التَّقارب بين العلم والدِّين

غالبا ما ينظر إلى العلم والدين باعتبارهما جانبين منفصلين من معتقداتنا وفهمنا بالضرورة، غير أني أرى الدين باعتباره محاولة لفهم غاية كوننا والعلم باعتباره محاولة لفهم طبيعته وخصائصه، ومن ثم فإن الاثنين مرتبطان ارتباطا وثيقا لا محالة. إن ما يدعى المبدأ الإنسي (anthropic principle) عن الثوابت الفيزيائية والاكتشافات الجديدة في الكسمولوجيا من قبيل “الانفجار العظيم”(Big Bang )، يوحي على الأقل بعلاقة كهذه. علاوة على ذلك، نحن نحاول فهم كل من هذين الحقلين بكل آلياتنا الإنسانية: الحدس، والملاحظات، والمنطق، والجماليات، وعلى الرغم من أن لدى العلم والدين تركيزان مختلفان على هذه الآليات، فإنهما يستخدمانها كلها. لقد مر العلم في الماضي بثورات غيرت رؤانا بالكامل، ومع ذلك ما يزال علم الماضي هذا محافظا دائما على صحة (validity) مهمة. إنه ما يزال يواجه العديد من أشكال عدم الاتساق، ويجب علينا أن نكون منفتحين على التغيرات الجديدة، مع فهم أعمق وصحة مستمرة للعلم الحالي بوصفها نموذجا تقريبيا أيضا. فهل نستطيع أن نتوقع تغيرات مماثلة وتعميقا لفهمنا الإنساني للدين؟ سأبحث التشابه والتفاعل القوي والمتنامي بين للعلم والدين، والذي أتصوره، جنبا إلى جنب مع إمكانية اندماجهما في النهاية ضمن فهم موحد أكثر لكل من غاية كوننا وطبيعته.

أولا، اسمحوا لي أن أحدد ما نعنيه عادة بكلمتي “العلم” و “الدين”. أعتقد أنه يمكننا أن نقول إن العلم محاولة لفهم بنية كوننا وكيف يعمل ــ بما في ذلك أنفسنا، لكوننا جزءا من هذا الكون. أما الدين فهو محاولة لفهم معنى الكون وغايته ــ بما في ذلك حياتنا. يمكن لأحدهم بطبيعة الحال أن يسأل، هل يوجد أي معنى أو غاية؟ وإذا وجد فما هو؟ إذا كان هناك معنى أو غاية، فلا بد أن يكون لهذا الأمر أثر كبير على طبيعة الكون.

تفاعل العلم والدين على مدى أجيال عديدة، وفي بعض الأحيان كان هذا التفاعل شديدا، اتفقا تارة واصطدما طورا. في الأيام الأولى كان القادة الدينيون البارزون في الغالب أفضل الفلاسفة والعلماء الدارسين في المجتمع. لكن اصطدامات واضحة بين العلم والدين نمت في الحضارة الغربية خلال القرنين أو الثلاثة الماضية بمجرد ما تطور العلم بشكل سريع. وقعت إحدى هذه الاصطدامات نتيجة لتطور العلم الحتمي، الذي يشمل القوانين العلمية التي يفترض من حيث المبدأ أن بإمكانها التنبؤ بكل الأحداث اللاحقة وعدم ترك أي مجال للعمل الإلهي. وقع اصطدام آخر حول أفكار دارووين التطورية، مؤلبا فكرة الخلق ضد فرصة التطور القائم على الصدفة فقط . بالنسبة للبعض، بدا أن التطورات العلمية تهدم أفكار الإنسان عن جمالية عالمنا وقدسيته. على سبيل المثل، في عام 1798 كتب ويليام ووردزوورث William Wordsworth قصيدة “الطاولات تنقلب”، التي تضم الأبيات التالية:

 العذب معرفة جلبتها الطبيعة؛
 فضولنا الفكري
 مسخ أشكال الأشياء الجميلة: ـــ
 نقتل لنُشرّح

في بعض الأحيان، يبدو أن الأفكار العلمية تجعل الأمور الدنيوية تمثل الجمال الحقيقي لعالمنا. ومن جهة أخرى، هناك وجهة نظر أعرب عنها ألكسندر بوب Alexander Pope عام 1732، عندما كتب [“مقالة عن الإنسان،” الرسالة 1]:

هو الذي يمكنه عبر ضخامة عظيمة أن يفهم،
أن يرى عوالم فوق عوالم تؤلف كونا واحدا،
أن يلاحظ كيف يعمل نظام داخل نظام،
أية كواكب أخرى تدور حول شموس أخرى
أية كائنات بشرية مختلفة، كل نجمة،
قد تخبر لم خلقتنا السماء على كما نحن.
ارتقى عمل علم الفلك فعلا في بعض الأحيان بأفكارنا وألهم تفكيرنا الديني.
بدا العلم في القرن التاسع عشر، في بعض الحالات، منسجما إلى حد ما مع الفكر الديني. لقد كانت الحتمية متعارضة مع وجهات النظر الدينية وكانت تبدو آنذاك جزءا ثابتا جدا من العلم. وأدى التطور إلى رأي مفاده أن خلق الحياة والبشر، كان ببساطة صدفة طبيعية.

التشابه في العلم والدين

إن كيفية بناء الكون وكيفية عمله، والتي هي تساؤل علمي، يجب ربطها، في اعتقادي الشخصي، بهدفه، أي بالتساؤل الديني. علاوة على ذلك، وفي اعتقادي، يوجد تشابه عام وكبير بين العلم والدين لا يعترف به في العادة علنا. يتحقق هذا الأمر جزئيا لأننا بشر نكد محاولين أن نفهم، ونستعمل كل آلياتنا البشرية وكل المناهج المتاحة في فهم كل من الدين والعلم، على الرغم من أن لدينا انطباعا بأن العلم يستخدم التجريب لكن الدين لا يفعل، وقد نعتقد بأن الدين يستخدم الإيمان أما العلم فلا، غير أن هذه الانطباعات ليست واقعية. ففي الواقع، يعتمد العلم بشكل أساسي على الإيمان، غير أننا لا نتكلم بشكل عام عن الإيمان في العلم، بل نتحدث بالأحرى عن المسلمات. على سبيل المثال، إذا أسقطت قلم رصاص، سوف يسقط بمعدل معين. ننتج قوانين فيزيائية تنبأ بحدوث هذا دائما، والحال أننا لا نعرف على وجه اليقين أنها ستفعل الشيء نفسه غدا. إننا نفترض ذلك من خلال إيماننا أو تسليمنا بثبات القوانين العلمية.

قدم غودل Gödel مبرهنة تظهر، من وجهة نظر رياضية، كيف أن الإيمان ضروري في العلم. تبحث مبرهنته الحالة التي نضع فيها مجموعة محددة من المسلمات من أجل برهنة شيء معين، حينئذ نقبل المنطق الرياضي العادي ونستخدمه لنستنبط أشياء من المسلمات. غير أن غودل أثبت أننا لا نستطيع أبدا أن نكون متأكدين حتى بأن المسلمات متسقة ذاتيا.

كان لدى أينشتاين Einstein إيمان بأن قوانين الجاذبية وقوانين الكهرباء والمغنطيسية والإشعاع يمكن أن تكون متحدة. لقد عمل على هذا الأمر لمدة عشرين عاما على الأقل خلال الجزء الأخير من حياته. وعلى الرغم من أنه لم ينجح قط، فإن تفانيه لمدة العشرين عاما من العمل على هذه المهمة مثل إيمانا والتزاما قويين.

ماذا عن التجارب؟ في الفكر الديني ندرك في الغالب أهمية الملاحظات التي تشبه تماما التجريب. إن علم الفلك، في الواقع، لا يشبه عادة مفهومنا للاختبار العلمي المختبري بل إنه ينطوي في المقام الأول على الرصد. وفي الدين، نلاحظ كيف يتصرف الناس، وما الذي يجعل شخصا ما متميزا؟ وما الذي يجعل الحياة ذات معنى وبهيجة؟

وهناك الحدس، فنحن على الأرجح لا ندرك كيف يستعمل العلماء الحدس في كثير من الأحيان، فغالبا ما يفكر العلماء “عجبا، هذا هو الحال الذي ينبغي أن يكون عليه الأمر حقا.” عندما اكتُشف أن الضوء كان شبيها بالموجة، وبما أن الأمواج كما هو معلوم تنتقل فوق شيء ما كسطح المحيط أو حبل، اعتقد العلماء أنه يجب أن يوجد شيء في كل أنحاء الكون سموه الأثير، والضوء كان موجة فوق ذلك الأثير. عمل الناس وكدوا محاولين اكتشاف الأثير، وكانت تجربة مايكلسون- مورلي Michaelson-Morley محاولة أظهرت أنه لا يمكن أن يوجد فعليا أي شيء مثلما اعتقد حدسيا أنه موجود.

هناك حدس بأن الكون كان دائما على ما هو عليه. لماذا؟ السبب، كيف يمكن لشيء أن يبدأ من لاشيء؟ يبدو لنا أن الكون دائما هو نفسه الآن، وأنه يفترض أن يكون هو نفسه دائما، إذ لا يمكن أن تكون له بداية. غير أن هذه الفكرة أيضا كانت خاطئة كما اتضح، فنحن الآن نعلم أنه كانت هناك لحظة فريدة في الماضي حين بدأ الكون من شيء صغير على نحو غير محدود، وأنه قد تضخم من ذلك الحين. لقد استخدمنا حدسنا في العلم ولا نزال نفعل، ونستخدمه في الدين أيضا. 

وهناك الوحي. فلطالما استمتعت بقصة رائعة لأوغست كيكيولي Auguste Kékulé الكيميائي الذي حاول جاهدا معرفة كيف هو شكل جزيء البنزين. واصل كيكيولي يفكر في ذلك ، وبينما كان جالسا قرب المدفأة ليلا عام 1866، حلم أنه رأى ثعبانا التف حول نفسه وأدخل ذيله في فمه. فجأة أدرك الجواب، “هذا هو! الدائرة ”. 

يمكنني قول نفس الشيء عن المايزر والليزر. فقد حاولت جاهدا إيجاد طرق جديدة أخرى لإنتاج الإشعاع غير طريقة أنابيب التفريغ الإلكترونية. أردت إنتاج موجبة قصيرة جدا لا تستطيع التقنيات العادية إنتاجها. لقد عملت على هذه المشكلة لسنوات عديدة، وفي صباح أحد الأيام، جلست باكرا في إحدى الحدائق متسائلا “ لماذا لم أقدر على فعل هذا؟ لابد أن تكون هناك طريقة”. فجأة خطرت لي الفكرة، ومن خلالها ظهر المايزر والليزر. من أين أتت تلك الفكرة؟ من الإلهام أو الوحي إن شئتم.

فكر حتى في المسيح. فبعد أربعين يوما قضاها متجولا في البرية، ومفكرا بلا ريب فيما قد يكون عليه المستقبل، خرج من هناك عارفا ما عليه القيام به.

تأمل الجماليات. يقول العديد من العلماء “هذه المعادلة جميلة! لابد أن تكون صحيحة!” كتب جون كيتس John Keats في قصيدته الكلاسيكية “أنشودة عن جرة إغريقية“قائلا” الجمال حقيقة، والحقيقة جمال.” وفي العلم يوجد الشعور نفسه.

ماذا عن المنطق والعقل؟ فالعلم يحاول جاهدا استعمال المنطق والعقل، ونحن نحاول استخدام كل قدراتنا البشرية خاصة الأكثر أهمية منها، وقل الشيء نفسه في الدين، إذ نلاحظ كيف يتصرف الناس، ونفكر في الكيفية التي نشعر بها، نقرأ الكتاب المقدس ونفكر في الكيفية التي تصرف بها الناس في الماضي ونطبق عقلنا ومنطقنا على هذه الملاحظات.

يعد كل من العلم والدين شكلين من أشكال الفهم الإنساني، ونتيجة لذلك يمكن أن يتغيرا. كانت الحتمية موضوع إيمان قوي جدا من قبل العلماء في القرن التاسع عشر، لكن بعد ذلك جاءت ميكانيكا الكم، لقد ولد علم جديد. تقول ميكانيكا الكم:“ الجسيمات ليست جسيمات فقط بل لديها أمواج ترافقها، إذ تتصرف الذرات كموجات في حالات كثيرة. ليس الجسيم جسيما أو موجة وحسب، إنه مزيج منهما.” يقول مبدأ عدم اليقين (The uncertainty principle)، الذي نتج عن ميكانيكا الكم، “ لا يمكننا أن نحدد بدقة الموقع والحركة في الوقت نفسه.” ندرك الآن أن عدم اليقين هذا يعني أن المستقبل لا يمكن التنبؤ به. ومع تغير كهذا في فلسفتنا وتفكيرنا، اختفت الحتمية.و ما إن بدأ غياب الحتمية وميكانيكا الكم يصبحا مفهومين، حتى كان الكثير من العلماء في حيرة. فكثيرا ما اقتبس عن ألبرت أينشتاين نفسه قوله: “إن الله لا يلعب النرد. ”

 لقد أقنعتنا النسبية الآن أنه لا وجود لشيء ثابت في هذا الكون، إذ لا يمكنك القول “إن الأرض تدور حول الشمس والشمس لا تدور حول الأرض.” فمن المقنع تماما القول“إن الأرض تدور حول الشمس”، لأنه يجعل الأمر أكثر بساطة إلى حد ما. لكنه صحيح على حد سواء، من حيث المبدأ، أن نقول إن الشمس تدور حول الأرض. لم نعد نعتقد أن أي نقطة في الكون ثابتة تماما، فالنسبية غيرت كل ذلك.

وهناك “الانفجار العظيم” (Big Bang). نعلم الآن أنه كان هناك لحظة فريدة عندما كان كل شيء صغيرا جدا، يمكننا أن نسميها لحظة الخلق. حارب الكثير من العلماء العظام هذا الموقف بحدة كبيرة، معتقدين أنه لا يمكن أن يوجد شيء مثل تلك اللحظة الفريدة. لكن الآن الجميع تقريبا مقتنعون.

لقد غيرت الطاقة المظلمة أيضا وجهات نظرنا. ففيما يبدو، يتسارع توسع الكون، ويعزو الفيزيائيون هذا عامة إلى قوة كونية جديدة مرتبطة “ بالطاقة المظلمة ”. لكن ربما يكون ذلك بسبب تغير قوة الجاذبية قليلا. نعمل دائما انطلاقا من المسلمات، ويجب أن لا نعتقد أننا نفهم كل شيء.

التخطيط الذكي والمبدأ الأنثروبي

في العقود القليلة الماضية، تزايد شعور عام بشكل سريع إلى حد ما، يهم فكرة التخطيط الذكي، فكلما فهمنا عالمنا أكثر وأكثر، أدركنا أنه متميز جدا، وهذا يحمل أحد الفروق الأساسية بين العلم والدين. لقد تبنى الدين عموما الموقف الذي يزعم بأن هناك شيء مميز جدا فينا باعتبارنا بشرا وفي عالمنا. نحن خلق الله، وقد خلقنا على نحو استثنائي. غالبا ما يردد العلماء، “ لا، كل شيء عرضي، لا يوجد شيء مميز فينا. ” ومع ذلك، فقد بات واضحا بشكل متزايد أننا هنا فقط لأن لقوانين الفيزياء قيم خاصة معينة. وهنا بعض من الأشياء التي قد تتوافق مع التخطيط الذكي لكوننا.

• من حسن حظنا أن كثافة الشمس ثابتة جدا، وأن الأرض تقع على المسافة الصحيحة من الشمس لتوفر درجات الحرارة اللازمة للحياة، وأن القمر الضخم الذي يدور حول الأرض يحمينا من المذنبات. يمكن لهذه الأشياء، في الواقع، أن تكون مجرد صدف مفرحة، لأن هناك ملايير النجوم في مجرتنا وهناك ملايير المجرات. وبينما العديد من النجوم والكواكب غير صالحة للحياة، فإن جزءا صغيرا قد يسمح بعدد من مصادر الحياة، ويعتقد العديد من العلماء أن نجوما عديدة تدعم الحياة في كوننا. قد يكون هذا صحيحا، على الرغم من أن احتمالية أية حالة واحدة صغير نسبيا، ربما كما هو حال احتمال بداية الحياة.

• لنفترض وجود نجم وكوكب مناسبين، ما احتمال أن الحياة يمكن أن تنشأ؟ إذا كان ذلك في الحقيقة عملية عشوائية من جزيئات اجتمعت بالطريقة المناسبة تماما، فإن الاحتمال صغير جدا. لقد قمت بعملية حسابية تقريبية، مفترضا أن نحو ثلاثين من الأحماض الأمينية يجب أن تجتمع معا بصورة عرضية بالطريقة الصحيحة تماما. من المرجح أن هذا يبدو أقل عدد ممكن من أجل أن تتشكل حياة تتكاثر ذاتيا. وإذا افترضنا أن الأرض كلها مغطاة بطبقة سميكة من ثلاثة أقدام من الأحماض الأمينية المتنوعة، فسوف يستغرق الأمر ما يقرب من 10 إلى 20 مليار عام لكي تجتمع التركيبة الصحيحة على نحو عرضي، وبالتالي فإن احتمال تشكل عرضي من هذا النوع للحياة صغير. ربما توجد قوى جزئية خاصة تميل نحو تجميع للجزيئات بطريقة خاصة، والذي من شأنه أن يزيد من احتمالية تشكيل الحياة، وهذا جانب آخر محتمل من التخطيط الذكي.

• إن كون شمسنا، أو أي نجم آخر، يمكن أن يكون مصدرا دائما للطاقة لفترة طويلة، يكاد يكون صدفة. إذ يجب أن تكون خصائص التفاعل النووي والجاذبية صحيحة تماما، لا بد أن تجري التفاعلات النووية على نحو يوفر طاقة الشمس، لكن إذا كانت مرتفعة جدا فإن الشمس ستمدد وتنفجر – كما تفعل العديد من النجوم، لاسيما تلك القديمة جدا منها. ولو كانت الجاذبية أقوى قليلا فإن الشمس أيضا يمكن أن تكون غير مستقرة. ومن ثم فإن قوانين الفيزياء يجب أن تكون متوازنة بعناية. وبالنسبة لما يقرب من مئة من العناصر الكيميائية المختلفة، نحتاج لكي نوجد على الأرض إلى بعضها، لاسيما عنصري الكربون والأوكسجين المهمين، ويجب أن تكون القوى الكهربائية والنووية صحيحة ومتوازنة تماما. لقد كان فريد هويل Fred Hoyle، الذي اكتشف كيف يمكن للكربون والأوكسجين أن يتشكلا بواسطة التفاعلات النووية في قلب النجوم، منبهرا جدا، وعلى الرغم من أنه كان إلى حد ما ريبيا من الناحية الدينية، فإن هويل كتب يقول في مجلة خريجي معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا: “ لابد أن بعض التفكير الحسابي فائق الذكاء صمم بعض خصائص ذرة الكربون… يوحي تأويل الحس السليم بأن فكرا من هذا النوع تلاعب بالفيزياء…. ويبدو لي أن الحقائق صلبة جدا إلى درجة تجعلني أضع هذا الاستنتاج بعيدا عن أي تشكيك.”

أدرك العديد من العلماء الآن أننا وكوننا في الحقيقة مميزين جدا. إن الطريقة الوحيدة التي يمكننا تصورها لكي نتجنب فكرة التخطيط الذكي هي أنه قد يكون هناك عدد كبير جدا، لامتناهي تقريبا، من الأكوان، لكل منها خصائصه وقوانينه الفيزيائية، وأن الحياة بالطبع ابتدأت في واحد منها والذي لديه فقط الخصائص الصحيحة. غير أن هناك بعض المشاكل في مسلمة من هذا النوع. أحدها أننا لا نعرف لماذا ولا كيف يجب أن تختلف القوانين الفيزيائية بشكل عشوائي من كون إلى آخر. والآخر أننا لا نعرف طريقة يمكننا الكشف بها عن وجود هذه الأكوان المتعددة. إنها بالأساس مسلمة لا يمكن اختبارها بشكل واضح ومن ثم فهي ليست من العلم العادي.

ما يزال التخطيط الذكي للكون والحياة البشرية يترك الكثير من المشاكل مع فهمنا الحالي. فنحن لا نرى أية طريقة يمكن لله أن يتدخل بها الآن في كوننا، كما يفترض حسب وجهة النظر الدينية. لقد جاءت ميكانيكا الكم بعدم اليقين، ومن ثم فإن حياتنا ليست حتمية بالكامل. ومع ذلك، يبدو أن الاختبارات التجريبية لما يعرف باسم مبدأ بيل (Bell’s principle) تظهر أنه لا يمكن أن تكون هناك قوة مجهولة تتدخل وتحدد ما يحدث. وهذا يبدو أنه إثبات لعدم وجود مجال للعمل الإلهي.

يبدو أن العلم الحالي يقول أيضا أنه لا توجد وسيلة يمكن من خلالها أن نمتلك إرادة حرة. وعلى الرغم من أنه لم يتم تحديد مستقبل الفرد تماما من قبل القوانين الفيزيائية وفقا لمبدأ عدم اليقين، فإنه أيا كان ما سيحدث هو فقط مسألة من صنع ماضيه أو ماضيها، ومن صنع الاختيار العشوائي لميكانيكا الكم. افترض بعض اللاهوتيين أن هذه المشكلة حلت عن طريق “النشوء”. فلو أننا وضعنا نظاما من الذرات معا، يمكننا أن نرى بلورات وبنيات معقدة أخرى تنشأ. تقول المسلمة إن الإرادة الحرة ستنشأ بطريقة ما وعلى نحو مشابه لأشكال النشوء السابقة انطلاقا من التعقيد. ومع ذلك، فإن هذا سيكون متناقضا مع فكرتنا الحالية عن خصائص الذرات – التي ربما يمكن أن تؤدي إلى نتائج مفاجئة، لكن لا شيء من ذلك يتناقض مع ميزاتها الخاصة. وبينما يزعم العلم أننا لا نمتلك إرادة حرة، فإنني لا أعرف أي عالم أو عالمة لا يعتقد أن لديه أو لديها بعض الإرادة الحرة وانه يستطيع القيام ببعض الاختيارات.

ما الوعي؟ لا أحد يمكنه حقا تعريف كائن واع. يقول عالم صديق لي:“ الكائن الواعي شخص لديه هدف، يمكنه الإحساس بالعالم من حوله، ويمكنه أن يتخذ إجراءات وفقا لما يحس به.” بالنسبة لي، هذا يبدو شبيها بمصيدة فئران يجب أن تعد كائنا واعيا. لذلك نواجه مشكلة بخصوص هذا المفهوم.

إن العلم ناجح بشكل رائع في بعض الأشياء، لكن ثمة أشياء أخرى لا نفهمها، وتقلبات النقطة الصفرية مثال على ذلك. تبدو ميكانيكا الكم ناجحة بشكل ملفت للنظر، لكنها تتوقع كمية كبيرة جدا من الطاقة الإشعاعية في كل أنحاء الكون، تلك التي لا يمكن الكشف عنها عادة، لكن يجب أن تمنح كوننا كثافة طاقية كبيرة جدا وقوة تمدد كبيرة جدا. ويبدو أن لدينا دليلا على أن هذا غير موجود. لقد وضعت المشكلة جانبا ببساطة في الوقت الحاضر، لأنه، ومن نواحي أخرى كثيرة، تبدو تنبؤات الميكانيكا الكمية صحيحة بشكل لافت للنظر. والمشكلة الأخرى أن نظرية الجاذبية وميكانيكا الكم تبدوان متنافرتين، ومع ذلك نقبلهما معا. لا تزال هناك مشكلة أخرى وهي أن معظم المادة في الكون على ما يبدو عبارة عن “مادة سوداء” لا يمكننا الكشف عنها ولا تمييزها. ثم هناك جسيم هيغز (Higgs particle). تقول النظرية الحالية إن هذا الجسيم يجب أن يوجد، لكن لم يتم الكشف عنه حتى الآن على الرغم من المحاولات الكثيرة. وقد بدأ البعض يعتقد أنه ربما ليس موجودا فعلا.

في العلم، نواصل اكتشاف التناقضات واكتشاف قوانين جديدة يحدث بعضها انقلابا في مفاهيمنا. ومع ذلك، تبقى تلك الأشياء التي اختبرناها سابقا واعتقدنا أنها صحيحة، مفيدة في كثير من الأحيان. خذ قوانين نيوتن مثلا حول حركة الجسيمات والحتمية الناتجة عن ذلك. من حيث المبدأ، أحدثت ميكانيكا الكم ثورة في منظورنا وأظهرت أن هذه الأفكار لم تكن صحيحة. وعلى الرغم من ذلك، مازلنا ندرّس ميكانيكا نيوتن باعتبارها جزءا من الفيزياء ، إنها مقاربة رائعة للأجسام الكبيرة ونحن نستخدمها على نطاق واسع. لقد تغيرت وجهات نظرنا، لكن الأفكار القديمة ما تزال مفيدة. لقد حققت كل من الميكانيكا النيوتونية وميكانيكا الكم ولا تزالان تحققان أهدافا جيدة. يجب أن نتوقع أنه إذا ما تحسن فهمنا للجوانب الدينية للحياة ولعالمنا، فإن وجهات نظرنا قد تتغير أيضا. لكن في الوقت نفسه، قد تكون الأفكار الحالية مقاربات جيدة ومفيدة. وهكذا، وكما هو الحال في العلم، لا يمكن أن توقع أن تكون أفكارنا الدينية صحيحة تماما؛ يجب أن لا نكون مترددين في جعل فهمنا الديني يسير قدما بل يغير توقعاتنا إلى حد ما.

ملخص

في العلم والدين، نستخدم كل قدراتنا البشرية لفهم – الإيمان أو المسلمة؛ التجارب أو الملاحظات؛ الحدس أو الوحي؛ والجماليات؛ والمنطق أو العقل. علاوة على ذلك، قد تسلط الأشياء التي نفهمها حول العلم، أو كيفية عمل الكون، الضوء على غايتها. فالاكتشافات الحديثة في الكسمولوجيا وميكانيكا الكم مثيرة للاهتمام ليس بالنسبة للعلماء فقط. بل بالنسبة للفلاسفة والثيولوجيين أيضا، إذ اجتذبت أفكار كل هؤلاء إلى تفاعل مفيد، إن اعترافنا بوجود جوانب كثيرة في العلم والدين لا نفهمها، واعترافنا بوجود تناقضات داخل العلم وكذلك بينه وبين الدين، وبأننا لا نملك براهين مطلقة فيهما معا، يدفعنا إلى التساؤل: أي نوع من المواقف سنتخذ؟ أعتقد أنه من المهم أن نستخدم كل مواهبنا وقوانا الإنسانية لكي نفهم ما وسعنا فهمه، ونتخذ قرارات بشأن ما نستنتج ونعتقد أنه صحيح في الغالب ومن ثم نتصرف بحزم وإيمان على هذا الأساس بخصوص أفضل استنتاجاتنا. كلما بحثنا أكثر، سنكتشف أكثر، وأعتقد أن العلم والدين سيتقاربان على نحو متزايد.

هامش:

* تشارلز تاونز عالم فيزياء أمريكي عضو في الأكاديمية الوطنية للعلوم، حاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1964 لقاء عمله في إلكترونيات الكم، وهو مخترع المايزر، أي الجهاز الذي يضخم الموجات الدقيقة، كما شارك في اختراع الليزر الذي يضخم الضوء المرئي. خلال الحرب العالمية الثانية، ساعد تاونز على تطوير نظم القصف الرادارية في مختبرات بيل. وبعد الحرب، انضم إلى هيئة التدريس في جامعة كولومبيا، حيث جاءته فكرة أدت إلى اكتشاف المايزر. وبعد تعيين قصير في منصب نائب رئيس معهد التحليل الدفاعي (في واشنطن العاصمة)، أصبح الدكتور تاونز عميدا وأستاذا للفيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. ومنذ عام 1967، كان أستاذا في جامعة كاليفورنيا (بيركلي)؛ يعمل تشارلز في المجلس الاستشاري للجمعية الأمريكي لعلم التخدير ASA؛ وهو غواص نشيط ويتمتع بالغوص في جزر البهاماس.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق