ساندرز في تحدّي هيلاري: الحظوظ والحدود / حسن منيمنة

قلّ من يتوقع جدّياً أن يصل بيرني ساندرز، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فيرمونت، والساعي الى الحصول على ترشيح الحزب الديموقراطي في مواجهة وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، إلى منصب رئاسة الولايات المتحدة، بل يكاد ألا يكون ثمة من يعتبر أن لديه فرصة ملموسة للحصول على الترشيح الحزبي. فسعيه في نظر العديدين، يندرج في إطار الشعائر السياسية التي تقتضي المنافسة، ولو من دون احتمال فوز، كي يبقى الحزب وتبقى قضاياه في المتداول الإعلامي وبالتالي في أذهان الناخبين.

غير أن أرقام ساندرز تبدو مخالفة لهذه الآراء السائدة. فهو بلغ نسبة تأييد غير متوقعة ومتزايدة في استطلاعات الرأي العام لتقييم الفائز في أعقاب المناظرات الحزبية الديموقراطية، وصولاً إلى ٣٨ في المئة له مقابل ٥١ في المئة لكلينتون في المناظرة الأخيرة الأحد الماضي. فالتوقعات لم تعد قادرة على إعلان كلينتون الأوفر حظاً في الانتخابات الحزبية التمهيدية الأولى في ولايتي آيوا ونيو هامبشير الشهر المقبل، وتساوي بينها وبين ساندرز في الفرص.

في هذه النتائج قدر من الإرباك لكلينتون، التي تتصرف في هذا الموسم الانتخابي على أن حصولها على الترشيح تحصيل حاصل، وفوزها بالرئاسة يمكن الاطمئنان إليه إلى درجة عالية، لا سيما مع جنوح الصف الجمهوري إلى خطابيات منفّرة للناخبين الوسطيين، الذين يمر الفوز بالرئاسة باستقطابهم. فإذا كانت القاعدة الديموقراطية نفسها مفتقدة الحماسة لكلينتون، فكيف لها أن تتوقع اندفاعاً حاسماً من عموم جمهور الناخبين؟

المعضلة أمام كلينتون، أن نتائج ساندرز الإيجابية عائدة إلى مضمون لافت في حملته يلقى قبولاً شعبياً، كما أنها في الآن ذاته انعكاس لضرر طرأ على صورة كلينتون المثخنة بالانتقادات والاتهامات. فحملة ساندرز، التي شاء البعض أن يعتبرها رفع عتب حزبي، أصبحت اليوم تهديداً ممكناً لكلينتون، وإن لم يصل بعد إلى حدّ التحقق.

بيرني ساندرز صاحب رؤية اشتراكية، تعتبر النظم المطبّقة في الشمال الأوروبي، أي في البلاد الاسكندينافية، والقائمة على التعاضد الاجتماعي، قدوة ومثالاً. وللتمايز عن الاشتراكيات الحزبية والشيوعية، فساندرز يصنّف نفسه ديموقراطياً اشتراكياً أو تقدمياً. والخطوط العريضة لرؤيته هي أنه لا يسعى إلى تمليك وسائل الإنتاج للدولة، لكنه يطالب بما يراه الإنصاف في توزيع مداخيلها وأرباحها، بما يضمن للعاملين فيها حصة مهمة، ويمنع التفاوت الخطير القائم اليوم بين دخل شريحة المديرين ورواتب الموظفين والعمال في المؤسسات الخاصة. والسبيل إلى تحقيق هذا الإنصاف عبر تصاعدية ضرائبية تطاول المستويات المتتالية من الدخل.

فالاختلاف بين ساندرز وسائر الوجوه القيادية في الحزب الديموقراطي في الكم والدرجة، وليس النوعية. فالموقف المتكرر للخطاب الديموقراطي هو حول أهمية تحمّل الأثرياء «الحصة المنصفة» من العبء الضريبي، لمصلحة الطبقة «الوسطى». إلا أن ساندرز أكثر قطعية في مطالبه وبرنامجه، وأوضح في مطالبته بإعادة صياغة برامج الدعم والرعاية المتوافرة اليوم في أشكال متفاوتة، لتصبح كلاً قائماً يضمن الصحة والتعليم والمساعدات الاجتماعية كحقوق أصلية للمواطنين، وليس كامتيازات على المواطن السعي الى كسبها.

من هنا، فساندرز يطالب بتجاوز ما هو قائم من برامج الرعاية الصحية، ومنه البرنامج المستحدث والذي يعتبره الرئيس أوباما أهم إنجازاته، والذي اشتهر باسمه شخصياً، أي «أوباماكير». فضمن إطار أوباماكير، يقتصر دور الدولة على ربط المواطنين بشركات التأمين وتوفير بعض الدعم في بعض الحالات، بعدما أصبح اشتراك كل مواطن في برامج الرعاية الصحية التي تقدمها شركات التأمين إلزامياً. أما ساندرز، فيرى الاستعاضة عن هذا البرنامج وغيره بمنظومة رعاية صحية موحّدة تتولى مسؤوليتها وإدارتها مؤسسة رسمية متفرّغة، بما يلغي قطاع التأمين الصحي الخاص بأكمله.

وطرح ساندرز هذا ليس بجديد، بل هو من صلب التوجه التقدمي المؤثر في الحزب الديموقراطي. وهيلاري كلينتون نفسها، يوم فوّضها زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون، السعي الى تحقيق منظومة رعاية صحية وطنية عام ١٩٩٤، كان سعيها تحديداً البرنامج الموحّد. أما اليوم، فتبدلت المعطيات، الموضوعية منها وفق كلام هيلاري، والسياسية منها بتقييم فريق عمل ساندرز.

فقد جعلت كلينتون من برنامج ساندرز الصحي المقترح أحد موضوعين رئيسين للطعن به. وفحوى كلامها أنه من العبث طلب المستحيل، أي برنامج ساندرز، فيما الممكن، أي أوباماكير، قد تحقق. فكلينتون تشدّد على تثمينها إنجاز أوباما، وتعتبر مشروع ساندرز تفريطاً به. غير أن هذا الموقف المبدئي لا يستوي مع المزاعم التهويلية الصادرة عن حملتها، والتي تنبّه الفئات المستفيدة من البرامج القائمة إلى أن ساندرز يسعى إلى إزالتها، من دون التوضيح بأنه يسعى بالفعل إلى استبدالها بما هو أكثر شمولاً.

أما الموضوع الثاني، فهو تراخي ساندرز المزعوم في شأن ضبط انتشار السلاح الناري. وبالفعل، فهو متمايز قليلاً عن معظم التقدميين في هذا الشأن، على خلفية تمثيله ولاية ريفية يكثر فيها الصيد وينتشر السلاح الناري. لكن، كما في الموضوع الأول، فمنحى حملة كلينتون للطعن بساندرز انتقائي وتهويلي من جهة، وإقصائي اصطفافي من جهة أخرى، أي أنه يجعل ساندرز خارج إطار الصف التقدمي المتراص الذي يجسّده الرئيس أوباما، وفق خطاب كلينتون.

ويتبدّى من أسلوب كلينتون بالتعامل مع ساندرز في موضوعي الصحة والسلاح، مدى استدعائها الرئيس أوباما ورصيده، بما يجعل منها وريثاً له. وإذا كان ثمة سؤال حول صوابية هذا المسعى، بما أن أوباما قد تعرّض لانتكاسات مهمة في صورته وشعبيته، فإنه يكشف من دون سؤال عن تقييم سلبي للقائمين على حملة كلينتون لمقام مرشحتهم. وبالتالي، بعد أن كانت في أمس قريب تستعد مجدداً لدخول البيت الأبيض، تجد نفسها اليوم وكأنها تتمة وحسب لرئيس مختلف في شأنه. وقد يظن من رسم هذا التوجه لكلينتون أنه ذو صلاحية ضمن القاعدة الديموقراطية، وسيسعى بالتالي إلى التخلّي عنه بعد الفوز بالترشيح، لتصبح كلينتون مجدداً سيدة نفسها. غير أن هذا الظن قد يكون وهماً وحسب، إذ يزيد جرحاً جديداً إلى صورة كلينتون المتعبة لتوّها.

فجأة إذاً، وعلى رغم أن الطريق إلى البيت الأبيض لمن يجاهر باشتراكيته يبقى وعراً، فحظوظ ساندرز بانتزاع التمثيل الحزبي من كلينتون لم تعد معدومة.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق