستندا إلى جذر ثقافي عميق ومعاصر. فرواية كافكا التي أصبحت جزءاً من كلاسيكيات الأدب العالمي الأكثر شهرةً تُعتَبر إحدى أهم روايات القرن العشرين لا بل يراها بعض النقاد الغربيين بأنها فاتحة الحداثة الأدبية في الرواية ونقطة الفصل بين ما قبلها وما بعدها.

يلتقط كاريكاتور الرسام تشايز رواية كافكا كرواية مكتوبة باللغة الألمانية ( كافكا تشيكي كتب بالألمانية) في لحظة تتعرّض فيها شركة تصنيع سيارات ألمانية إلى ضربة غير مسبوقة في صورتها وسمعتها ليعبّر عن هذا “التحوّل” بجعل الشركة العملاقة وذات السمعة المتينة في نموذجها الأكثر كلاسيكية من تاريخ سياراتها المنتَجة، حشرةً كافكاويةًّ مقلوبةً على رأسها. سيساعد على نجاح الفكرةِ تنفيذُها بريشة ماهرة ناعمة وناضجة.

في الكاريكاتور لا تغني جِدّةُ الفكرة عن ضرورة أن تكون الريشة بارعة. وهذه مشكلة الكثير من رسامي الكاريكاتور الذين لا تنقصهم الأفكار وإنما ما أسمّيه نضج الريشة بحد ذاتها.

لم يشرح الرسام فكرته. رسمها فقط دون تعليق. ولكن ذكاءها كان ينضح بكل الأفكار والخلفيات والطرافة وبما يتجاوز أي كلام… سوى كلام كافكا.

2- الصورة الثانية التي أخترتها كصحافيٍّ لصحافة العام 2015 ليست رسما كاريكاتوريا بل صورة فوتوغرافية حية.
إنها صورة مجلس تحرير صحيفة “جمهوريات” التركية العريقة يوم الخامس عشر من كانون الأول المنصرم مجتمعاً في جلسة عمل أمام مبنى سجن “سيليفري” القريب من اسطنبول تضامناً مع رئيس تحرير الصحيفة جان دوندار الذي سجنه القضاء التركي تحت ضغط الرئيس رجب طيّب أردوغان بعد كشف الصحيفة فضيحة شحنة الأسلحة المرسَلة من المخابرات التركية إلى سوريا.

كان الزملاء الأتراك خلاّقين في فكرة الاجتماع في مواجهة مبنى السجن الذي يرمز إلى قمع الحريات الصحافية بشكل غير مسبوق في تركيا. ففي تركيا اليوم يجري هذا القمع بأدوات متلازمة عديدة، قطع الاعلانات، سجن الصحافيين، تغيير ملكية الصحيفة وتوجيه مظاهرات ترمي الحجارة على مبنى الصحيفة المستهدَفة. وقد أنهى الرئيس أردوغان هذا العام بتصريح أثار ضجة عالمية أمس عن رغبته بقيام نظام رئاسي في تركيا على غرار النظام الذي أقامه أدولف هتلر في ألمانيا.

قد لا تكون صورة مجلس تحرير “جمهوريِت” قوية فنيا ولكنها من دون شك في نظري أقوى صورة فرتوغرافية تعبيرية عن كفاح الصحافة لأجل ديموقراطية التعبير وضد التنكيل السلطوي.

في هذه الصورة تصدر الصحيفة من المكان الأصعب ومن التصميم الأقوى. فالمثير في قضية سجن الصحافي التركي أنها تأتي من صحافة التحقيقات وليس فقط صحافة الرأي التي لها سجناؤها المتزايدون في تركيا اليوم وخصوصا مع رواج تهمة “تحقير” الرئيس.

إنها صورة إرادة الصحافة في الاحتجاج في كل زمان ومكان وبلد تتعرض فيه للقمع.

على أن رمزيتها تتعدّى أيضا حتى هذا المستوى. فـ“جمهوريت” الصحيفة الأتاتوركية الأعرق في تركيا وهي تحمل إرث العلمانية التقليدية التركية، ممثلةُ النظام القديم بمعنى ما وهي تواجه النظام الجديد. في فترة من الفترات في الثمانينات من القرن المنصرم وحتى سنوات طويلة لاحقة اعتُبِرَتْ “جمهوريِت” صحيفة “الأرثوذكسية” العلمانية الأتاتوركية التي شهدت ذات مرة استقالة شهيرة لعدد من أبرز كتابها وصحفييها ومعهم مدير تحريرها احتجاجا على جمودها آنذاك. أما اليوم فها هي تواجه نظام الوصاية المدنية البوليسية بعد أن كانت الحياة السياسية التركية قد عاشت طويلاً تحت الوصاية العسكرية.

الفولسفاكن- الصرصور ومجلس التحرير المجتمع في مدخل سجن كبير… صورتان جالتا طويلا في الكثير من صحف العالم. تستحقان اعتبارهما صورتي العام وبالتأكيد هما، على الأقل، من أبرز صور العام.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق