«تقرير من الجبهة»: عن العمارة هذه المرة! / نهلة الشهال

«تقرير من الجبهة» لأن هناك «معارك عدة يجب أن تُكْسب، وحدوداً عدة يجب أن تُوسّع لتحسين نوعية بيئة البناء، ومعها نوعية حياة البشر». ذلك هو شرح العنوان الذي اختاره المعماري التشيلي الشاب (47 سنة) أليخاندرو أرافينا للمعرض الدولي الخامس عشر للعمارة في 2016، الذي سينعقد ضمن بينال البندقية كالعادة. وهو رئيس هذه الدورة من المهرجان الأشهر والأهم والأكثر تجديداً في مجاله.

يقول أن «التقرير من الجبهة» ليس فحسب «سرداً يقوم به شاهد مستكين بل شهادة لأناس يمضون اليوم بجدّ في دربهم. مهمتنا هي الموازنة بين الأمل وصرامة الإتقان». وهو ربما لكونه من «زاوية العالم» كما يسمي بلده القصيّ والصغير (17 مليوناً)، يأمل بأن «يشارك كل بلد سائر العالم معاركه والمواجهات التي يقودها، فنقدم حالات تتمكن على رغم الصعوبات (بل ربما بسببها) من اقتراح أشياء وتحقيقها عوضاً عن الاستسلام والمرارة».

يا الله! هذا كلام ما زال يقال، منطلقاً من أعلى واحدة من أهم منصات العالم، ومن شخص نال قبل أيام معادل جائزة نوبل في العمارة، أي ما هو متفق عليه كأرفع تقدير في هذا الميدان: «البريتزكر». وتوضيحاً واستطراداً، فهذه أسّسها والدا توماس بريتزكر، اللذان كانا مالكي شبكة فنادق «هياة» في العالم، بغاية تشجيع تطوير البحث في العمارة، كما قالا حينها، ولمنح ابنهما، مديرها، مكانة مرموقة في هذا العالم لا يكفي المال وحده، مهما كان وفيراً، لحيازتها.

المفارقة أن أرافينا معماري ملتزم بالهم الاجتماعي الذي يحفّز تفكيره وعمله، وكل ما يدلي به. وهو التزام متماسك، متين ومفتَكر وممارَس، بحيث لا يترك مجالاً للشك، ما لم يمنع أن يدْعى كأستاذ إلى مدرسة العمارة في هارفارد حيث عمل لسنوات قبل أن يبلغ الأربعين. وهو يَعتبر أن العمارة موجودة لتقديم إجابات محددة عن حاجات محددة، وأنها ليست بالتالي «استعراضاً»، بل لخدمة الإنسان، ولا تخضع لجماليات صرفة.

فالمعماري لا يُنشئ تحفاً أو «أيقونات»، وليست أعماله منحوتات كما يمكن للفنان الفرد أن يفعل. وهي عمل جماعي بالضرورة تلهمه حكمة العشوائيات ومدن الصفيح، حيث يتدبر الناس أمرهم بأقل الإمكانات، ومهمته الاستماع إلى حاجاتهم وتصوراتهم عن مسكنهم، والتعلم منهم: «نحن لا نعرف كل شيء»، وكذلك خدمتهم: «ليست العمارة شأن المعماريين، ولا نقاشها وفهمها يفترض أن يحصلا في ما بينهم».

وهو أنشأ أحياء بكاملها بكلفة لا تتجاوز 7500 دولار للمنزل الواحد تشمل ثمن الأرض والبنى التحتية والجزء الضروري من بيت جيد المواصفات وقابل للتطوير والتوسيع لاحقاً من قبل أصحابه أنفسهم ووفق حاجاتهم، ما فعله في 2010 في مدينة كونستيتسيون التي دمرها تماماً زلزال وتسونامي. كما عَمّر منازل لعمال المناجم في بلاده ضمن مشروعات عامة تمولها الدولة، وكذلك كليات جامعية في سانتياغو. وقد أنشأ مكتبه Elemental بشعار يعتبره مبادرة للسكن الاجتماعي و«Do Tank» مقابل «Think Tank»، هادفاً إلى «تأسيس شركة تبرهن أن الأمور بإمكانها أن تكون أفضل مما هي عليه»، وأن المساكن الشعبية، أو ما يسميه السكن الاجتماعي، مسألة صعبة وتستحق جدارة مهنية وليس إحساناً.

يكاد يكفي لتوضيح الموقف أن يُنقل حرفياً ما يقوله أرافينا الذي خصصت له «نيويورك تايمز» زاوية من صفحتها الأولى علاوة على مساحة في الداخل، حين نال البريتزكر في 12 الشهر الجاري. وقد قابلته المجلة العالمية المختصة «ديزين»، ونشرت صوراً لمختلف منشآته تسلب الألباب بجمالها، هو الذي لا يعتبر الجمالية أولوية! الرجل وفريقه «يسعون لمنح الأقل حظاً فرصاً اقتصادية»، كما قال البليونير توماس بريتكزر حين إعلانه عن الفائز، والذي سبق له أن شارك خمس مرات في لجنة تحكيم الجائزة ولم يتوقع أبداً أن ينالها، وهو ما زال مصدوماً بذلك كما أكد. لكنه يعتبرها تشجيعاً للدخول في حقول فيها مخاطرات واحتمال فشل، حيث الجائزة منحته «خفة أكبر»، ولم يعد محتاجاً للبرهان عن جدارته.

هناك أكثر من مليون معماري في العالم، يقول أرافينا، وهم لو اجتمعوا لأوجدوا مقترحات وحلولاً لمشكلات الفقر وتكاثر السكان والنزوح الكثيف والكوارث الطبيعية والحروب، وهي كلها تفرض مواجهة حاجة أكثر من بليون إنسان إلى مسكن اليوم. وهو يرى في الخيام التي توفَّر للاجئين نوعاً من الإهانة، علاوة على كونها هدراً للمال. وهو يعمل، مثلاً، مع الحكومة السويدية على حلول لإسكان عشرة ألاف لاجئ تستقبلهم البلاد كل أسبوع، ويعتبر أننا مدربون على «الاستماع الانتقائي» وأن بعض المعماريين يأتون وفي جعبتهم السؤال جاهزاً، بينما يعمل هو وفريقه على الطلب من الناس تحديد السؤال (وليس الجواب)، بمعنى تعيين أولوياتهم، وما يسميه «التصميم التشاركي»، وهو سعى إلى توفير مدارس وشبكات تنقل على نحو أفضل لأفقر الناس.

ولأنه «لدينا نوع من الحكمة ولديهم نوع آخر»، يجب بناء «منظومة مفتوحة، توائم نفسها وتصلح نفسها، وهي أكثر توافقاً مع الواقع، ليس فحسب واقع العائلة بل التنوع الثقافي كذلك». ويؤكد أن الجودة تمتلك خاصية اكتساب القيمة بمرور الوقت، وأن نقطة الانطلاق هي المشكلات التي يفهمها كل مواطن: انعدام الأمن في المدن، التلوث، التمييز، الاحتقان… أي مشكلات تطال الحياة اليومية، «وعندها، على التخطيط والتصميم العمراني أن يسعى إلى توفير حلول ممكنة».

المسألة الثانية التي تشغل بال المعماري الفذ هي كيفية الانسجام مع زمنه الذي يحيا فيه. يقول: «أنت لست هيبياً رومانسياً تحلم بتغيير العالم. هذا ضروري ولكنه ليس كافياً»، فهناك «الرغبة في تحريك الأشياء نحو صيغة أفضل، أي محاولة تحقيق الإمكانية المختبئة داخل الظرف»، منتهياً إلى أن «العمارة تعبير عن حاجات ورغبات، وأيضاً عن قوى تقع خارج نفسك، سواء كانت حكومة أو شخصاً مفرداً أو جماعة».

من ليس معمارياً ولا درس الهندسة يمكنه أن يفهم هذا الكلام. وهذا لب منهج الرجل الذي نال قبل «البريتزكر» جوائز وتقديرات عالمية عدة، مُثْبتاً أن أفكاره ومبادئه تلك ليست أبداً مفوَّتة ولا مجرد أيديولوجيا طوباوية. فالأمر، كما قال، يكمن في «الموازنة بين الأمل وصرامة الإتقان».

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق