الربيع العربي في عيون غربية / وحيد عبدالمجيد

في مثل هذه الأيام قبل 5 سنوات، خلق نجاح الثورة التونسية في خلع الرئيس السابق بن علي روحاً جديداً لدى قطاعات متزايدة من شبان بلدان عربية.

كانت الاحتجاجات التي تحولت ثورةً قد بدأت بعد أيام على إطلاق دعوة إلى تظاهرات في مصر احتجاجاً على القمع والظلم في يوم الشرطة السنوي في 25 كانون الثاني (يناير). وأدى العنف السلطوي الذي جوبهت به التظاهرات إلى توسع نطاقها وتحولها إلى ثورة كبرى.

وكانت هذه بداية اهتمام العالم بما يُعرف بالربيع العربي عبر ميادينه الممتلئة بالمتظاهرين. وتصدر ميدان التحرير في وسط القاهرة أغلفة مجلات وصفحات أولى في صحف عالمية. وكانت مشاهده وغيره من ميادين الثورة في بلدان الربيع العربي، تتصدر نشرات الأخبار في قنوات تلفزيونية كثيرة.

وهذا الاهتمام لم يقتصر على الإعلام، فأسرع عدد متزايد من المثقفين والأكاديميين الغربيين المتخصصين في الشرق الأوسط إلى البحث في ذلك التطور الذي كان مفاجئاً حتى لمن كانوا يرون أن هذه المنطقة صارت على سطح صفيح ساخن قبل سنوات عليه. ومن أبرز هؤلاء جون برادلي في كتابه الصادر عام 2008 بعنوان «من داخل مصر: أرض الفراعنة على شفا ثورة».

وكان مارك لينش الأسرع إذ أصدر مطلع 2012 أول كتاب لمؤلف غير عربي في هذا المجال تحت عنوان «الانتفاضة العربية: الثورات غير المنتهية في الشرق الأوسط». وانطلق من فرضيتين تثبت الأحداث حتى اليوم صحة الأولى منهما، وهي أن تلك الثورات ليست إلا تجليات أولية لتحولات أكبر وأعمق في المنطقة. وما زالت الفرضية الثانية موضع اختبار، وهي أن الشارع العربي لم يعد سلبياً بخلاف ما كان مُعتقداً.

وظلت قضية صعود حركات الإسلام السياسي، التي لقيت عناية واسعة منذ الثمانينات، في مقدم القضايا التي اهتم بها من كتبوا عن الربيع العربي. وجاءت بعدها قضيتا تنامي دور الشباب، وأثر مواقع التواصل الاجتماعي، اللتان تداخلتا في معظم الكتب الصادرة عنهما.

وقد افتتح جون برادلي الكتابة عن صعود الحركات الإسلامية، وتوقع أثره السلبي على الثورات كما يتضح في عنوان كتابه «كيف خطف الإسلاميون ثورات الشرق الأوسط؟»، علماً أن هذا الكتاب صدر في خريف 2012. فقد انطلق من أن صعود الإسلام السياسي يُحبط الافتراض الذي طُرح في مفتتح الربيع، وهو أن القيم الليبرالية ستعرف طريقها أخيراً إلى منطقة ظلت مقاومة لها.

وعندما صدر بعده كتاب ناثان براون بعنوانه المحايد «حين لا يكون النجاح خياراً: الحركات الإسلامية في العالم العربي»، بدا أن مؤلفه كان قد بدأ العمل فيه لدراسة تجربة جماعة «الإخوان المسلمين» في أربعة بلدان عربية، ثم أكمل هذه الدراسة حين اندلعت الثورات وأضاف إليها محاولة استشراف مستقبل هذه الجماعة في مصر، وطرح احتمالات تخللها توقع واحد لم يتحقق، وهو أن تطور التفاعلات السياسية سيؤثر في أداء «الإخوان»، وليس العكس.

وعلى رغم أن كاري روزفسكي ويكهام خصصت معظم كتابها «الإخوان المسلمون: تطور حركة إسلامية» لتاريخ هذه الجماعة، فقد وضعت يديها على جوهر أزمتها عقب ثورة 25 يناير، وهو أن اندلاعها المفاجئ باغت التيار الإصلاحي في «الإخوان»، بخلاف الجناح المحافظ الذي كان ممسكاً بدفة التنظيم وتمكن من فرض موقفه وانتزاع قرار الصعود إلى السلطة بأسرع مما تحتمل قدرة الجماعة.

أما قضيتا الشباب ومواقع التواصل الاجتماعي، فتطرق إليهما معظم الغربيين الذين أصدروا كتباً في ثنايا معالجاتهم. غير أن كتاب خوان كول «العرب الجدد: كيف يغير جيل الألفية الشرق الأوسط» الصادر في 2014 ربما كان أهم الكتب عن دور الشباب. فقد عالج تداعيات صعود جيل عربي جديد عرف بداية الطريق إلى مقاومة الفساد والاستبداد، على رغم أنه لم يستطع تحويل قدرته على الاحتجاج والحشد إلى نجاح سياسي وانتخابي.

وبدا كول مدركاً درس التاريخ الذي يخبرنا أن الثورات المضادة وما يقترن بها أحياناً من صراعات وحروب داخلية، ليست سوى مرحلة رأى أن أمدها لن يطول في الشرق الأوسط.

وكان التاريخ ماثلاً أيضاً في ذهن فرانسيس فوكوياما حين تطرق في شكل عابر إلى ثورات الربيع العربي، وقارنها بثورات 1848 الأوروبية التي هُزمت في حينه ولكنها حققت أهدافها بعد عقود، في كتابه الصادر في 2014 أيضاً تحت عنوان «النظام السياسي والأفول السياسي: من الثورة الصناعية إلى عولمة الديموقراطية». غير أنه بخلاف ما خلص إليه خوان كول، وهو أن نجاح الشباب في تغيير الشرق الأوسط إلى الأفضل لن يستغرق وقتاً طويلاً، رأى ايريك شميث وغارد كوهين في كتابهما «العصر الرقمي الجديد» أن ازدياد فرص النشاط الثوري في العصر الراهن قد يطيل الوقت اللازم لنجاحه، وقصدا بذلك أن أدوات هذا العصر تُغري باستعجال إطلاق نشاط ثوري قبل أن تكتمل مقوماته، وتوقعا أن يؤدي ذلك إلى تواتر انتفاضات غير ناجحة يفصل بين كل منها والأخرى وقت أقصر مما يلزم لبناء الاستراتيجيات السياسية الضرورية لنجاح الثورة.

وقد وجه بعض مؤلفي هذه الكتب وغيرها رسائل إلى صانعي القرار في بلادهم، في شأن دروس يمكن استخلاصها من الربيع العربي، وتداعيات قد تترتب عليه. لكنّ كتابين حملا رسالتين مختلفتين ربما يكونان الأهم: أولهما كتاب ديفيد ليش الذي كان مسؤولاً عن الاتصالات مع النظام السوري منتصف العقد الماضي، «سورية: سقوط بيت الأسد» الصادر نهاية 2012. فقد نبه إلى ما رآه تداعيات خطيرة ستترتب على سقوط الأسد، وربما كان لرسالته هذه أثر ما في تردد موقف إدارة أوباما تجاه الأزمة السورية، ومساعدتها الأسد ضمناً على الاستمرار عبر وضع سقف منخفض لدعم المعارضة المعتدلة.

أما الثاني فكتاب توبي مانهير «الربيع العربي: التمرد والثورة والنظام العالمي الجديد»، والصادر في 2012 أيضاً، وقد وجه رسالة مختلفة تماماً فحواها أن الأدوات الأمنية العسكرية لا تقدم حلاً في مواجهة الاحتجاجات الشعبية، وأن الإصلاحات السياسية الديموقراطية هي السبيل إلى تجنب تفاقم الأزمات والأخطار في الشرق الأوسط.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق