كما لو شبّه لي ذلك (1)

تجربتي اليوم في العيادة كمتدرّبة، مبتدئة في ممارسة التَّحليل النّفسيّ، جعلتني في وضعيَّة صعبة، إذ تحرَّكت في داخلي ومن خلالي أشياء جديدة تبحث عن أشكال سيرورتها الوجوديَّة المعرفيَّة والاجتماعيَّة كتحوُّل وتغيُّر يخصُّني.

بدا لي الأمر غريبا إلى درجة قصوى، وأخذت بي التَّساؤلات من كلّ جانب وهي تتوالد بهستيريَّة قاسية في عنفها المفرط، الملحّ على البحث عن الإجابات الواضحة المقنعة إلى أبعد الحدود في ممارسة الفهم والتَّحليل والتَّفكير النَّقدي، والتَّأمُّل والتَّخييل الاحتماليّ، بما يفيد النَّظر في كلّ الوجوه والقبول بكلّ الحالات، خاصَّة السلبيَّة والظَّنيَّة منها. وظلَّ التَّساؤل الحرج الَّذي هو ملك الأسئلة: هل يمكن لكائن إنسانيّ من ورق أن يعيش بين النَّاس؟ أو بتعبير آخر، لكن للأسف تنقص هذا التَّعبير الدّقة الكامنة في قرارة النَّفس، والمتمنعة بفعل قصوري الذَّاتيّ، عن أخذ شكلها اللُّغويّ المناسب: كيف أمكن لإنسان أن يتلبَّسه متخيّل الكتابة، بمثاليَّة رائعة تشي بحياة فكريَّة واقعيّضة، تحدّد وتعيش حياة واقعها الحيّ كمتخيّل، أن يعيش حياته بين النَّاس بكلّ ما يكتنف هذه الحياة من صراعات وتناقضات ومعايير واتّجاهات وقيم…؟

كعادتي على السَّاعة الثَّامنة توجَّهت صباح هذا اليوم إلى العيادة، وعند وصولي سلَّمت على خالتي سمية المكلَّفة بشؤون النَّظافة. وبعد أن خلعت معطفي، وشرعت في ترتيب ملفَّات بعض الأشخاص الَّذين يخضعون للعلاج، لتناسب لائحة المواعيد، حتَّى تكون كلّ الأمور جاهزة على السَّاعة العاشرة، وهو الوقت الَّذي تحضر فيه الدُّكتورة نجاة صاحب العيادة، وهذا ما أفعله دائما، وقد أجري بعض الاتّصالات الهاتفيَّة، كما أردُّ على اتّصالات أخرى. إلاَّ أنَّ هذا الصّباح كان مباغتا ومفاجئا ومختلفا، إذ ما كدت أبدأ عملي حتَّى فوجئت بنداء خالتي سمية الَّتي تمازحني كالعادة بلقب الدُّكتورة:

الدُّكتورة سناء رجل في قاعة الانتظار جاء لأوَّل مرَّة.

بمجرَّد ما أدخلت الرَّجل إلى القاعة الأولى، وقمت بتسجيل بعض المعلومات الشَّخصيَّة كإجراء أساسيّ، إلى جانب ضبط وتحديد الموعد المناسب للزيارة، حتَّى انفجر كلاما ملتهبا اعتقادا منه أنَّني دكتورة بحقّ وحقيقي، أو ربَّما غلطته خالتي سمية حين سمعها تخاطبني وهي تمازحني بلقب “الدُّكتورة”. أخذ في حكي ما سمَّاه المشكلة الَّتي تؤرّقه وتعذّبه إلى درجة الشُّعور بالانهيار والخراب الذَّاتيّ. حاولت باحترام ولباقة أن أوضّح له بأنَّ الدُّكتورة لم تحضر بعد، وأنَّها هي الَّتي بإمكانها أن تنصت إليه، لكن كان صوته يسبق صوتي دون أن يكلّف نفسه مشقة الاستماع إلى التَّوضيح الَّذي لم أكفَّ عن تكراره. لم يكن في وسعه أن ينتظر إمَّا لأنَّه كمرجل يغلي، أو ربَّما تعوَّد الإنصات لصوته ونفسه بدعوى أنَّه على حقّ لا يشوبه باطل:

أشعر يا دكتورة بأنَّ حياتي ذهبت سدى، لم يعد لها أي معنى، فاجأني الزَّمن ولم أنتبه إلى نفسي في وقت كان العمر يهرب منّي وأنا أطارد سراب امرأة أحببتها بعشق جنونيّ وبصدق وإخلاص ووفاء بالعهد. خاصمت كلَّ شيء، العادات والتَّقاليد والأعراف والقيم السَّائدة الَّتي تحول بين الشَّاب في مجتمعنا وقناعاته واختياراته بحريَّة وإرادة. قاومت كثيرا ولم استسلم وأقسمت باسم حريّتي وأفكاري، وكلّ ما يشكّلني من الدَّاخل من مبادئ واخلاق وقيم غاية في الجمال والنُّبل أن أختار البنت الَّتي أحبُّها، وأن لا أتزوَّج إلاَّ الَّتي أريدها. حاولت أمّي وهي الحنونة الطيّبة بقوَّة وصلابة أن تثنيني وتهزمني في هذه المعركة الَّتي خاضتها بشراسة الأم الَّتي تدافع عن ابنها الَّذي ولدته وربَّته وسهرت من أجله اللَّيالي الطّوال المفعمة بالمرارة والعذاب والمعاناة، خاضتها بصمود الأمّ الَّتي تدافع عن جزئها الحيّ الَّذي هو ملك لها ولا يحقُّ لامرأة أخرى أن تأتي في لحظة جنونيَّة وتسرق ملكها الخاصَّ. هي الَّتي من لها الحقُّ فقط دون غيرها في التَّصرُّف في ولدها كما ترغب وتشاء. كما حاول أبي مقاومة رغبتي وكسر إرادتي، لكنَّه لم يقاتل بالجرأة والصَّلابة نفسها الَّتي مارستها أمي دون أن تعترف بالهزيمة. تدخل الأهل وبعض أصدقاء العائلة بدعوى أنَّ الفتى مسحور وعلينا بإنقاذه مهما كلَّفنا ذلك، وباءت كلُّ محاولاتهم بالفشل. لكن حافظت خلال هذه المعارك كلّها على خيط رفيع مع أسرتي وعائلتي، لأنَّني كنت واعيا بطبيعة المعركة الَّتي لم تكن ضدَّ أشخاص أحبُّهم ويحبُّونني، هم والداي وباقي أفراد أسرتي. كما كنت على يقظة تامَّة بخطورة العبء الثَّقيل للأفكار والعادات والتَّقاليد والتَّصوُّرات والمعتقدات السَّائدة الَّتي نعيش تحت وطأتها البشعة وهي تسحقنا. ونادرا ما كان يفلت منها المتعلّمون والمثقَّفون الحداثيون الَّذين يزيّنون خطاباتهم اللَّفظيَّة بالمصطلحات الثَّوريَّة الَّتي تنقض التَّقليد قولا لا عملا، حيث غالبا ما يتزوَّجون على سنة آبائهم وأمَّهاتهم بدعوى أنَّها سنة الله ورسوله.

تصوَّري بعد أربعين سنة من زواجي وأنا لا أزال احتفظ بعنفوان الشَّباب في العيش و التَّشبُّث بالأحلام نفسها لعلاقة نوعيَّة جديدة بين الرَّجل والمرأة. العاطفة الجيَّاشة والحبُّ المتَّقد والرَّغبة في التَّمتُّع بحقّ الحبُّ والعشق، ما تزال كلُّ هذه الأشياء الجميلة والرَّائعة في شباب أحلامها، ولم يصبها الزَّمن بعاهة الشَّيب والتَّرهُّل، ولا تسرُّب اليأس إلى نسغ جذورها. لكن المأساة الَّتي ظللت أداعبها وأحاول ترويضها أنَّ المرأة الَّتي قدَّمت كلّ تلك التَّضحيات معها لم تكن معنية بآفاق تلك المعركة، ولا كانت مهتمَّة بالثَّمن الَّذي كنت أدفعه من ذاتي كلّها سنة بعد أخرى، على أن نبصم وجودنا في الحياة باسم الحبّ والاعتبار الإنسانيّ لعلاقة الرَّجل بالمرأة، وإن لم نخلّص أطفالنا من العاهات القديمة المترسّبة في العلاقات الاجتماعيَّة بين النَّوع الإنسانيّ، فعلى الأقلّ أن نخفّف من عبئها ونمنحهم أدوات أمل مواصلة اجتثاث هذه الجذور السَّامة الَّتي تحول بين القلب ونبضه، أي بين الرَّجل والمرأة.

وخلال هذا العمر كلّه كنت من حين لآخر أحاورها حول جدارة رحلتنا في الحياة، وأين وصلنا في التَّحرُّر من جلدنا القديم، ومن تنظيف ما يقبع من حقارات في أعماقنا، لكن كانت منطلقاتنا تختلف عن أحلام العشق الأوذَل لحبّ الشذَباب، ولم نكن نرى الشَّيء نفسه في الإنتظارات والتَّخمينات، وعلى مستوى سقف الرُّؤى، ليس لضرورة الاختلاف الَّذي هو ثراء ورحمة، بل هروبا من تلك الأحلام الجميلة الَّتي كانت تنزلق من فوق ألوان طيف قوس قزح ببهجة العشق وحريَّة حبّ الحياة الَّتي كانت أفكارنا الجديدة تخلقها على ضوء القمر المبدَّد لظلمة اللَّيل البهيم.

وكثيرا ما كنَّا نردّد بأنَّ معركتنا لم تكن من أجل زواجنا وارتباطنا، ولا ضدَّ أسرنا بقدر ما كانت ضدَّ علاقات اجتماعيَّة تسحقُّ إنسانيتنا. هذا ما كنَّا نسهب دون ملل ولا كلل النّقاش فيه. لكن مع تمرحل الحبّ، أو بالأحرى الربّاط الزَّوجيّ، اختلف تقييمنا للنَّجاح، لكلّ خطوة نخطوها في الحياة، بين تكريس السَّائد القديم أو هدمه دون خوف من إرثه الثَّقيل. ومع أنَّني كنت محاربا عنيدا، ومجنون أمل في تذليل العقبات، إلاَّ أنَّني أعترف، بعد هذه العقود المترعة بالأحزان وعشرات المشاعر الأخرى الَّتي كانت تحصّن أعماقي من خطر سقوط كينونة الإنسان الَّتي أخذت تنمو في داخلي، بأنّي خسرت أشياء كثيرة من أحلامي الورديَّة، ومن سنوات عمري كما لو اغتصبت منّي، كما تغلبت على الكثير من الأوهام المترفة. أربعة عقود وأنا عاجز مهما حاولت عن رؤية وجهي في مرآة زوجتي، وكانت هي الأخرى مصرّة على الانكفاء الذَّاتيّ بعيدا عن شراكة التَّفاعل والحوار في نوع من الحرب الباردة، أو كما لو كنَّا في حاجة إلى تعلّم لغة الصمّ والبكم في حوار بلا حوار.

بدا لي الرَّجل كما لو كان يحفظ عن ظهر قلب كتابا سحره وسلب لبَّ عقله. قلت في نفسي لا بدَّ أنَّ الرَّجل يرزح تحت وطأة إيديولوجيَّة نظريَّة مَّا، ويريد هو الآخر أن يحوّلها إلى قوَّة مادّيَّة فاعلة في التَّاريخ، هو طليعتها وامرأته النَّوع الإنسانيُّ البديل الثَّوريُّ والوحيد القادر على قيادة المعركة لدحر التَّعفُّن والسَّائد غير المرغوب فيه.

وفي لحظة خاطفة، وهو يتكلَّم ويحرّك يديه بقلق حادّ كما لو كان يساير بإيقاعات جسده حرائق تشتعل في داخله، لم يكن يتكلَّم فقط بل أيضا كان يتألَّم، لذلك شعرت بحزن فظيع يقبض على قلبي في غفلة منّي، ممَّا ورَّطني في تجسير الهوَّة الموضوعيَّة الحياديَّة الَّتي كان من المفروض عليَّ أن أحافظ على مسافتها. لكن سرعان ما وجدتني أنتفض بذعر وأنا أتخيَّل الرَّجل تحت سطوة وسواس قهريّ لتجربة نموذجيَّة مثالية قرأ عنها، فسحره متخيّل الكتابة إلى درجة التَّماهي ممَّا حرمه من المسافة النَّقديَّة الَّتي تبحث عن اختلافها في المنسيّ والمكبوت والمتباين، والتَّناقض والكثير من العيوب، ومناطق الظّل الَّتي نتحايل على إخفائها، وليس عن الصَّريح العاري، ولا عن الانسجام والتَّماسك. وقلت في نفسي لماذا ورَّطني هذا الرَّجل في هذه اللُّعبة القذرة لجلد التمساح؟ جلسة اختبار واحدة عرَّتني من ردائي العلمي النَّظري وجعلتني معنية بهذه الحرب النَّفسيَّة القذرة. وقد هجمت عليَّ آلاف المشاعر الغامضة، والعواطف المتوترة الانفعالات، حيث انفجرت من داخل كهوفي القديمة، وهي تلتهب بحطب وراثتي النَّفسيَّة لتاريخي الأسريّ. وهكذا مرقت في أعماقي كومض نار البركان أصوات حارقة كالحمم: قذر، قذر، قذر…

لا أعرف كيف قرأ ما يجول بخاطري من أفكار وملاحظات، لأنَّه خاطبني بشدّة كما لو كان يدفع التُّهمة عن نفسه:

أعرف يا دكتورة بأنَّ الأفكار الجميلة لا تصنع واقعا جميلا، لأنَّ الحبَّ والجمال والإنسان، ليست هذه مجرّد باقات أزهار منثورة على الرَّصيف، وفي متناول كلّ عابر سبيل مهما كانت مكانته الاجتماعيَّة، من الأغنياء أو من قطَّاع الطرق. فالرَّبيع الإنسانيُّ هو أيضا في حاجة إلى الكثير من عذابات وآلام الشّتاء، إلى جانب رعب الرَّعد ورهبة البرق َّ الصَّاعقة، وغالبا ما يبيض الثَّلج سواد اللَّيل. هذه معاناة وأفراح لا تباع ولا تشترى. أعرف بأنَّه لكي أكون إنسانا حقيقيًّا يلزمني أن أدفع ليس فقط من لحمي الحيّ، بل أيضا من سنوات عمري.

تلفَّظ هذه الكلمات بمشقَّة كبيرة، فتوقَّف عن الكلام لأنَّه شعر بأنَّ صوته بدأ يخونه. كان منهكا ومتعبا كما لو أخرج دفعة واحدة حصاد أربعة عقود من المرارة والقذارة. أجال بصره في كلّ زوايا الغرفة ثمَّ رمقني بنظرة شاكرة، فضحتها ابتسامته الَّتي تموَّجت في قسمات وجهه، عندها مددت له كوبا من الماء وأنهيت الجلسة:

يمكنك أن تواصل كلامك في الجلسة الثَّانية يوم الخميس
غادر العيادة بهدوء، وبدا لي منشرحا خفيفا في خطواته، أو كما لو شبه لي ذلك…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق