دور المثقّف في المجتمع (3/1)

لا تكتب التاريخ شِعْرًا، فالسّلاح هو المؤرّخ
والمؤرّخ لا يُصَابُ برعشة الحُمّى إذا سَمّى ضحاياه !
محمود درويش

مقدمة:

لا يخلو الحراك الثوري عبر التاريخ (لا سيّما خلال الفترتين الحديثة والمعاصرة) في جميع دول العالم من حضور للفئات المثقّفة ولا سيّما النخب، التي غالبا ما تكون طرفا فاعلا فيه. فالمثقّفون بمختلف أصنافهم من مفكّرين وجامعيّين وأساتذة – باحثين وإطارات سامية وطلبة وخرّيجي جامعات وغيرهم…، هم دوما و“بالفطرة” (إن صحّ التعبير) في صدارة التحركات الاحتجاجية ضد النظام الحاكم. ولم تشذّ تونس عن هذه القاعدة. فعلى امتداد العقود الثلاثة من الحكم البورقيبي (بين 1957 و1987) كان المثقّفون التونسيّون بمختلف مكوّناتهم وفصائلهم في مقدمة منتقدي النظام والمحتجّين ضد سياسته الرسمية في جميع المجالات والميادين.

ولم يقتصر الأمر على الشأن الداخلي، بل كانوا كذلك في مقدمة المشاركين في أغلب التحرّكات الإقليميّة والدوليّة للتنديد بالحروب والهجمات الامبرياليّة على الوطن والمنطقة والأمّة العربيّة عامة أو لمساندة حركات التحرّر في جميع أنحاء العالم. وقد كلّف هذا الدور الكثير منهم متاعب وويلات: اعتداء بالعنف، إيقاف، تعذيب، تحقيقات، محاكمات، تتبّعات عدليّة، طرد من الوظيفة العمومية وتجريد من الحقوق المدنيّة…، وغيرها من أشكال التنكيل والعقاب التي طالتهم.

غير أنّ المتأمّل في الساحة التونسيّة منذ وصول زين العابدين بن علي إلى سدّة الحكم بعد الانقلاب الطبّي الشهير فجر السابع من نوفمبر 1987، يلاحظ تقلّص الدور النضالي والطلائعي للمثقّفين التونسييّن على امتداد 23 سنة من حكم بن علي.

وتأكيدا لذلك ومباشرة بعد سقوط نظام بن علي إثر ثورة الحرّية والكرامة، صرّح المناضل والوزير السابق الأستاذ أحمد بن صالح بما يلي: “لقد أهدت ثورة الشباب التونسي هؤلاء المتطاوِسِينَ حريّة لم يحلموا بها ولم يناضلوا من أجلها. لقد كانوا يعيشون في أبراج عاجية وترفٍ فكريّ ويعالجون القضايا التي تشغل المجتمعات التي استعمرتنا تماهيا مع ما يفعل أسيادهم هناك، عملا بمقولة بن خلدون: – إنّ المغلوب مولع دائما بالإقتداء بالغالب -…” (2). 

لِفَهْمِ المسألة والإحاطة بجميع جوانبها، من الضروري في اعتقادنا الإجابة عن إشكاليّتين رئيسيّتين: 

– إلى أيّ مدى ينطبق هذا التصريح لمناضل وطني سابق ورجل دولة بامتياز، على المثقّفين التونسيّين وتحديدا على الجامعيّين منهم، من أساتذة وباحثين وأكاديميّين من درجات ورتب مختلفة وفي سائر الاختصاصات زمن حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي؟ 

– من يتحمّل مسؤولية تقصير المثقّفين في الاضطلاع بأدوارهم الطلائعية صلب المجتمع التونسي: هل هم الجامعيّون أنفسهم بدرجة أولى، أم هو النظام الحاكم برمّته ومختلف مؤسّساته وأجهزته بدرجة ثانية أم أنّ المسؤوليّة مشتركة بين الطرفين؟

قبل التطرّق إلى وضع المثقّفين في ظلّ نظام بن علي وأشكال تعامل هذا الأخير معهم ثمّ تجاوب هؤلاء مع نظامه وتفاعلهم معه، جدير بنا القيام بعرض تاريخي بغاية إبراز الدور الذي اضطلع به المثقّفون التونسيّون عموما والجامعيّون خاصة، من أساتذة وباحثين بمختلف رتبهم واختصاصاتهم – رغم قلّتهم – (سواء كانوا من خرّيجي الجامعات التقليديّة على غرار الزيتونة والأزهر… أو الجامعات العصريّة وفي مقدمتها جامعة السّربون ثمّ الجامعة التونسيّة إثر انبعاثها في سنة 1958…)، وذلك قبل وصول زين العابدين بن علي إلى سدّة الحكم في سنة 1987، أي بعبارة أخرى كامل الفترة الاستعماريّة ثمّ العقود الثلاثة من الحكم البورقيبي. 

قبل الخوض في كل هذه المسائل، من الضروري في اعتقادنا التعريف بالمثقّف والمثقّفين أولا ثمّ التطرّق (ولو بإيجاز) إلى الأدوار التي اضطلع بها المثقّفون التونسيّون إبّان الفترة الاستعمارية ثمّ استعراض مكانة وأدوار هؤلاء وفي مقدمتهم الجامعيّون على امتداد فترة الحكم البورقيبي (بحكم ارتفاع عددهم تدريجيا منذ سنة 1956). 

وليست الغاية من هذه الدراسة التشهير بالجامعيّين الذين تعاملوا بشكل أو بآخر مع نظام بن علي والتشكيك في قدراتهم العلمية والفكريّة أو المسّ من أشخاصهم وخدش أعراضهم، لأنّ أخلاقيّات مهنة المؤرّخ تمنعنا من القيام بذلك، بقدر ما نصبو إلى إنجاز دراسة تاريخية موضوعية وموثّقة تقدّم للقرّاء لوحة عن حضور هؤلاء في مواقع القرار داخل منظومة سياسية استمرّت طيلة 23 سنة كاملة من تاريخ تونس، كانوا بشكل أو بآخر طرفا فاعلا فيها. لذلك سنكتفي بذكر المناصب أو الخطط التي شغلوها وفي أقصى الحالات سنلجأ اضطرارا إلى ذكر الحرف الأوّل من الاسم واللقب لهؤلاء المثقّفين أو الجامعيّين.

أولا: دور المثقّف والجامعي في المجتمع ورصد لأدوار المثقّفين والجامعيّين في تونس قبل 1987:

1) دور المثقّف والجامعي في المجتمع:

أ) دور المثقّف:

قبل التعريف بالمثقّف والجامعي تحديدا ودوره في المجتمع، من الضروري حسب رأينا طرح بعض الأسئلة الهامة، لعلّ أبرزها: 

ما علاقة المثقّف بمحيطه من مجتمع وسلطة سياسية وتيّارات فكرية وإيديولوجية ومؤسّسات بجميع أصنافها…، وغيرها ؟ 

هل هو ذاك المحترف معرفيا المرتبط بالسلطة والمؤسّسات الرسميّة وغير الرسميّة، أم المستقلّ عن كل مؤسّسة ؟ هل هو مقيّد أم حرّ في جميع كتاباته ومواقفه ورؤاه… ؟ 

للإجابة عن كل هذه الأسئلة لا يوجد في اعتقادنا من تعريف للمثقّف وعلاقته بالسلطة أفضل من تعريف المفكّر الإيطالي “أنطونيو غرامشي”Antonio Gramsci“الذي كان أوّل من ميّز بين المثقّف الشمولي والمثقّف العضوي منذ عشرينات القرن العشرين.

فالمثقّف العضوي حسب غرامشي هو ذاك”… المثقّف المرتبط بطبقة معيّنة، حيث يقوم بتنظيم وظيفتها الاقتصادية، بهدف تحقيق قبول وإجماع الطبقات الأخرى، وذلك من خلال عملهم في مختلف الهيئات الثقافية والإعلامية كالمدارس والجامعات وأجهزة النشر وغيرها…“(3). وفي هذا كلّه تبرز وظيفة العُضْوِيِّينَ”Les Organiques“باعتبارهم”اسمنتًا“يربط البنية الفوقيّة والتحتيّة للمجتمع. ومن هذا المنطلق، فإنّ غرامشي يُعدّ مؤسّسا لمفهوم” الهيمنة على الثقافة كوسيلة للإبقاء على الحكم في المجتمع الرأسمالي “(4).

أمّا في القرن الواحد والعشرين فإنّ كتابات إدوارد سعيد تُعدّ أفضل ما كُتب حول علاقة المثقّف بالسلطة الحاكمة. 

تناول هذا المفكّر والمنظّر الفلسطيني في كتابه”المثقّف والسلطة“(5)، مسألة”القول في المثقّف“وحاول من خلاله رسم صورته ودوره وحدود القول به. 

في الفصل الأول من هذا الكتاب الذي وسمه بعنوان”صُوَرُ تمثيل المثقّف“، حدّد إدوارد سعيد المثقّف بتعريفين يتّسمان”بالتعارض الأساسي“حول المسألة، وهما من أشهر تعريفات القرن العشرين: الأوّل للمناضل الايطالي الماركسي والصّحفي والفيلسوف السياسي”أنطونيو غرامشي“حيث يقول:”…إنّ جميع النّاس مفكّرون…“ويضيف:”… ولكن وظيفة المثقّف أو المفكّر في المجتمع لا يقوم بها كلّ النّاس…“(6). 

وهنا يحاول غرامشي إبراز من يقوم بوظيفة المثقّف فيقسّم هذه الفئة إلى قسمين:”المثقّف التّقليدي“و”المثقّف العضوي“. يضمّ الصنف الأول: الكهنة، المعلّمون والإداريّون… الذين – حسب غرامشي– يقومون بنفس وظيفة التفكير يوما بعد يوم وعاما بعد عام وجيلا بعد جيل، بمعنى أنّ وظيفة التفكير غير متجدّدة. أمّا الصنف الثّاني، أي”المثقّفون المنسِّقُون“، فيرى أنّهم مرتبطون ارتباطا مباشرا بالطّبقات التي تستخدم المثقّفين في تنظيم مصالحها واكتساب مزيدا من السّلطة. وهنا يطوّر غرامشي مفهوم”التحويليّة “Le Transformisme” أو “الخطّ التحويلي” La ligne transformiste“7، وهو المسار الذي تضعه السلطة في حيز العمل من أجل”تحويل“المثقّفين إلى”مذيعين وناشرين لأيديولوجيتها ومحقّقين لمشروعيّة ممارستها الاجتماعية والسياسية وقبول وتبنّي الفئات الاجتماعية مشروعها الاجتماعي…“. وبذلك يشكّل المثقّفون الجهاز الايديولوجي للدولة!

أمّا التّعريف الثّاني، وهو التّعريف الأشهر، الذي وضعه الفيلسوف والمفكّر الفرنسي”جوليان بِندَا “Julien Benda” (1867-1956) في كتابه “خيانة المثقّفين” الصّادر سنة 1927، فيُعدّ هجوما لاذعا على المثقّفين، إذ يعتبر بِندَا المثقّفين “…عُصبة ضئيلة من الملوك الفلاسفة من ذوي القُدرات أو المواهب الفائقة والأخلاق الرّفيعة…” (8). ويضيف أنّهم – أي المثقّفين – يشكّلون “طبقة العلماء والمتعلّمين البالغي النّدرة نظرا لما ينادون به ويدافعون عنه من قضايا الحقّ والعدل”(9).

في هذا الفصل يبيّن إدوارد سعيد قلقه من خطر اختفاء صورة المثقّف التي – حسب رأيه – أصبحت تقتصر على المهنيّين فقط، لأنّه لا يمكن اختزال صورة المثقّف بحيث تصبح صورة ذلك “المهني المجهول الهويّة، أي مجرّد فرد كفء ينتمي إلى طبقة ما ويُمَارسُ عمله فحسب”، بل يرى إدوارد سعيد أنّ حقيقة المثقّف الأساسيّة هي كونه فريدا “يتمتّع بموهبة خاصّة” يستطيع من خلالها حمل رسالة ما أو تمثيل وجهة نظر معيّنة، فلسفة ما، أو موقف ما. واعتبارا لما تقدّم فإنّ المثقّف يكون ذاك الموهوب الذي يقوم علنا “بطرح أسئلة محرجة” ويصعب على الحكومات أو الشّركات استقطابه لأنّه لو تمكّنت هذه الأخيرة من استقطابه، فإنّه يفقد بُعده النّقدي ويَخُونُ نصّه الإبداعي. كما يجب على المثقّف مواجهة كلّ أنواع التّنميط والجمود لأنّ المثقّف عموما لديه الفرصة كي يكون عكس التيّار(10). 

وإجمالا فإنّ المثقّف الحقّ، هو ذاك الذي يمثّل صوت المسكوت عنه وكلّ أمر وُضع طيّ النسيان كـ“التجاهل” و“الإخفاء” و“التعتيم”… وهو بذلك لا يمثّل أحدا، بل يمثّل مبادئ كونيّة مشتركة لا تَنَازُلَ عنها، فهو نبض الجماهير وهو الذي “لا يقبل أبدا بأنصَافِ حلول أو أنصَافِ الحقيقة” (11). وهو الشّخص الذي يواجه القوّة بخطاب الحقّ ويصرّ على أنّ وظيفته هي أن يُجبر نفسه ومريديه بالحقيقة. وهو “المقاوم” الذي يقاوم بفكره ونشاطه هيمنة السّلطة السّائدة بمختلف أنماطها الماديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة التي تحتكر البنية الفوقيّة للمجتمع والشأن السياسي. وإذا كان هذا دور المثقّف، لنا أن نتساءل عن دور الجامعة والجامعيّين في المجتمع؟

ب) دور الجامعي:

منذ نشأتها في العصر الوسيط شكّلت الجامعة الشريان النابض للبلدان والمجتمعات التي ظهرت بها. ففي رحابها توجد وتنشأ أهمّ شريحة في المجتمع متألّفة من أساتذة وباحثين وطلبة وخرّيجين…، يمثّلون محطّ آماله وتطلّعاته. وفي منابرها ومدرّجاتها تُطرح أهمّ القضايا وتُرسم طرق المستقبل ومفاتيح النجاح والإبداع وكيفيّة النهوض بالمجتمع في شتّى الميادين والمجالات. كما للنخب الجامعيّة قدرة فائقة في التأثير على حركيّة المجتمع ورصد أولويّاته(12). 

ومن الطبيعي أن يكون للأجيال الوافدة على الجامعات حدّ أدنى من الوعي السياسي والمعرفة بأحوال الأنظمة ومَكَامِنَ القوّة والضّعف فيها والتعرّف على عناصر القوة المحرّكة للمجتمع والمؤثّرة في رخائه وتطوّره ومعرفة التيارات الفكرية الهدّامة له حتى يتمّ تجنّبها عن وعي ومعرفة. 

ووفقا لذلك، من الضروري، إن لم نقل من الواجب أن يعقد الجامعيّون في مختلف الاختصاصات، اللقاءات والندوات والمؤتمرات العلميّة بغاية تعريف زملائهم وطلبتهم والجمهور الواسع بواجباتهم تجاه مجتمعهم وبيئتهم. لكن ينبغي أن يكون العمل الجامعي بعيدا عن الشعارات الجوفاء الفارغة والمناسبات الآنية المرتجلة وعديمة النفع المستقبلي، بل المهمّ هو العمل الجماعي للتوصّل إلى نظريات إبداعية تحلّ مشاكل البلاد وتعرّف المجتمع على أعدائه الحقيقيّين وتفضح مخطّطاتهم الرامية إلى تخريب البلاد والعباد. وفي استحالة عقد مثل هذه الندوات والمؤتمرات لأسباب مختلفة، يستوجب على الجامعيّين كتابة كل ما يرونه ضروريا لبلادهم وشعبهم في مقالات ودراسات ومؤلّفات…، يتمّ نشرها وإيصالها (في حالة استحالة ذلك)، بشتى الطرق والوسائل إلى القرّاء والمتعطشين للنهوض بالشأن العام. 

وبفضل هذه الأعمال والمنشورات، تمتلك الأجيال شيئا من القدرة على التحليل السياسي النافع لبلادها ولمستقبلها بحيث يصبح للمجتمع حد أدنى من الوعي بالمخاطر المحدقة به ويدرك الأمور الصالحة به وخاصّة القدرة على تصوّر الحلول السليمة للمشاكل والمعضلات التي تحلّ ببلادهم من حين لآخر(13). 

كما أنّ الوعي السياسي لدى الجامعيّين يُؤهّلهم إلى معرفة خُدع المنافقين وخططهم وألاعيبهم البشعة المؤدية بالبلاد الى الدكتاتورية والفساد والدمار والزوال. وبفضل هذا الوعي والمعرفة والعمل على تجسيمهما على أرض الواقع لا يتسنّى للحكّام وكبار المسؤولين المنافقين أن يمرّروا ألاعيبهم عن طريق الدعاية والديماغوجيا والوعود الفارغة التي يرمي أصحابها إلى السيطرة على المجتمع وعلى ثروات البلاد وطاقاتها وخيراتها الطبيعيّة والبشرية…

أمّا في الدول النامية، فإضافة إلى الأدوار سالفة الذكر، من أوكد واجبات الجامعات الوطنية، هو تكوين نخب وقادة وعناصر فاعلة في المجتمع تستفيد من الماضي والحاضر للبناء المتين في جميع الميادين وشقّ طريق المستقبل بثبات(14). 

وعلى ضوء ما تقدّم لنا أن نتساءل: هل تمكّنت الجامعة التونسية منذ إحداثها في سنة 1958 من القيام بهذا الدور الريادي والنبيل وخدمة قضايا البلاد والمجتمع التونِسيَيْنِ؟ 

قبل الخوض في هذه المسألة الدقيقة من الضّروري في اعتقادنا التذكير بالدور التاريخي الذي اضطلع به المثقّفون والجامعيّون التونسيّون بصفة خاصّة قبل سنة 1987. 

2) دور طلائعي للمثقّفين والجامعيّين التونسيّين قبل 1987:

أ) خلال الفترة الاستعماريّة:

إنّ المتأمّل في تاريخ تونس المعاصر يلاحظ أنّ الكثير من المثقّفين التونسيّين، سواء الذين تلقّوا تعليما تقليديا مثل التعليم الزيتوني، أو الذين تلقوا تعليما عصريا، قد اضطلعوا بأدوار رئيسية، بل طلائعيّة في النضال الوطني ضد الاستعمار وذلك في عديد المواقع والقطاعات الحسّاسة التي كان لها تأثير مباشر على العمل السياسي والنقابي والفكري وفي مقدمتها: قطاع التعليم والصحّة والجمعيّات والنوادي الرياضيّة والكشفيّة والشبابية والثقافية… فقد ساهم أغلبهم في توعية الشعب التونسي بحقوقه وتوجيهه التوجيه السليم وتأطيره وقيادة نضالاته السياسية والنقابية والفكريّة – الجمعيّاتيّة ضد المستعمر الفرنسي إلى غاية انتزاع البلاد لاستقلالها السياسي في سنة 1956. 

ولا يتّسع المجال هنا للتطرّق إلى جميع الأدوار التي اضطلع بها هؤلاء المثقّفين على الصعيد الوطني في جميع المجالات نظرا لكثرتها. لذا سنكتفي بالتطرّق إلى الميدان السياسي وذلك بذكر أبرزهم وأكثرهم حضورا على الساحة السياسية على غرار كل من: البشير صفر وعلي بوشوشة والأخوين محمّد وعلي باش حامبة ومحمّد النعمان ومحمود الماطري والأخوين محمِّد والحبيب بورقيبة والطاهر صفر والبحري ڤيڤة وسليمان بن سليمان وعلي البلهوان ومحمد النافع…، وغيرهم من خرّيجي الجامعات الفرنسيّة وكلّ من: الشيخ عبد العزيز الثعالبي والطاهر الحدّاد ومحي الدين القليبي وأحمد الصافي وعلي جراد والفاضل بن عاشور…، وغيرهم من خريّجي الجامعة الزيتونيّة. أمّا القضايا السياسية الوطنية التي خاضها هؤلاء فتأتي في مقدمتها: إضرابات سنة 1910 لطلبة جامع الزيتونة، انتفاضة الزلاّج سنة 1911، أحداث الترامواي سنة 1912…، وغيرها من المحطّات النضالية التي اضطلع أعضاء حركة الشباب التونسي بدور هام في تأطيرها وقيادتها. وتلي كل هذه الأحداث أزمة 5 أفريل 1922 ومظاهرات العشرينات ونضالات جامعة عموم العملة التونسية (بين 1924 و1925)…، التي كان للشيوعيين ولبعض قادة الحزب الدستوري دور بارز فيها. 

وكان لخرّيجي الجامعات الفرنسية دور هام في بعث الحزب الدستوري الجديد في 2 مارس 1934 ثمّ في قيادة نضالات التونسيّين السياسية والنقابية والجمعيّاتيّة، إلى جانب عديد القوى الوطنية الأخرى من سياسيّين ونقابيّين ورجال فكر… وغيرهم، في أكثر من محطّة نضالية: إبّان أحداث 9 أفريل 1938 وطيلة الحرب العالمية الثانية ثمّ بين 1945 واندلاع الكفاح المسلّح في سنة 1952…، وغيرها من المحطّات النضاليّة إلى غاية انتزاع الاستقلال الداخلي في 31 جويلية ثمّ الاستقلال التام في 20 مارس 1956(15).

وعموما، سواء عبر فصيلها التقليدي الذي تبنّى المشروع الإصلاحي في إطار الحفاظ على الثقافة العربية الاسلامية بمختلف مرجعياتها وتعبيراتها المشرقيّة والمغاربيّة والوطنية…، أو فصيلها العصري الذي تبنى الفكر الحداثي الأوروبي ومناهجه وطرقه في جميع الميادين والمجالات، فإنّ النخبة المثقّفة التونسية وعلى غرار نظيراتها في جلّ المستعمرات ومن بينها الجزائر والمغرب…، قد اضطلعت بأدوار هامة طيلة الفترة الاستعمارية قصد الخروج من التخلّف واللحاق بركب الحضارة الغربية المتقدمة والتحرّر من ربقة الاستعمار… فكانت بمثابة “الاسمنت” الذي ربط القوى الاجتماعية بالتعبيرات الايديولوجية والثقافية وتشكيل ما يسمّيه غرامشي بـ “الرجل –الكتلة”L’homme- masse“أو”الكتلة التاريخيّة“التي تسيّر المجتمع وتضمن تطوّره ومساره في مرحلة تاريخية محدّدة . فهل سيتواصل هذا الدور بعد الاستقلال؟

ب) خلال فترة الحكم البورقيبي (1956-1987): 

منذ مطلع الاستقلال واصلت النخبة التونسية بمختلف فروعها وأصنافها، تقليدية كانت أم عصريّة القيام بنفس الدور الطلائعي الذي اضطلعت به خلال الفترة الاستعمارية وذلك عبر المساهمة الفعّالة في بناء الدولة الوطنيّة الحديثة وتعصير الإدارة وتحديث المجتمع أولا، ثمّ المساهمة في تجديد الثقافة والفكر التونِسيَيْنِ… وذلك طيلة العقود الثلاثة من الحكم البورقيبي (1957-1987).
ويأتي في مقدمة هؤلاء: الأساتذة المدرّسون – الباحثون بمختلف رتبهم وأصنافهم، الذين رغم السعي الدؤوب لبورقيبة في استقطاب الجامعة واحتواء الجامعيّين وإدماجهم في المنظومة الرسمية كعناصر هيمنة بالمفهوم الغرامشي أو”موالين“و”طيّعين“لإرادته وحزبه الحاكم، لا سيّما بداية من سنة 1963 (أي بعد فشل المحاولة الانقلابية لسنة 1962)، فقد استطاع أغلبهم الحفاظ على”استقلاليّة“و”حياد“الجامعة التونسية و”استقلاليّتهم“عن الدولة والحزب والوفاء لقناعاتهم الفكرية – العلمية وخاصة السياسية والإيديولوجية بالتعبير عن مواقفهم ورُؤاهم عبر النشاط والنضال في عديد المنابر والتنظيمات النقابية والسياسية داخل تونس وخارجها، تارة في السرّ وتارة أخرى في العلن، وهو ما كلّفهم متاعب وتضحيات جسام في الكثير من المحطّات النضاليّة على غرار محاكمات مجموعة”آفاق“والبعثيّين في سنتي 1968 و1969 و”العامل التونسي” في السبعينات والاسلاميّين بين سنتي 1981 و1987 والنقابيّين والنشطاء السياسيّين إثر الإضراب العام للاتحاد العام التونسي للشغل في سنة 1978 وانتفاضة الخبز في جانفي 1984 وفي سنة 1985…، وغيرها من المحطّات النضاليّة الأخرى.

وفي خاتمة هذه اللوحة التاريخيّة، جدير بنا أن نتساءل عن طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين المثقّفين التونسيّين وتحديدا الجامعيّين منهم والنظام الحاكم إثر وصول زين العابدين بن علي إلى السلطة في 7 نوفمبر 1987 ؟

الهامش:

1- قُدّمت هذه الورقة في أشغال الندوة الدولية التي نظّمها المعهد التحضيري للدراسات الأدبية والعلوم الانسانية بتونس خلال يومي 12 و 13 أفريل 2013 بعنوان: “الثقافة والالتزام”. وقد تولى الزميل خميّس العرفاوي الإعداد لها ثمّ التنسيق وجمع الورقات ونشرها. لكنّ مديرة المعهد وبحجّة “وجود خطأ مطبعيّ فادح” قامت بحجب الكتاب بعد صدوره و تسلّم البعض من المتدخلين لنسخهم. وفي يوم الاثنين 25 جانفي 2016 دعت إلى عقد مجلس علمي للمؤسّسة تولى اتخاذ قرار بحجب الكتاب ومحاكمة الورقات الواردة به وفي مقدمتهم هذه الورقة رغم حضور المديرة لأشغال الندوة واطلاعها على مضمون الكتاب الذي بقي على مكتب الكاتب العام للمؤسّسة أكثر من سنة قبل أن تقوم بإرساله إلى المطبعة والتأشير على سحبه. وهكذا عادت “محاكم تفتيش” والرقابة على الحرّيات الأكاديمية إلى الانتصاب في تونس ما بعد 14 جانفي 2011 لتصادر كتابات أصحاب الأقلام الحرّة غير المتماهين مع أفكار وقناعات زملائهم القائمين على شؤون الجامعة ببلادنا !

2- تصريح ورد في مقال سالم أبي لبابة، “النخبة” التونسية نكبة حقيقيّة على الديمقراطيّة، نُشِرَ على موقع الفجر نيوز ليوم 02 أوت 2012. 

3- أنطونيو غرامشي، قضايا الماديّة التاريخيّة، ترجمة وتحقيق فوّاز طرابلسي (عن الفرنسيّة)، دار الطليعة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 1971. 

4- المرجع السابق.
5- إدوارد سعيد، المثقّف والسلطة، نيو يورك، 1994. (بالانجليزية): ترجمة محمّد عناني، دار رؤية للنشر و التوزيع، القاهرة، 2006، صفحة 205.

6- أنطونيو غرامشي، دفاتر السّجن، نيورك، 1971، 483 صفحة (بالانجليزيّة)، ترجمة عادل غنيم، دار المستقبل العربي، القاهرة 1994:
 7- Albert Gauvin, Gramsci, in, tel quel, 19 avril 2012.
 8- Julien Benda, La Trahison des clercs, Éditions Grasset, Paris, 1927. Ouvrage réédité en 1946 avec une longue préface de l’auteur. Cf., la dernière édition : Les Éditions Grasset, 2003, 334 pages.
9- المرجع السابق، ص 51. 
10- Jonathan Mason, Interculutral Studies and the Personalisation of «the other», Cross-cultural dialogue, Tunisia 2010.
11- المرجع السابق. 
12- إبراهيم بيضون، الجامعيّون وضرورة الوعي السياسي، موقع اسلام تايمز، 28 جانفي 2012.
13- المرجع السابق.
14- المرجع نفسه.

15- لمزيد التفاصيل حول دور النخبة التونسية طيلة الفترة الاستعمارية، انظر أطروحتنا: النخبة العصرية التونسية: طلبة الجامعات الفرنسية (1880-1956)، منشورات كليّة الآداب والعلوم الانسانية بسوسة و دار الميزان للنشر، سوسة 2006، (طبعة مخفّفة) 826 صفحة.
 عمّار بلحسن، أنتلجنسيا أم مثقّفون في الجزائر ؟، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 1986، ص 178.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق