تفكيك أساطير الفحولة (3 من 4)

في الطّعام والباه وأكل الأنثى

“حدثنا المعتمر بن سليمان قال: قلت لهلال بن أسعر: ما أكلةٌ أكلتها بلغتني عنك؟ قال جُعت مرة ومعي بعيري فنحرته وأكلته […] ثم أردت امرأتي فلم أقدر على جماعها، فقالت لي ويحك كيف تصل إليّ وبيني وبينك بعير”،
الأغاني، أخبار هلال ونسبه، ج3، ص65

*

لنذكّر بأنّ أساطير الفحولة مدارها على الخصوبة والإنتاج والثّروة. فالفحل في كتب اللّغة والأدب هو الّذي يصنع الثّروة المادّيّة والرّمزيّة. ولأنّه يصنع الثّروة فهو لا يعمل، ذلك أنّ العمل ليس من شيم الفحل. ولمّا كان الفحل ينتج ثروة رمزيّة بالشّعر، أو ثروة ماديّة بجودة نطفته وقوّة سلالته، احتلّ بفضل خصاله تلك مرتبة السّيّد. ففي التّقسيم الثّلاثي القديم كان السّيّد لا ينتمي إلى زمرة الّذين يشتغلون ويصلّون، وإنّما إلى زمرة الّذين يحاربون (1). فهو الّذي يحمي الأرض والحمى، ويحافظ على نموّ الثّروة دون أن يعمل، لكن دون أن يكون خارج مدار الإنتاج. فالسّيّد ينتج الثّروة لأنّه يمتلك رأس مال ماديّ ورمزيّ يجعله في مقام السّيّد le seigneur.

كذلك الفحل (من البشر كان أو من الحيوان) لا يعمل (2)، لأنّه في حدّ ذاته ثروة لا تنمّى بالعمل، بل بالهيمنة على الأنثى. فالفحل هو السّيّد وقد بسط قوّته الذّكريّة بامتلاك الأنثى. ففي تملّكها على نحو غير محدود تكمن المتعة الذّكريّة. فكلّما امتلك الأنثى بالإكثار من الزّيجات وكثرة النّساء وما ملكت اليمين كان ذلك دالاّ من دوالّ المتعة الذّكرّية الّتي تنهض عليها سيادة السّيّد وفحولته. وإستراتيجيّة الخطاب في “الرّوض العاطر” هي محاولة لامتلاك الأنثى امتلاكا خياليّا بتجريدها من قواها البائيّة، ثمّ السّيطرة عليها بجعلها تحت طائلة المتعة الذّكريّة على نحو مطلق، فلا يحدّ من شططها القانون. هاهنا، يتدخّل الطّعام بوصفه دالّا من دوالّ إرادة التّملّك. وقد اتّخذ في كتاب “الرّوض العاطر” شكل تخييلune fiction من التّخييلات الغذائيّة الرّائجة في مختلف الثّقافات إلى اليوم. فوظيفة الغذاء الأولى هي تجديد قوى الإنسان والحفاظ على مناعته حتّى يستمرّ في الوجود. فالطّعام مرتبط بغريزة البقاء. بيد أنّ بعض الأغذية يُعتقد أنّ لها من الفضائل les virtues ما يتجاوز وظيفتها الغذائيّة الطّبيعيّة، فتكتسب بفضل التّخييلات الغذائيّة قوى بائيّة قد أُثبت وجودها الممكن في كون هذا الخطاب فحسب (3). فالغذاء في الأصل بلا فضائل بائيّة. ولكن ما أن يصبح في خواصّه الضّروريّة والجوهريّة propriétés nécessaires et essentielles مشابها لخواصّ المَنيّ حتّى يصبح منتميا إلى قوائم الأغذية المقوّية للباه والزّائدة في المنيّ (4). وبتغيّر الوظيفة تضحي بعض الأغذية قوّة تحويل وتحوّل، بحيث يغدو الذّكر بمزاياها كائنا هرقليّا لا يقهر قوّتَه الجنسيّةَ شيءٌ (5).

يمكن أن نتساءل: ما الدّاعي إلى إنشاء هذه التّخييلات الغذائيّة؟ يمكن أن نقول: الدّواعي كثيرة، ولكنّ غايتها الأولى هي مقاومة الهلع الشّديد من الخصاء castration، وفقدان الذّكر للقضيب الّذي ينبغي أن يظلّ منتصبا حتّى تخفّف حدّة هذا الهلع. غير أنّ هذا الانتصاب لا يمكنه في الواقع أن يظلّ إلى الأبد مستمرّا دون انقطاع، لأنّه في الأصل لا ينتصب من تلقاء نفسه إلاّ إذا أثارته القوى الجنسيّة، أو قوى أخرى تنتجها الطّبيعة والثّقافة معا. هذه القوى هي لا محالة القوى الغذائيّة (6). وهي في الواقع قوى تصنع، وتخضع في إعدادها لقواعد دقيقة، بها يحافظ الكائن المنتصب على انتصابه، وتستمرّ قواه البائيّة في الاشتغال (7). فالقوى الغذائيّة ذات طابع سحريّ لأنّ السّحر يستعين بالطّبيعة لخدمة الثّقافة، شأنه في ذلك شأن التّقنية.

في هذا السّياق تذكّرنا الأسطورة الهرقليّة بأنّ الشّهوة المفرطة في حسّيتها lubricité كانت تُقال بلغة الشّهيّة الغذائيّة (8). فهي هذا النّهم والإفراط الشّديد في شهوة الطّعام، فـ“لا تَمْتَلِئ عينُ الآكل ولا تَشْبَع”، كما جاء في اللّسان. ولمّا كان البطل الإغريقيّ له من السّمات الأنثويّة ما هيّأه لأن يُختزل جسمُه في بطن يصلح للأكل وإنجاب الولد، وفي حلّة تختزل المرأة في مظهرها، فهي مجرّد “خارج جميل” un beau dehors، فإنّ هذه السّمات قد وافقت سمات هرقلHéraklès البطل الإغريقيّ المعروف ببطنه رمز شهيّته الخرافيّة، وبحلّة النّساء pèplos الّتي كانت تنافس جلد الأسد لباسه الرّسميّ. لقد كانت شهيّة هرقل مضرب الأمثال، من فرط ورودها المطّرد في المهازل الإغريقيّة (9). فكلّما جرى ذكر نَهَمboulimìa البطل أغرب النّاس في الضّحك. فقد كانت السنّة الأسطوريّة والدّينيّة تنسب إليه قدرته الهائلة على التهام ثور برمّته في سياق مسابقة في الأكل، وربّما نُسب إليه ما نُسب بسبب غائلة الجوع. غير أنّ ما يعنينا من كلّ هذا هو أنّ شهيّة هرقل المفرطة كانت تُفهم في المشاهد الهزليّة المختلفة على أنّها مكافئة لقوّة فحولته الجنسيّة. وعلى ذلك النّحو ينبغي أن نفهم ذاك المقطع الّذي بلغ فيه هرقل كورنثيا بلد الملذّات، وأكل فيه “أوكيمون بازيليك”،«Okimon-Basilic» ، وهي مومس تحمل اسم نبتة مثيرة للباه aphrodisiaque. فأكل الاسم، وهو اسم النّبتة، إنّما هو كناية عن أكل المسمّى الأنثى. فأكل الطّعام هو ترجمان الشّوق إلى أكل الأنثى.

إنّ سمات البطل الإغريقي هرقل ماثلة بشكل من الأشكال في حكاية من حكايات “الرّوض العاطر”. فأبطال هذه الحكاية هم “أبو الهيلوج، وأبو الهيجاء، والعبد ميمون، لم يكن في زمانهم أقوى منهم وأشجع. وكانوا من الطّغاة الّذين لا طاقة لأحد عليهم في الحرب.”. فهم يشبهون هرقل في قوّته البدنيّة، وفي قوّته الجنسيّة أيضا. فأبو الهيجاء قد دخل على ثمانين بكرا مصفّحات “لم يقدر على دخولهنّ أحد […] من غير إنزال.”. أمّا أبو الهيلوج فقد دخل “على هؤلاء النّساء والأبكار ثلاثين يوما”، وأيره “واقف لا ينام ليلا ولا نهارا.”. أمّا العبد ميمون فقد دخل خمسين يوما على “امرأة يقال لها المُنى، لم يهيّجها رجل في نكاحها”. وقد اشترط عليه أن “ينكح هذه المرأة خمسين مرّة بلا فِترة ولا فتور سواء أَنْزَل أو لم يُنْزِل.”، فما تركها إلاّ حين زاد على الشّرط عشرة أيّام أخر، وبعد أن “أهلكها فى نكاحها” وجعلها تترجّى سيّدتها بقولها “سألتك بالله العظيم إلاّ ما أرحتني ممّا أنا فيه، فقد انفكّت أفخاذي، ولا بقيت أقدر على الجلوس.”. كلّ هذه الأمثلة هي نماذج متنوّعة من الأسطورة الهرقليّة التي يمتزج فيها أكل الأنثى بالتهام الطّعام.

بيد أنّ هذا الامتزاج إن كان قد جرى في ثقافة الإغريق على صعيد العبارة (logos)، حيث كان يتمّ فيها وبها الانتقال الكنائي من “غذاء الحاجة (sitos)” إلى “جسد الشّوق (éros)” (10) فإنّ هذا الانتقال قد تحقّق في حكاية “الرّوض العاطر” بالقصّ، أو بالعبارة المحكيّة بالقصّ. ولا نقصد من لفظ “الانتقال” نقل حكاية شعبيّة من مجالها الشّفويّ وتحويلها إلى نصّ أدبيّ مكتوب، وإنّما تحوّل الحكاية ذاتها إلى طريقة في استخدام الخطاب على نحو يمكّن من عقد علاقة مخصوصة بين “الطّعام والباه” (11).

لا ينبغي أن يعزب عنّا أنّ هذه الحكاية قد وردت مضمّنة في “الباب الحادي والعشرين، وعنوانه”في منافع البيض وأشربة تقوّي على الجماع وهو خاتمة الكتاب“. فهي بحكم طريقة نظمها موظّفة لتمثيل موضوع هذا الباب وتأويله على نحو سرديّ. فالحكاية تنهض بدور العلامة المطبخيّة un signe culinaire لتفسير هذا الانتقال من القوّة الغذائيّة إلى القوّة البائيّة تفسيرا سرديّا. فإذا سلّمنا بأنّ للقصّة طريقةً مخصوصةً في تفسير الوقائع والأحداث بترتيبها في ضرب من النّظام بمزيّة الحبكة جاز لنا أن نعتبر التّفسير السّرديّ مختلفا عن التّفسير بالعلل (explication par des raisons (12. آية ذلك أنّ كلا التّفسيرين قد بنى هذه العلاقة بين”الطّعام والباه“على نحو مختلف. أمّا ملامح التّفسير بالعلل فنجده عند أرسطوطاليس. وقد اعتمده هذا الفيلسوف لبيان ما بين”الطّعام والباه“من علاقة أوضحها على نحو طريف في رسالة صغيرة نشرت بعنوان”الإنسان العبقريّ والسّوداء (أو الماليخوليا)“، L’Homme de génie et la mélancolie، المعروفة باسم”المسألة الثّلاثون“، Problème XXX، ننقل منها هذا المقطع:

”ويتّفق أنّ في مزاج الكرم ومزاج المرّة السّوداء ريح […] وفي الخمر ريح بما يفعله من فعل. ولأجل ذلك كانت الخمر وخليط المرّة السّوداء من طبيعة واحدة. وممّا يثبت وجود الرّيح في طبيعة الخمر إنّما هو الزّبد. ذلك أنّ الزّيت لمّا يكون ساخنا لا يكون منه زبد، أمّا الخمر فتُزْبِد كثيرا، والخمر القانيةle vin noir تُزْبِد أكثر من الخمر الصّفراء le vin blanc، لأنّها أكثر حرارة وأجساما. ومن أجل ذلك كانت الخمر تهيّج النّاس على الجماع، وقد كان يقال بكلّ صواب إنّ دينوزس وأفروديت قد ارتبط أحدهما بالآخر، وأنّ معظم السّوداويّين كانوا كَلِفِين بالنّكاح. ذلك أنّ علّة النّكاح هي الرّيح. آية ذلك أنّ عضو الذّكر le pénis، على ما فيه من صغر، إن كان ينتشر بسرعة، فلأنّه ينتفخ بفعل الرّيح.“(13).

ما الّذي يعنينا من هذه الفقرة المقتطفة؟ أمران:
أوّلهما: أنّ الخمر كالطّبيعة مغيّرة للطّبائع بسبب تماثل العلّة. فإن كانت الطّبيعة تغيّر طبع الإنسان كامل حياته، فإنّ الخمر تغيّره إلى حين وأجل مسمّى.

ثانيهما: أنّ طبيعة الخمر وطبيعة خليط المرّة السّوداء، [le mélange de de la bile noire-، متشابهتان، فكلتاهما تحوّر الطّبائع بسبب طبيعتهما المتشابهة.

ولإثبات أنّ العلّة واحدة، وهي أنّ الخمر والمرّة السّوداء من طبيعة متشابهة، إذ كلتاهما تغيّر طبائع الإنسان، استعان أرسطو بمثال النّكاح. فللسّوداويّين كلف بالنّكاح بسبب ما في المرّة السّوداء من ريح. فبسبب تلك الرّيح كان عضو الذّكورة ينتشر وينتفخ. وإن كان أرسطو في آخر هذه الفقرة قد أضمر الحديث عن الخمر، فلم يقل إنّ شربها يجعل ذكر شاربها ينتشر وينتفخ، فلأنّه قد سبق أن قال”ومن أجل ذلك كانت الخمر تهيّج النّاس على الجماع“. ولكن ما لم يقله على نحو صريح هو: لِمَ كانت طبيعة الخمر والمرّة السّوداء تجعل عضو الذّكورة ينتشر وينتفخ؟ فعلّة الرّيح لا تكون مؤثّرة إلاّ إذا كان في طبيعة المعلول، أي عضو الذّكورة، ما يجعله متهيّئا لتقبّل تأثير الخمر والمرّة السّوداء، واستقبال ريحهما. لقد كان جواب أرسطو تلميحا لا تصريحا لمّا قال:”إنّ ديونوزس وأفروديت قد ارتبط أحدهما بالآخر“. إذا علمنا أنّ أفروديت Aphrodite، ربّة الحبّ والخصوبة عند الهلّينيّين قد وُلدت من الزّبد الّذي انقلب إلى قوّة خلق وولادة، فإنّ هذا التّرابط بين الزّبد والخلق قد جسّمه اسم أفروديت ذاته. فلفظ áphros الإغريقيّ هو المقابل للفظ”زبد“، écume. ولكن ليس كلّ زبد خلاّق. فالزّبد الّذي خُلقت منه أفروديت كان نتيجة لقاء بقضيب أورانيوس وخصيتيه في عرض البحر، في الأمواج العاتية (14). ويعني ذلك أنّ ارتباط ديونيزوس بأفروديت يفسّر بما في طبيعة المنيّ من ريح. فهو من طبيعة الزّبد. ويفسّر أرسطو طبيعة المنيّ الزّبديّة في كتابه”مقالة في خلق الحيوان“بقوله:”أمّا ما جعل المنيّ أبيض، فلأنّه من زبد، والزّبد أبيض […] ثمّ لا يبدو أنّ القدامى كانوا يجهلون جهلا تامّا أنّ المنيّ، بطبعه، ضرب من الزّبد. ذلك أنّه من هذه الخاصّة propriétéمن خواصّ المنيّ استنبطوا اسم الإلهة (أفروديت)، ربّة جماع الجنسين“(15).

إذا استحضرنا أنّ”الخمر القانية تُزْبِد“بدورها اتّضح لنا أنّ ما يجمع بين الخمر والمرّة السّوداء والمنيّ هو الرّيح. فحضور الرّيح في جميع هذه العناصر هو ما يفسّر طبيعتها الزّبديّة. بل لعلّ حضور هذه الطّبيعة الزّائدة في الجسم على نحو متفاوت الحدّة والهيجان هو الّذي دفع أرسطو إلى أن يطرح هذا السّؤال:”بأيّة علّة كان جميع أولئك الرّجال الاستثنائيّين، في الفلسفة، وسياسة الدّولة، والشّعر أو الفنون، سوداويّين mélancoliques على نحو بيّن […]“(16).

إنّ لفظ”الاستثناء“، المقابل العربي للّفظ الإغريقيّ «perittos»، يعني ما هو زائد على الحاجة superflu، والمُفرط excès، و”الاستثنائيّ“«exceptionnel» أيضا، ولكن بمعنى استعاريّ. وإن كان هذا الزّائد متأتّيا من حضور الرّيح في مزاج السّوداويّين، فإنّ هذا الزّائد هو الّذي جعل من السّوداويّين رجالا استثنائيّين. فالعنصر الزّائد، وهو الرّيح، يمثّل العلّة الّتي تفسّر تغيّر مزاج السّوداويّ، وتفسّر أيضا تغيّر مزاج شارب الخمر، وتغيّر مزاج الفحل من الرّجال أيضا. وهذا التّغيّر في الأمزجة هو الّذي يجعل من السّوداويّ وشارب الخمر والفحل رجالا استثنائيّين. فالعلاقة بين الزّائد «perssôma» والاستثناء(17) «perittos»  هي الّتي سعى أرسطو إلى أن يفسّرها تفسيرا بالعلل من خلال أمثلة السّوداويّ وشارب الخمر والنّاكح.

ولعلّ هذه العلاقة ذاتها هي الّتي سعت بعض حكايات”الرّوض العاطر“إلى تفسيرها على نحو سرديّ بـ”تقصيص“العلاقة بين”الطّعام الباه“. فالأطعمة الّتي تقوّي الباه وتكثّر المنيّ هي الّتي تجعل من بعض الرّجال فحولا، وتكسبهم”هويّة سرديّة“، تقلبهم إلى أبطال”استثنائيّين“.

من حكايات الملك…

”لقد وبّخ السّاحرات حين تنبّأن لي بأن أصبح ملكا، ثمّ طلب منهنّ التّحدّث إليه، فتنبّأن له بأن يكون أبا لسّلالة من الملوك.. وضعن على رأسي تاجا عقيما، ووضعن في يدي صولجانا لن تمسّه يد أولادي، وإنّما ستنتزعه سلالة الآخرين.. لن يخلفني ابن لي.“
شكسبير، ماكبث، فصل3، مشهد1، (18).

*

لنذكّر بأنّه قد ألّفت في الأغذية المقوّية للباه، كتب كثيرة، في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، هي أقرب في شكلها إلى فنّ القوائم والوصفات المطبخيّة. بيد أنّ هذا الفنّ قد وُجد مرويّا ”على طريق الحديث المشبّق“ في كتب الباه الأولى المصنّفة (19). ولعلّ من نماذج ”الحديث المشبّق“ معظم حكايات ”الرّوض العاطر“ الّتي وشّحت أبواب الكتاب. وهي في الجملة حكايات تشي بأنّ فنّ القصّ قد تضامن مع القضيبيّة الذّكريّة تضامنا وُظِّف لإنتاج أسطورة أخرى من أساطير الفحولة، أو الإنسان الفحل، بما هو صورة مثاليّة للكائن المنتصب. وقد تداخل فيها السّرديّ بالأسطوريّ لصناعة أسطورة الفحل. ومن الطّرائق المساهمة في صناعة هذه الأسطورة الوصفاتُ الغذائيّةُ الشّبيهة بإكسير الحبّ السّحريّ. من هذه الوصفات ما وجدناه في الباب الحادي والعشرين، وعنوانه”في منافع البيض وأشربة تقوّي على الجماع وهو خاتمة الكتاب“، نورده كاملا لأنّ فيه حكاية رُويت بأسلوب ”الحديث المشبّق“. وهذه الحكاية هي واحدة من حكايات المُلْك، كقصّة الملك أوديب وأبيه الملك لايوس، وقصّة الملك ماكبث في مسرحيّة شكسبير، وقصّة حلم الملك نبوخذنصر في قصّة دانيال (20)… فكلّها حكايات يتصارع فيها السّلاليّ le filial والسّياسيّ في إطار إشكاليّة تتعلّق بوراثة الملك وانتقاله عبر شجرة الأنساب من الأب إلى الابن.

لنصغ إلى الحكاية:

”اعلم يرحمك الله أيّها الوزير، أنّ هذا الباب فيه منافع كثيرة جليلة، تقوّي على الجماع للشّيخ الكبير والطّفل الصّغير. وهؤلاء قال فيهم الشّيخ النّاصح لخلق الله:

من داوم على أكل أمخاخ البيض كلّ يوم بلا بياض على الرّيق هيّج عليه الجماع، ومن أخذ صلق الهليون وقلاه بالسّمن، وصبّ عليه صفر البيض مع الأبْزار الموقوفة، وهي العطرية، وداوم على أكلها، قوي على الجماع وهاج عليه، واشتاقه شوقا عظيما. ومن دقّ البصل ووضعه في برمة وجعل عليها الأبْزار العطريّة وقلاها فيه بزيت مع صفر البيض وداوم عليها أيّاما، رأى من القوّة على الجماع ما لا توصف به. ولبن النّوق أيضا ممزوج بعسل، وداوم عليه أيضا، يرى من القوّة عجبا، ولا ينام عليه أيره ليلا ولا نهارا. ومن داوم على أكل البيض المشوي مع البُرّ، أو الدّار صيني، والفلفل أيّاما، زاد قوّة في الجماع، وقوي له الإنعاظ، ودام الانتشار حتّى لا يكاد ينام. ومن أراد النّكاح اللّيل كلّه وأتاه ذلك على غفلة قبل أن يستعمل جميع ما ذكرنا فليأخذ من البيض قدر ما يجد له شبعا، ثمّ يلقيه في طاجين، ويضع معه سمنا طريّا أو زبدا، ويلقيه في النّار، حتّى يطيب في ذلك السّمن ويكون كثيرا، ثمّ يلقي عليه ما يغمره عسلا، ويخلط بعضه على بعض، ويأكله بشيء من الخبز شبعا لا ينام أيره في تلك اللّيلة. وقال بعضهم في ذلك أبياتا:

وحتّى أبو الهيلوج قد قام أيره*** ثلاثين يوما من تقويته البصل
وأيضا أبو الهيجاء قد افتضّ ليلة*** ثمانين بكرا عن تمام ولم يكل
وكان أبو الهيجاء يأكل حمصا*** ويشرب لبن النّوق ممزوجا بالعسل
ولا تنس ميمونا فقد بلغ المنى*** على نكحها خمسين يوما بلا مهل
فما برح الميمون يوما لشرطها*** وزاد على الخمسين عشرا ولم يمل
وكان غذاء العبد ميمون دائما*** مخاخ اصفرار البيض بالخبز إن أكل

وخبر أبي الهيجاء والعبد ميمون وأبي الهيلوج مشهور، وقصّتهم معروفة نأتي بها لتتميم الفائدة وهي هذه.

(حكي) أنّ الشّيخ النّاصر لدين الله قال: كان فيما مضى قبلكم من سالف الأزمان وقديم العصر والأوان، ملك عظيم السّلطان، كثير الجنود والأعوان. وكان له سبع بنات بارعات الحسن والجمال والبهاء والكمال والدّلال، والسّبعة على رؤوس بعضهم بعض. ليس بينهنّ ذكر، خطبهنّ ملوك الزّمان، فأبين أن يتزوّجن، وكنّ يلبسن ملابس الرّجال، ويركبن على الخيل الموسومة بالعدّة الذّهبيّة، ويتقلّدن بالسّيوف ويقاتلن الرّجال في ميدان الحرب، وكان لكلّ واحدة منهنّ قصر عظيم، وخدم وعبيد قائمون بأمور القصور في كلّ ما يحتجن إليه من أكل وشرب إلى غير ذلك. فإذا أتى خطيب إلى أبيهنّ، يبعث إليهنّ ويشاورهنّ فيقلن: هذا لا يكون أبدا، فبغض النّاس في أعراضهنّ، فمنهم من يقول فيهنّ الخير، وبعضهم يقول الشّرّ، مدّة من الزّمان. ولم يطّلع أحد من النّاس على أخبارهنّ إلى أن توفّي أبوهنّ، فاستولت البنت الكبيرة على الملك، وكان اسمها فوتر، واسم الثّانية سلطانة الأقمار، والثّالثة البديعة، والرّابعة وردة، والخامسة محمودة، والسّادسة الكاملة، والسّابعة الزّاهرة، وهي أصغرهنّ وأرجحهنّ عقلا وأوفقهنّ رأيا. وكانت مولعة بالصّيد. فبينما يوما هي في صيدها وقنصها، إذ التقت في طريقها بفارس، ومعه عشرون مملوكا، فسلّم فردّت عليه السّلام، فسمع كلامها وهي ضاربة النّقاب. فقال: ليت شعري من يكون هذا، أرجل أو امرأة؟ وقد أتى لبعض عبيدها واستخبرهم، فأخبروه بالقضيّة كلّها، فسار معها إلى أن أتى فصل الغداء، فجلس معها للأكل يريد أن ينظر وجهها، فأبت أن تأكل، وقالت: إنّي صائمة. فلمح عينها وقدّها واعتدالها (21)، فقال لها: هل لك في الصّحبة من شيء؟ قالت: صحبة الرّجال لا تليق بالنّساء لأنّه إذا التقت الأنفاس، ووقع في قلوبهما الهواس، ودخل بينهما الوسواس، وصلت أخبارهما النّاس. فقال: صحبة الرّفاء بلا غشّ ولا هفاء. فقالت له: إذا صحبت النّساءُ الرّجالَ كثرت عليهم الأقوال، فيرجعون بأسوأ الأحوال، فيقعون في نكال وأهوال. فقال: تكون صحبتها خفيّة، وأمورنا هديّة، ونلتقي في هذه البادية. فقالت: هذا شيء لا يكون، وأمر لا يهون، وإن وقع وقعنا في الظّنون، وتغامزت بنا العيون. فقال لها: تكون صحبة وصال، ومتعة وجمال، وتعنيق ودلال، وبذل نفس ومال. فقالت: حديثك شهيّ، ومنظرك بهيّ، فلو كنت عن هذا نهي. فقال لها: حديثك يفوت، وخبرك منعوت، ووجهك في قلبي مثبوت، وإن فارقتني لا شكّ أموت. فقالت: تروح لمكانك، وأروح لمكاني، وإن قدّر الله نراك وتراني. ثمّ افترقا وتواعدا وسار كلّ واحد منهما إلى منزله لا يطيق الصّبر. وكان منزله منفردا خارج البلد الّتي هو بها. وكان أبوه تاجرا عظيما له أموال لا تحصى، ويقال له حبرور، وابنه هذا اسمه أبو الهيجاء، وبينه وبين منزله يوم للمجدّ. فلمّا جنّ اللّيل، لبس ثيابه وركب جواده وتقلّد سيفه واصطحب أحد عبيده، يقال له ميمون، وسار خفية تحت الظّلام. ولم يزل سائرا اللّيل كلّه، إلى أن قرب الصّبح، فنزل في جبل، ودخل في مغارة هناك هو وعبده ميمون وجواده. ثمّ أوصى العبد على جواده وخرج يسير إلى أن قرب إلى القصر الذي فيه الزاهرة فوجد قصرا زاهرا شاهقا، فرجع وجعل يرصد من يخرج منه إلى أن تناصف اللّيل، فنام ورأسه على ركبة العبد. فبينما هو نائم، وإذ بالعبد ميمون يوقظه، فقال له: ما الخبر؟ فقال: يا سيّدي إنّي أسمع حسّا داخل المغارة، ورأى ضوءا قليلا. فقام ونظر إلى الضّوء، فخرج هو والعبد، وأتى إلى مغارة أخرى بعيدا عنها، وقال لعبده: اجلس حتّى أرى ما الخبر. ثمّ غاب ساعة، وقصد المغارة الّتي كان بها، ودخل إلى أقصاها، فوجد دهليزا، فهبط إليه، فإذا فيه ضوء يخرج من بعض الثّقب، فعمل عينه في ثقبه ونظر، فإذا هو بتلك البنت ومعها ما يقرب من مائة بكر في قصر عجيب في ذلك الجبل، وفيه أنواع الفرش المذهّبة على ألوان شتّى، وهنّ يأكلن ويشربن ويتنادمن. فقال للعبد ميمون: آتني بأخي في الله أبا الهيلوج. فركب العبد، وسار اللّيل كلّه. وكان أبو الهيلوج من أقرب أصحابه وأعزّهم عليه، وهو ابن الوزير. وكان أبو الهيلوج وأبو الهيجاء والعبد ميمون لم يكن في زمانهم أقوى منهم وأشجع، وكانوا من الطّغاة الّذين لا طاقة لأحد عليهم في الحرب. فلمّا وصل العبد ميمون أخبره بما وقع فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. ثمّ ركب جواده ورفع أعزّ عبيده، وسار إلى أن وصل المغارة، دخل وسلّم عليه، فأخبره بما وقع له من حبّ الزّاهرة، وأخبره بما وقع في قعر المغارة. فتعجّب أبو الهيلوج من ذلك، وأخبره أيضا أنّه أراد الهجوم على قصرها، فوجده نافذا إلى هذه المغارة تحت الأرض. فلمّا جنّ اللّيل سمع لغطا وكثرة الضّحك والحديث. فقال له: ادخل وانظر لكي تعذر أخاك. فدخل ونظر، فافتتن من حسنها وجمالها. فقال له: من الزّاهرة من هذه البنات الأبكار؟ فقال: هي صاحبة القدّ البهيّ، والمبسم الشّهيّ، صاحبة الخدّ الأحمر، والتّاج المجوهر، والجبين الأزهر، والحلّة المذهّبة، والكرسي المرصّع، الّذي ترصيعه كثيرة ومساميره من فضّة وأحلاقه من ذهب، الّتي يدها على ثغرها. فقال: إنّي رأيتها بينهنّ كالعلم، ولكن يا أخي أخبرك بشيء أنت عنه غافل؟ قال: ما هو؟ قال: يا أخي لا شكّ أنّ هذا القصر عندهنّ للخلاعة، لأنّهنّ يدخلن من اللّيل إلى اللّيل، وهو محلّ خلوة وأكل وشرب وخلاعة، وإن حدّثتك نفسك أن تصل إليها من غير هذا المكان لا تقدر على شيء، لأنّها مولعة بحبّ البنات. فلذلك لا تلتفت إليك، ولا إلى صحبتك. فقال: يا أبا الهيلوج ما عرفتك إلاّ عارفا وناصحا، ولهذا بعثت إليك، لأنّي لم أستغن عن رأيك ومشورتك. فقال له: يا أخي لولا أنّ الله منّ عليك بهذا المكان لما كنت تتّصل بها أبدا، ولكن من هنا يكون الدّخول لهذا القصر إن شاء الله. فلمّا أضاء الصّباح، أمر العبيد بحفر ذلك المكان، فهدّموا منه قدر الحاجة. ثمّ إنّهم غيّبوا خيولهم في مغارة، وزربوا عليها من الوحوش واللّصوص، ثمّ رجعوا ودخلوا هم والعبيد لتلك المغارة، وبلغوا إلى القصر، وكلّ واحد منهم بسيفه ودرقته، وردّوا الثّقب كيف كانت ودخلوا القصر، فوجدوه مظلما. فقدح أبو الهيلوج الزّنادة، وشعل شمعة كانت هناك، وجعلوا يدورون يمينا وشمالا، فوجدوا فيه عجائب وغرائب، وفرش عجيبة ومساند على كلّ لون، وثريّات، وموائد وأطعمة وفواكه، وفرش عظيمة، فتعجّبوا من ذلك، وجعلوا يدورون فيه، ويعدّون منازله، فوجدوا فيه منازل كثيرة، ووجدوا في آخره بابا داخله خوخة صغيرة مقفولة بقفل. فقال أبو الهيلوج: أظنّ هذا هو الباب الّذي يدخلن منه. ثمّ قال: يا أخي تعالى نمكث في بعض منازل هذا القصر. فمكثوا في منزل عظيم مستور عن الأبصار، إلى أن أتى اللّيل، وإذا بجارية فتحت الخوخة، وخرجت وبيدها شمعة، فأضاءت تلك الثّريّات جميعا وسوّت الفروش، ونصبت الموائد، وأحضرت تلك الأطعمة، وصفّفت تلك الأقداح، وقدّمت تلك الزّجاجات، وبخّرت بأنواع الطّيب. فلم تكن إلاّ ساعة، وإذا بتلك الجواري والأبكار دخلن يتبخترن في مشيهنّ على الفرش. ومُدّت لهنّ الموائد بالأطعمة والأشربة، فأكلن وشربن وغنّين بأنواع الألحان، فلمّا امتلأن خمرا، خرج الأربعة من مكانهم وكلّ واحد ضارب نقابه على وجهه. فقالت الزّاهرة: من هؤلاء الهاجمين علينا في هذا اللّيل؟ أمن الأرض أم من السّماء نزلتم؟ وما الّذين تريدون؟ قال: الوصال. قالت الزّاهرة: ممّن؟ قال أبو الهيجاء: منك. فقالت: من أين تعرفني؟ فقال لها: أنا الّذي التقيت بك في الصّيد. فقالت: من أدخلك لهذا المكان؟ قال: قدّرت فخمّنت ما الّذي نفعل؟ وكان عندها أبكار مصفّحات، لم يقدر على دخولهنّ أحد، وعندها امرأة يقال له المُنى، لم يهيّجها رجل في نكاحها. فقالت: ما لي لا أكيدهم بهؤلاء الأبكار وأنا أنجو؟ ثمّ قالت: ما نفعل إلاّ بشرط. فقالوا لها: شرطك مقبول. قالت وإن لم تقبلوه فأنتم عندي أسارى، ونحكم فيكم بما نريد. فقالوا: نعم. فأخذت المواثيق والعهود عليهم، ثمّ ضربت يدها على يد أبي الهيجاء وقالت له: أمّا أنت فشرطك أن تدخل في هذه اللّيلة على ثمانين بكرا من غير إنزال. فقال: قبلت هذا الشّرط. فأدخلته إلى بيت، وجعلت ترسل إليه واحدة بعد واحدة، وهو يدخل بهنّ. إلى أن دخل على الجواري، ولم ينزل منه منيّ. فتعجّبت من قوّته وجميع من كان حاضرا. ثمّ قالت: وهذا العبد، ما اسمه؟ فقال: ميمون. فقالت: ينكح هذه المرأة خمسين مرّة بلا فِترة ولا فتور سواء أنزل أو لم ينزل إلاّ إذا أتته الضّرورة الّتي لا بدّ منها. فتعجّبوا من هذا الشّرط. فقال العبد ميمون: أنا أفعل. وكان يحبّ النّساء كثيرا، فدخلت معه المُنى إلى بيت، وأمرتها إذا عيا تخبرها. ثمّ قالت للأخير: وأنت ما اسمك؟ فقال: أبو الهيلوج. فقالت له: نريد منك أن تدخل على هؤلاء النّساء والأبكار ثلاثين يوما، وأيرك واقف لا ينام ليلا ولا نهارا. ثمّ قالت للرّابع: ما اسمك؟ فقال: فلاح. فقالت: وأنت نريد منك أن تخدم بين أيدينا. ثمّ قالت لهم: ما يوافقكم من الأطعمة حتّى لا يبقى عليّ حقّ؟ فشرطوا عليها حليب النوق والعسل الصّافي شراب من غير ماء لأبى الهيجاء، وغذاؤه الحمص مطبوخا باللحم والبصل. ثمّ طلب أبو الهيلوج البصل الكبير مع اللّحم وشراب البصل المدقوق يُعصر ماؤه ويُجعل في العسل، وتأتي صفة ذلك إن شاء الله. ثم قالت : وأنت ما تريد من الأغذية يا ميمون؟ فقال: غذائي مخاخ البيض مع الخبز. ثم أوفت لكلّ واحد بما طلب. فقال أبو الهيجاء قد أوفيت لك بشرط، فأوفي لي بالوصال يا زاهرة. فقالت: هيهات شرطكم سواء أنت وأصحابك. فإن كمل شرط أصحابك قضيت حوائجكم جميعا، وإن عجز واحد منكم نقضت وأسّرتكم بحول الله. ثمّ إنّ أبا الهيجاء جلس مع المرأة والبنات في أكل وشرب إلى أن أوفى أصحابه بالشّرط. فكانت قبل ذلك طامعة في أسرهم، وهي في كلّ يوم تزداد حسنا وجمالا وفرحا إلى أن كملت عشرون يوما، فتغيّرت. فلمّا بلغوا الثلاثين بكت فقد تمّم أبو الهيلوج الشّرط وأتى وجلس معه صاحبه، وهم في أكل وشرب وهى طامعة في العبد ميمون، لعلّه يكلّ أو يعيا من النّكاح، وفى كل يوم ترسل المنى وتسألها عنه، فتقول لها كل يوم يزداد قوة وما أرى هؤلاء إلاّ غالبين. ثمّ خرجت وقالت لهم: إني سألت عن العبد فقالوا لي: كلّ وعيي. فيقول لها أبو الهيجاء: إن لم يوف شرطه ويزيد فوقه عشرة أيام لأقتلنّه. ولم يزل كذلك حتّى كَمُلت الخمسين يوما. ففرحت المُنى لأنّه كان أهلكها فى نكاحها فتعدّت الخمسين يوما، ولم يبعد عنها. فبعثت المُنى للزاهرة تقول: يا مولاتي الشرط تعداه ولا أراه يفارقني. سألتك بالله العظيم إلاّ ما أرحتني ممّا أنا فيه، فقد انفكّت أفخاذي، ولا بقيت أقدر على الجلوس. فحلف أن لا يخرج إلاّ بعد عشرة أيّام. فزادها فوق شرطها عشرة أيام أخرى. فتعجّبوا من ذلك. فعند ذلك حازوا ما في القصر من أموال وبنات وخدم ونساء وحشم، وقسموا ذلك بالسّواء.

وهذه الغنيمة سببها سبب البنات المتقدّم ذكرهنّ، هو الأشربة التي تهيج على الجماع، وذلك مما يستحسنه العقل. وهو أن تدقّ البصل، وتعصر ماؤه، وتأخذ من ذلك كيلا، ومن العسل المنزوع الرغوة كيلا، فتخلط الجميع وتطبخه بنار ليّنة، حتى يذهب ماء البصل، ويبقى العسل فى قوام الأشربة، فتنزله من فوق النّار، وتبرّده فى زجاجة لوقت الحاجة. فخذ منه أوقية، فتمزجها مع ثلاثة أوراق من ماء قد نقع فيه ماء الحمص يوما وليلة، ويشرب فى ليالي الشتاء قبل النوم قليلا. فإنّ من يشربه لا يهدأ تلك الليلة. ومن داوم عليه لا يزال قائما أيره منشرا متيقّظا لا ينام. ومن كان حارّ المزاج فلا يشرب منه لأنّه يولد الحمّى. ولا ينبغي لأحد أن يـداوم علـيه ثـلاثـة أيام إلا أن يكـون شيـخا أو بـارد المـزاج. ولا يشـرب في الصّيف أبدا.

أستغفر الله من أضاليل اللّهو، وأباطيل اللّغو. وهو حسـبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما. لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. انتهى الكتاب المستطاب بعون الملك الوهاب انتهى وأنا فى الصــيف. انتهى.“(22).

الهوامش:

1 انظر في المجال الأوربي، Georges Duby, (1978) Les trois ordres ou l’imaginaire du féodalisme, Éditions Gallimard. أمّا في المجال العربي فنحيل على، كتاب أبو عثمان الجاحظ، كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان، تحقيق وشرح عبد السّلام محمّد هارون، دار الجيل، بيروت، الطّبعة الأولى، 1990، حيث كانت عيوب الرّجل الجسديّة وصما Stigmate دالاّ على سيادته، ودليلا على خوضه الحروب. فالوصم الجسديّ يستعمل في الثّقافات على أنحاء مختلفة ليَسِمَ دائما مرتبة الإنسان الاجتماعيّة. انظر في هذا السّياق، Erving Goffman, (1975) Stigmate, Les usages sociaux des handicaps, traduit de l’anglais par Alain Khim, Paris, Les editions de Minuit, coll «le sens commun».

2 العادل خضر، الأدب عند العرب، مقاربة وسائطيّة، تونس، منشورات منّوبة، دار سحر للنّشر، الطّبعة الأولى، 2004، ص367.

3 ينبغي أن لا نفهم لفظ التّخييل بالمعنى السّردي للكلمة، وإنّما بمعنى العمل الّذي يُجرى على بعض المواضيع حتّى يُخرج بعد إعداده وتسويته في هيئة أخرى غير هيئته الأولى ليضطلع بوظائف جديدة. ولمّا كانت التّخييلات تصنعها المؤسّسات، فإنّ التّخييلات الغذائيّة قد كانت من صنع المؤسّسة الطّبّيّة القديمة. فهي الّتي تجد في بعض عناصر الطّبيعة خصالها التّطبيبيّة والبائيّة… وتكتشف أسرارها الّتي تخدم الإنسان. وهي لا تكتشف هذه الخصال على نحو تجريبيّ خاضع لبنية الاكتشاف على غرار”الاكتشافات العلميّة الحديثة“، إنّما يخضع الاكتشاف في الفكر القديم للتّشابه الّذي فحصه فوكو في كتابه الكلمات والأشياء، في فصل”نثر العالم“(ميشال فوكو، الكلمات والأشياء، لبنان، مركز الإنماء القومي، 1989-1990، ص39)، حيث بيّن أنّ منطق التّشابه قد”(…) سمح بمعرفة الأشياء المرئيّة واللاّمرئيّة […] كان العالم ينطوي عل نفسه، فالأرض تكرّر السّماء، والوجود يتمرأى في النّجوم، والعشب يطوي في أوراقه الأسرار الّتي تخدم الإنسان…“. وعلى أساس منطق الـتّشابه هذا (أو الملاءمة) أمكن للتّخييلات الغذائيّة أن تتسرّب إلى كتب الباه والأدب والطّبّ في شكل قوائم ووصفات موجّهة لتقوية الباه وتكثير المنيّ وإرجاع الشّيخ إلى صباه.

4 انظر الباب الثّامن بعنوان”في معرفة مقدّمة تلزم معرفتها لمن أراد تركيب أدوية الباه“من كتاب أحمد بن سليمان ابن كمال باشا، كتاب رجوع الشّيخ إلى صباه في القوّة على الباه، مصر، المطبعة الكبرى الأميريّة ببولاق، 1309 هـ، ص.ص12-13. وممّا جاء فيه هذه الفقرة”اعلم أنّ نقصان الباه وقلّته إمّا أن يكون من قلّة المنيّ وإمّا أن يكون عن خروج مزاج هذه الأعضاء عن الاعتدال. فإن كان من قلّة المنيّ فعلاجه بما أنا (كذا) نذكره في كتابي هذا من الأغذية والأدوية والمعاجين الزّائدة في الباه، وإن كان عن فساد هذه الأعضاء الرّئيسة فيُداوى ذلك العضو بما يُصلح مزاجه. وأمّا زيادة الباه فإنّها تحصل من المطاعم والمشارب وحسن الرّياضة. لمن أراد ذلك فليعلم أنّه لا بدّ [أن] تجتمع في الغذاء أو الدّواء المستعمل لزيادة الباه ثلاث صفات. إحداها أن يكون مولدا (كذا) للرّياح الغليظة، الثّانية أن يكون كثير الغذاء، الثّالثة أن يكون معتدل الحرارة ليكون ملائما لطبع المنيّ. فإن اتّفقت هذه الأوصاف الثّلاثة [في] غذاء واحد حصل منه المقصود. والأَلْزَمُ أن يركّب الدّواء من اثنين أو ثلاثة أو ما زاد على ذلك. وسأضرب لك مثلا تحذو عليه في التّركيب إن شاء الله تعالى. اعلم أنّ الحمص قد اجتمعت فيه الأوصاف الثّلاثة: فيه غذاء كثير، وهو منفخ مولّد للرّياح الغليظة، وطبعه ملائم لطبع المنيّ. فلهذا المعنى كان زائدا في الباه…“. والإبراز إبرازنا.

5 انظر، Piero Camporesi, Les Baumes de l’amour, op.cit , p.p10-11

6 سهام الميساوي، الطّعام والشّراب في التّراث العربي، تونس، منشورات كلّية الآداب والفنون والإنسانيّات بمنّوبة، الطّبعة الأولى، 2008، ص.ص567-589.

7 تنعقد العلاقة بين القضيب والانتفاخ gonflement بطرق مختلفة باختلاف الثّقافات. ففي خصوص المجتمع القبائلي بالجزائر يبيّن بورديو، Pierre Bourdieu, (1998-2002) La domination masculine, suivi de Qulques questions sur le mouvements gay et liesbien, Édition augmentée d’une préface, Paris, points-Essais, p.p25-26 ، أنّه يمكن”أن نفهم أنّ القضيب، الماثل دوما على نحو استعاريّ، ولكنّه نادرا ما يسمّى، ويتسمّى، يستجمع كلّ الاستيهامات الجماعيّة للقوّة المُخصبة. فهو، على هيئة الفطائرbeignets أو الكعكة galette الّتي تؤكل في مناسبات الولادة والختان وظهور الأسنان، يتصاعد وينهض. فرشم schème الانتفاخ الغامض هو المبدأ المولّد لطقوس الخصوبة. هذه الطّقوس، وهي الّتي نُذرت لجعل (القضيب وبطن المرأة) ينتفخ ولو على سبيل المحاكاة، بالتّوسّل على نحو خاصّ بالأغذية الّتي تَنفُخ وتُنفِّخ، تفرض نفسها في الأوقات الّتي يتوجّب فيها على فعل التّخصيب للقوّة الذّكريّة أن يُزاول، كمناسبات الزّواج، وكذلك في مُفتتح موسم الحرث، وهي مناسبة عملٍ يجانس شقّ الأرض وإخصابها.“.

8 انظر، Nicole Loroux, (1989-2008) Les expériences de Tirésias. Le féminin et l’homme grec, Paris, nrf essais, Gallimard, p.p.150-153.

9 انظر، Nicole Loroux, Les expériences de Tirésias, op.cit p.151. حيث تورد مثالا من هذه المهازل تذكر فيه أنّه في مهزلة ليسِسْتراتا Lysistrata (هي كوميديا إغريقيّة قديمة كتبها أريسطوفان Aristophane سنة 411 ق.م، استعمل فيها كثيرا هزل الكلام الفاحش ذا الإيحاءات الجنسيّة) كان الزّوج الّذي غلبته شهوته يصرخ”أَيْري، هو هرقل في وليمة“،  Mon pénis, c’est Héraklès au festin

10 والعبارة الكاملة هي: « Le vrai plat cuisiné est toujours en quelque façon la relève symbolique par le logos de l’aliment du besoin (sitos) en corps du désir (éros). » ،”والطّبق المطبوخ جيّدا إنّما هو بطريقة مّا استبدال رمزيّ للوغوس غذاء الحاجة (sitos) بجسد الشّوق (éros)“. قد وردت في كتاب، Louis Marin, (1986) La parole mange et autres essays théologico-politiques, Canada, Éditions du Boréal Expres, p140.

11 لا يوجد وجه واحد في استعمال الخطاب الّذي تنعقد به العلاقة بين”الطّعام والباه“. فقد بيّن جون فلورنس Jean Florence أنّه في النّظريّة الفرويديّة إن كان الشّكل الذّكريّ له اتّجاه عموديّ فإنّ الشّكل الأنثويّ له امتياز”التّكوّر“أو”الاستدارة“، «la rondeur»، ثمّ يضيف هذه الملاحظة:”لقد جرى التّعبير عن دلالة العلاقات الجنسيّة بسجلّ المأكل والمشرب. فالضّخامة grosseur تستدعي الحمل grossesse، والوعد بكمال الأنوثة“، والإبراز إبرازنا. انظر،Monique Schneider, (2004-2006) Le paradigme féminin, Paris, Champs Flammarion, p137.

12 في خصوص التّفسير بالعلل الّذي اقترحه وليام دراي William Dry نقتصر على الإحالة على كتاب، Raymond Aron, (1991), Leçons sur l’hitoire, Paris, Le livre de poche, p.p155-173.

13 انظر، Aristote, (1991) L’Homme de génie et la mélancolie. Problème XXX, Traduction, présentation et notes par. Jakie Pigeaud, Paris, Rivages, coll « Petite bibliothèque», p.p 89-90. ومن هذه المسألة أخذنا هذه الفقرة «Il se trouve que l’humeur de la vigne et le mélange de la bile noire contiennent du vent … Et le vin est venteux par son action. C’est pour cela que le vin et le mélange de de la bile noire sont de nature semblable. Ce qui rend évidente la nature venteuse du vin, c’est l’écume. Car l’huile, quand elle est chaude, ne produit pas d’écume; tandis que le vin en produit beaucoup, et le vin noir plus encore que le vin blanc, parce qu’il contient plus de chaleur et plus de corps. C’est pour cela que le vin incite les gens à l’amour, et c’est à juste titre qu’on dit que Dionysos et Aphrodite sont liés l’un à l’autre; et les mélancoliques, pour la plupart, sont obsédés par le sexe. Car l’acte sexuel met le vent en cause. La preuve en est le pénis, la façon dont il connaît, de petit qu’il est, une extension rapide, parce qu’il gonfle sous l’effet du vent

14 انظر، Peter Sloterdijk, (2005) SphèresII, Ecumes, sphérologie plurielle, Traduit de l’allemand par Olivier Mannoni, Paris, Maren Sell Éditeurs, p.p34-38.

15 انظر، Aristote, (2008) Traité de la génération des animaux, Traduction de Jules Barthélemy-Saint-Hilaire, Paris, Ladrange, 1866, Numérisé par Philippe Remacle, http://remacle.org/, Nouvelle édition numérique http://docteurangelique.free.fr 2008, 736b, § 9, p10.، حيث تحدّث عن طبيعة المنيّ بقوله: « Ce qui fait que le sperme est blanc, c’est qu’il est de l’écume, et que l’écume est blanche. […] D’ailleurs, il ne semble pas que les Anciens aient ignoré complètement que le sperme est, de sa nature, une sorte d’écume; car c’est de cette propriété du sperme qu’ils ont tiré le nom de la Déesse, qui est la souveraine de l’union des sexes (Aphrodite.

16 انظر، Aristote, L’Homme de génie et la mélancolie. Problème XXX, op.cit, p83. حيث يقول في مطلع الرّسالة «Pour quelle raison tous ceux qui ont été des hommes d’exception, en ce qui regarde la philosophie, la science de l’Etat, la poésie ou les arts, sont-ils manifestement mélancoliques […]»

17 يمكن أن يفهم من كلّ ذلك أنّ الإنسان الاستثنائيّ «perittos» إنّما هو إنسان البقية الباقية résidu «perssôma»، أو هذا الرّاسب sédiment من كلِّ شيءٍ لم ينضج. فهو موضع ما لم ينضج. ولكنّه يتماسك ويظلّ هائجا محتدّا عنيفا في الجسم. فلفظ «perssôma» الإغريقيّ يعني، شأنه شأن لفظ «perittos»، هذا الزّائد على الحاجة، هذه البقية الباقية، هذه المادّة الزّائدة، هذه الحثالة الباقية بعد الطّبخ coction، وهذا المزاج الغبيّ، وإبداعيّة العبقريّ الخلاّقة، والخيال المجنّح. في تخريج جميع هذه المعاني، اعتمدنا بعض ما جاء في مقدّمة Jakie Pigeaud ضمن كتاب، Aristote, L’Homme de génie et la mélancolie. Problème XXX, op.cit, pp19-20.

18 ويليام شكسبير، مكبث، ترجمة حسين أحمد أمين، دار الشّروق، الطّبعة الأولى، القاهرة، 1994، ص71.

19 نجد الآثار الأولى في”أسماء الكتب المصنّفة في الباه الفارسي والهندي والرّومي والعربي على طريق الحديث المشبّق“، الواردة في”الفنّ الثّالث من المقالة الثّامنة“من كتاب، أبو الفرج محمّد بن أبي يعقوب إسحاق المعروف بالورّاق النّديم، كتاب الفهرست. تحقيق رضا تجدّد ابن عليّ زين العابدين الحائري المازندراني، دار المسيرة، الطّبعة3، 1988، ص376.

20 سبق لنا أن حلّلنا هذه القصّة في، العادل خضر، نسيان ما لا ينسى، أو صور الأصل في الأدب، مقالات في التّأويل الأدبيّ، تونس، الدّار التّونسيّة للكتاب، الطّبعة الثّانية، مزيدة منقّحة، 2015، ص.ص158-183.

21 في نسخة أخرى نجد هذه العبارة”فلمح عينيها ويديها فتمكّن قلبه من تغنيج عينيها وقدّها واعتدالها”.

22 محمّد بن محمّد النّفزاوي، الرّوض العاطر في نزهة الخاطر، م.م، ص.ص66-72. والإبراز إبرازنا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق