هي الحرب الكونية ضد «داعش»… ولكن / محمد مشموشي

لم يعد من شك الآن في أن العالم، بتعقيداته وصراعاته وتعدد مصالحه وتنوعها وتناقضها، بات يرى المنطقة التي يسميها «الشرق الأوسط» من زاوية واحدة وربما وحيدة: الإرهاب وتنظيم «داعش» في شكل خاص. لا قضايا شعوب وحرية وعدالة ومساواة وديموقراطية هنا، ولا حتى أنظمة استبداد قروسطية تصادر هذه الحقوق، بل الإرهاب أولاً وقبل كل شيء، بما في ذلك مسؤولية الأنظمة عن استيلاد هذا الصنف من الإرهاب.

وليس خافياً أن تحرك دول العالم أخيراً، من فيينا ثم نيويورك باسم إنهاء الحرب السورية، إلى الصخيرات في المغرب تحت عنوان الأزمة الليبية، إلى سويسرا ثم إثيوبيا لاحقاً من أجل اليمن، يستهدف الحرب على «داعش» وتوحيد الجهود من أجلها أكثر من أي أمر آخر. وإذا كان العنوان في ليبيا معلناً ومحكياً عنه بالاسم، أي تنظيم «داعش» وتمدده على مرمى حجر من أوروبا وفي أفريقيا، فليس مسكوتاً عنه لا في ما يتعلق بالتحرك على صعيد الحرب في سورية أو لجهة الوضع في اليمن أو حتى على مستوى الحرب الأهلية الباردة في العراق.

هي فقط حرب العالم على «داعش»، وربما على أخواته وأقرانه أيضاً، مهما قيل عن مشاريع «حلول» أو «تسويات» لحروب المنطقة الحالية أو لمشكلاتها الإنسانية والسياسية المزمنة.

في هذا السياق، تجوز المجازفة بمحاولة تفسير عدد من «الوقائع» الدولية المستجدة في المنطقة على الشكل التالي:
أولاً، هذه الاندفاعة المتزامنة لـ»الكبار» في العالم كلهم، عظماء وطامعين باللقب ومحايدين وبين بين، بعد خمسة أعوام تقريباً من سقوط دول المنطقة في حروب أهلية وتمزقات وفوضى واحتمالات تفكك، بدعوى البحث عما يسمونه حلولاً أو تسويات لهذه الآفات.

لماذا يحدث ذلك الآن فقط، بعد ما يعرفه الجميع عن رفض إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما على مدى الفترة الماضية اتخاذ أي إجراء عملي (منفرد أو جماعي) لا في شأن سورية ولا تجاه ليبيا أو العراق أو اليمن؟… كما بعد التزام دول الاتحاد الأوروبي موقف المتفرج بينما تحترق ليبيا وتتفكك على مسافة أميال قليلة من شواطئها؟ كما بعد صمت روسيا المطبق على تدهور وقرب انهيار وتفكك دولتين حليفتين تاريخياً لها هما سورية والعراق؟

لا يجد المرء جواباً عن السؤال إلا في العمليات الإرهابية التي استهدفت دول العالم خلال الشهور الثلاثة الماضية: إسقاط الطائرة المدنية الروسية في سيناء، التفجير الثلاثي المتزامن في قلب باريس، أعمال القتل في سان فرناندينو وغيرها في الولايات المتحدة، التفجيرات ومحاولات التفجير المتكررة في أكثر من دولة، فضلاً عن التهديدات والشبكات المكتشفة فيها… وكلها يوصل، علناً أو استخبارياً، إلى اسم «داعش» أو ما له من صلة أو ارتباط مباشر به من التنظيمات المماثلة.

ثانياً، اجتماع دول لم يكن متصوراً أن تجتمع على موقف (الولايات المتحدة وروسيا مثلاً) من الحرب في سورية، أو حتى من الأزمة في أوكرانيا وليبيا، تحت شعار واحد في المرحلة الحالية على الأقل هو: محاربة الإرهاب.

عملياً، لا معنى للاتفاق الذي تم التوصُّل إليه بالإجماع في نيويورك في شأن سورية سوى هذا المعنى. ولا كذلك الاتفاق الآخر في الصخيرات حول ليبيا، حتى لا ننسى «الصفقات» التي عقدت حول قضية النازحين السوريين والعراقيين في البلدان الأوروبية، ولا المعركة العراقية- الأميركية- الدولية الدائرة لتحرير مدينة الرمادي تمهيداً للمعركة الأخرى ضد ما يسميه «داعش» عاصمة دولته في الموصل.

هكذا، لم يعد مهماً بالنسبة إلى واشنطن وباريس وبرلين أن يخلو اتفاق نيويورك من أية إشارة إلى مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد، ولا كذلك بالنسبة إلى موسكو ما سمته «عملية الغدر» في ليبيا، ولا بالنسبة إلى طهران (حليفة موسكو في سورية والعراق) مصير نظامها المزروع في بغداد أو ميليشياتها في اليمن.

ثالثاً، ذهاب باريس إلى خطوة غير مسبوقة باتجاه التنسيق العسكري مع موسكو، وتسريبها معلومات عن إمكان تدخلها عسكرياً في ليبيا، وما يعنيه الأمران من موافقة أميركية وأوروبية عليهما، بعدما بدا لفترة خلال الشهرين الماضيين أن الغرب كله، وليس فرنسا وحدها، لا يدع مناسبة إلا وينتقد فيها العملية الروسية في سورية ويعتبرها موجهة ضده وضد مصالحه في المنطقة.

في الوقت ذاته، كان يخرج إلى العلن عرض روسيا بيع الجيش الأفغاني (الأميركي، وفق توصيف موسكو) ما يحتاجه من أسلحة، كما نبأ عودة وحدة من القوات المسلحة البريطانية إلى كابول أخيراً بعد انسحابها منها قبل أعوام.
هل هي مصادفة أن يحصل ذلك، بين باريس وموسكو من ناحية، وبين موسكو وكابول من ناحية ثانية، وبين لندن وواشنطن وكابول من ناحية ثالثة؟ يصعب قول ذلك، لا سيما في ظل ما بات معلناً أنه «اتفاق» دولي لشن حرب شاملة (حتى نهاية «داعش» كما قال أوباما) ضد الإرهاب وضد هذا التنظيم تحديداً في المنطقة وفي العالم.

ربما كان الثابت الوحيد الآن هو هذه الحرب الكونية على «داعش»، ومن أجلها السكوت (أو أقله عدم الكلام موقتاً) على نقاط الخلاف والاختلاف الأخرى حول القضايا المفتوحة في المنطقة وفي العالم.
لكن الثابت في السياسات الدولية أيضاً، أنه عندما يُفتح البازار لا يمكن التنبؤ بما قد ينتهي إليه.

ولعلها هذه هي اللحظة الراهنة هنا وفي أكثر من بقعة في العالم… من أوكرانيا إلى سورية إلى ليبيا… إلى العراق واليمن وحتى إلى أفغانستان.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق