الصَّحافة والرَّقابة في تونس 1938-1953

كانت السلط الاستعمارية الفرنسية تسعى إلى تكميم الأفواه ومحاصرة الإعلام الحرّ والرأي المخالف بطرق عديدة مثل الرقابة والمحاكمات والإجراءات الإدارية (المنع). وكانت الرقابة في عهد الاستعمار الفرنسي تسلّط على كافة مجالات الإنتاج والإبداع الفكري مثل الصحافة والكتب والمجلاّت والسينما والمسرح والبرامج الإذاعية الخ. وقد سلّط نشاط الرقابة بشكل خاصّ على الأعمال التّي تمسّ من النظام السياسي. ونظرا لطبيعة هذه المحاولة ارتأينا الاقتصار على موضوع الرقابة على النشر وتحديدا على الصحافة. وإذ حدّدنا سنة 1938 كمنطلق للدراسة فلأنّنا وجدنا آثارا للرقابة على الصحف إثر أحداث 8 و9 أفريل 1938 أي قبل أن يصبح هذا الإجراء منظّما بنصوص قانونية في السنة الموالية التّي اندلعت فيها الحرب العالمية الثانية(1). وحدّدنا سنة 1953 كنهاية لها بسبب إلغاء الرقابة من قبل المقيم العام الجديد “فوازار” (Voizard) الذي انتهج سياسة انفراج (2).

وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض الكتّاب الفرنسيين ألّفوا، قبل 1938، بعض الدراسات حول النظام الردعي الذي تخضع له الصحف في تونس أثناء العهد الاستعماري(3). فقد اهتمّوا بالجوانب القانونية لإصدار الصحف وسياسة الاستعمار في التضييق على حرّية الصحافة وردع الصحف الناطقة باللغتين العربية والعبرية ولم يشيروا إلى وجود الرقابة. ولا نجد إشارات لها إلاّ في مؤلّف الصحفي عمر بن قفصية الذي كتب حول تاريخ الصحافة التونسية وذكر أنّ الرقابة بدأت منذ سبتمبر 1939 أي منذ بداية الحرب العالمية الثانية (4). وقد اهتممنا من ناحيتنا، في أعمال سابقة، بموضوعي محاكمة الصحف والصحفيين (5) وبالإجراءات الإدارية المسلّطة على الصحف في عهد الاستعمار الفرنسي(6).

ورغم أنّ الرقابة تمثّل ظاهرة أكل عليها الدهر وشرب، فهي تسيل حاليا الكثير من الحبر. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، تعرّض إليها الكاتب “روجي غارودي” في علاقة بممارسات الصهيونية العالمية التّي فرضت ضوابط لا يجوز تجاوزها فيما يتعلّق بالمحرقة اليهودية وخلقت حالة من الرقابة الذاتية لدى أيّ كاتب يريد الكتابة حولها(7). وفي تونس أصدرت المنظمات الحقوقية مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان تقارير عديدة تكشف فيها الاعتداءات على الصحافة وممارسة الرقابة من طرف نظام بن علي(8). ونظّمت مؤسّسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات سلسلة من المؤتمرات تدارس فيها الباحثون موضوع الرقابة(9). ورغم أهميّة ما جاء فيها من مساهمات فإنّها لم تتطرّق إلى الرقابة على الصحافة في عهد الاستعمار الفرنسي. كما ألّف عدد من الصحفيين كتابا جماعيا حول ما تعرضت له الصحافة من انتهاكات في عهد بن علي(10). ونشر الباحث عادل بن يوسف دراسة أبرز فيها الحملات المعادية لحريّة الإعلام وحريّة الإبداع الفكري والفنّي التّي تشنّها أحزاب الترويكا الحاكمة في تونس وتوابعها (11). ونجد نفس الاهتمام في المواقع الالكترونية التّي تعرّض بعضها إلى الترهيب الذي استعمله الأصوليون بالجزائر ضدّ الصحفيين أثناء العشرية السوداء (1992-2002) (12).  غني عن البيان أنّ هذه الممارسات من شأنها أن تخلق تأثيرات سلبية على الكتابة الصحفية والإبداع الفكري والفنيّ. فهي تدعّم الرقابة الذاتية ولا تشجّع الصحفي على التنقّل إلى أماكن الأحداث.

يدلّ كلّ ما ذكرناه من كتابات أنّ موضوع الرقابة ما يزال يحظى براهنيته ويثير الكثير من الاهتمام. ومن أجل المساهمة في دراسته وتعميق معرفتنا بوضع الصحافة في تونس أثناء عهد الاستعمار الفرنسي نعود مجدّدا إلى إثارة التضييقات التّي كانت تتعرّض لها بواسطة الرقابة معتمدين في ذلك على النصوص القانونية والوثائق الأرشيفية وعلى الصحف التّي طالها مقص الرقيب. وسننطلق في دراسة موضوع الرقابة من الإشكالية التالية: إلى أيّ مدى حقّقت الإدارة الاستعمارية أهدافها من تطبيق الرقابة؟

للإجابة على الإشكالية سنتعرّض سنقدّم تعريفا بالرقابة وسنتعرّض إلى الجانب القانوني لنظام الرقابة وهياكلها ثمّ سنحقّق في تعليمات الرقابة وآثارها.

I. تعريف الرَّقابة

من البديهي أن نقول إنّ الرقابة تمثّل إجراء ردعيا تتّخذه الإدارة أو تقرّره المحاكم. وهي ممارسة قديمة كانت تلجأ إليها الكنيسة مثلا عندما تقرّر تأديب أحد أعضائها أو إدانة فكر ومذهب مخالفين لتوجّهها(13). أمّا الآن فهي تعني المراقبة التّي تفرضها الحكومة على الكتب والصحف والمسرحيات والأشرطة السينمائية قبل السماح بنشرها أو بعرضها(14). ويوضع هذا النوع من الرقابة مع نظام الترخيص المسبق في خانة الأنظمة الاحترازية. ولكن يوجد نوع آخر من الرقابة يقع اللجوء إليه بعد النشر أو العرض وهو إجراء ردعي تتّخذه الإدارة أو تقرّره المحاكم. وقد اختلفت المواقف منها بين مؤيّد ورافض. وهناك من يعتبر أنّ الرقابة الحقيقية يمارسها الرأي العام الذي يمثّله القراء(15).

وقد انعكس هذا الاختلاف على الساحة التونسية في عهد الاستعمار الفرنسي. فنجد بعض الأطراف التّي كانت ترفض الحريّة المطلقة للصحافة وتطالب السلطة بممارسة المراقبة على النشريات. فعلى سبيل المثال نذكر العريضة التّي تقدّم بها عدد كبير من الجمعيات إلى المقيم العام سنة 1931 تلفت نظره إلى محتوى العديد من النشريات المخلّة بالحياء وبالأخلاق والمعروضة أمام العموم في المكتبات ولدى باعة الصحف. ومن هذه الجمعيات: الجمعية الكاثوليكية للشباب الفرنسي وجمعية طلبة القانون بالبلاد التونسية والجمعية الفرنسية لقدماء المحاربين والكشافة الإسرائيليين والاتحاد العالمي للشباب اليهودي الخ (16). وكما نرى فإنّ هذه الجمعيات منها ما هو مدني ومنها ما له هدف ديني وتمثّل طيفا هاما من المتساكنين بالبلاد التونسية. ونذكر أيضا جمعية المسلمين الشبّان التّي طالبت بحجز الصحف المخلّة بالآداب والمحرّضة على الجريمة ومنعها من التوزيع (17).

كما عارضت بعض المنظمّات الاجتماعية سنة 1948 نفس المظاهر السلبية في الصحافة. نذكر منها الاتحاد النسائي المدني والاجتماعي (مقرّه في مدينة تونس) الذي احتج على ما تنشره بعض الصحف والمجلاّت(18) من أخبار ومقالات تسيء إلى اللغة الفرنسة وإلى النساء وتحرّض على الجريمة لدى الناشئة، كما طالب بتحجير دخولها إلى التراب التونسي(19). وعبّرت الجمعيات الممثّلة للعائلات الكبيرة عن احتجاجها على تلك الدوريات متّهمة إياها بتهديد الأخلاق والأمن العمومي (20).

وإضافة إلى ذلك عارض ممثّلو المعمّرين الفرنسيين حقّ التونسيين في حريّة التعبير والصحافة. فبعض الصحف الفرنسية مثل “تونس الفرنسية” ما انفكّت تحرّض السلط على تلجيم الصحافة السياسية التونسية(21) التّي تتّهمها بالتحريض على العنصرية والدعاية الوطنية الكاذبة والمثيرة للأهواء(22).

ويمكن إدراج ردود فعل بعض الأطراف التونسية المحافظة على المنشورات الجريئة ضمن المواقف الداعية إلى تسليط المراقبة على التأليف والنشر. ولنا في ردود الفعل على مؤلف الطاهر الحدّاد “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” (نشر سنة 1930) (23) مثال بارز على طلب صادر عن القسم المحافظ في الرأي العام يدعّم فكرة الرقابة. وفي الواقع فإنّ هذا الطلب لا يقطع مع ممارسة المراقبة التّي كانت الطباعة وتجارة الكتب تخضع لها منذ عهد البايات. فقد أخضع أمر26 ديسمبر 1875 إصدار مؤلف ما لموافقة لجنة متكوّنة من شيخين من شيوخ الزيتونة وإن اقتضى الأمر موافقة الحكومة ذاتها(24).

ولكن كان هناك من يدافع عن حرية الصحافة ويحتج على الرقابة. ونذكر منهم أصحاب النشريات السياسية التونسية والصحفيين التونسيين الذين دافعوا عن الصحافة التونسية. كما نذكر الأحزاب المعارضة للاستعمار الفرنسي التّي طالبت بحرية الصحافة خصوصا وأنّها كانت أكبر المستهدفين من الرقابة.

II. نظام الرَّقابة: التَّشريع والهياكل

أ‌- التَّشريع

مثّلت الرقابة نظاما استثنائيا في تاريخ الصحافة بالبلاد التونسية ولم تلتجئ إليها السلط الاستعمارية إلاّ في زمن الحرب الّذي ترتّب عليه إعلان حالة الحصار.

وفي الواقع فإنّ التشريع المتعلّق بحالة الحصار المعلنة في 2 أوت 1914 لم يتضمن إجراءات احترازية ضدّ الصحافة(25)  لسبب معروف هو أنّ الصحف التونسية باستثناء جريدة “الزهرة” منعت إثر أحداث الزلاّج سنة 1911. ولا نجد من إشارات إلى الرقابة سوى نصّ يتيم يشير إلى وضع الإقامة العامة ضابط مترجم على ذمّة الكتابة العامة للحكومة التونسية لممارسة الرقابة على “الزهرة”(26) . ونعتقد أنّها من باب الرقابة بعد النشر. كما أنّنا نجد قرار الجنرال قائد جيش الاحتلال المؤرّخ في 15 مارس 1917 في ما يتعلّق بعرض الإعلانات الصغيرة المبوّبة للنشر على إمضاء كوميسار البوليس بالجهة المعنية أو على رئيس الفرقة الأفاقية الجوّالة. وجاء في الأمر المذكور أنّ إدارة محافظة الأمن تجري بحثا للتحقيق في البيانات المتعلّقة بأصحاب الإعلانات قبل الموافقة على نشرها. وقد اتخذ هذا الإجراء تحسّبا لاستعمالها من قبل قوات التحالف الثلاثي كوسيلة للتخابر.

وفي بداية الحرب العالمية الثانية اتّخذت السلط الاستعمارية في تونس إجراءات احترازية في مجال الصحافة وهي: أمر 29 أوت 1939 المتعلّق بالرقابة على النشريات وأمر غرّة سبتمبر 1939 المتعلّق بحالة الحصار. وبمقتضى هذا الأمر خوّل للسلط العسكرية صلاحية منع الصحف التّي من شأنها إثارة الفوضى وبالتالي الحقّ في إجراء الرقابة على الصحف. وبذلك لا يحقّ الصدور لأيّ صحيفة إلاّ بعد الحصول على تأشيرة من مصلحة الرقابة المعنية(27). كما أنّ الرقابة تمارس على المنشورات الأجنبية الواردة على تونس. ويتمّ ذلك بالاستعانة بالبريد والديوانة(28).

وبعد طرد قوّات المحور من تونس انتقلت صلاحية إجراء الرقابة إلى المقيم العام بمقتضى أمر 19 أوت 1944 المتعلّق بنظام الصحافة زمن الحرب. وجاء فيه أنّ المقيم العام له الحقّ في تحجير جميع الأخبار والنشريات التّي من شأنها أن تعرّض للخطر أمن الجيوش أو أمن السكان الذين هم تحت ضغط العدو أو الغاصب أو تعرّض كذلك للخطر بصفة عامة ما يقتضيه الدفاع الوطني. كما نصّ نفس الامر على أنّ من يتجاوز التحجير المذكور يحال على المحاكم ويعاقب بالسجن من عام إلى خمسة أعوام وبالخطية من الألف فرنك إلى المليون.

ب- الهياكل المكلّفة بالرَّقابة

لقد رأينا أنّ الرقابة على الإعلانات أثناء الحرب العالمية الأولى عهدت إلى الأجهزة الأمنية وتحديدا إلى كوميسار البوليس. غير أنّ الرقابة ستصبح لها هيكلتها الخاصّة قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية. ففي فرنسا عادت الحكومة الفرنسيّة إلى الاهتمام بمقتضيات الدفاع الوطني وتبعا لذلك بالرقابة. وفي هذا السياق أحدثت لدى رئاسة الحكومة “المصلحة العامة للأخبار” تشرف على “مصلحة مراقبة الأخبار” المحدثة من قبل وزارة الدفاع(29) . وفي تونس أحدث أمر 29 أوت 1939 الذي أتينا على ذكره المصلحة المذكورة لدى إدارة المصالح الأمنية. ويتمثّل دور هذه المصلحة في إخضاع المطبوعات وكافة أصناف الإنتاج الفكري والفنّي للمراقبة الاحتياطية ويمكن لها أن تقترح على المقيم العام اتخاذ قرارات زجرية مثل تحجير النشر والحجز(30) . غير أنّ الأمر الصادر في غرّة سبتمبر 1939 والمتعلّق بحالة الحصار أدخل تعديلا يتمثّل في نقل سلطة تحجير تلك المنشورات إلى قيادة الجيش، ثمّ أحدثت بمقتضى قرار المقيم العام في 8 سبتمبر 1939 “مصلحة الدعاية ومراقبة الأخبار زمن الحرب” يشرف عليها المقيم العام. وقد عيّن على رأسها مدير يعيّنه المقيم العام ويعاضده كاهيتان أحدهما مكلّف بمصلحة الدعاية يعيّنه المقيم العام والثّاني مكلّف بمصلحة مراقبة الأخبار يعيّنه الجنرال القائد الأعلى للجيوش بالبلاد التونسية. واسترجعت الإقامة العامة الإشراف الكامل على مراقبة الصحافة والأخبار بمقتضى قرار المقيم العام الصادر في 16 سبتمبر 1940 الذي أحدث مصلحة الأخبار المسيّرة من قبل مدير.

كما بعثت هياكل رقابة أثناء الحرب العالمية الثانية وتتمثّل في “المصلحة المركزية لمراقبة الأخبار” التابعة لكتابة الإعلام بالجزائر. بُعثت هذه المصلحة في ماي 1943 وأحدثت لها فروع جهوية تحت تسمية “مصالح جهوية لمراقبة الاخبار”(31). وتتمثّل مهمّة هذه المصالح في تسليم “ترخيص بالصدور” للجرائد والدوريات التّي لا يمكن أن تصدر بدونه. ويملك رؤساؤها الحقّ في اتخاذ قرارات بحجز النسخ الموزّعة دون ترخيص وفي تسليط عقوبات على الناشرين تتراوح بين التنبيه والإيقاف النهائي مرورا بالتوبيخ والخطيّة والإيقاف لمدّة معيّنة(32). ثمّ أحدثت سنة 1945 “مصلحة مراقبة الأخبار بالإقامة العامة” يشرف عليها مدير يخضع في عمله للديوان المدني بالإقامة العامة(33) .

III. الرَّقابة: التَّعليمات والآثار

أ‌- التَّعليمات

تصدر التعليمات الخاصّة بالرقابة عن المقيم العام وفي بعض الحالات عن القائد الأعلى للجيوش. ويمكن التمييز بين نوعين من التعليمات المتعلّقة بالرقابة:

أوّلا- تعليمات تتعلّق بالدفاع الوطني زمن الحرب: تهدف هذه التعليمات إلى ضبط قواعد لمنع إفشاء، بأيّ شكل كان، كلّ المعلومات سواء كانت عسكرية أو دبلوماسية أو اقتصاديّة أو غيرها يمكن أن ينتج عنها ضرر بالدفاع الوطني(34). وتتلخّص تلك التعليمات في منع تسرّب معلومات ذات طابع عسكري أو ديبلوماسي أو اقتصادي أو غيره من شأنها أن تلحق الضرر بالدفاع الوطني. وتتضمّن أيضا منع الانتقادات العنيفة والشاملة الموجّهة إلى مؤسسات الدولة أو التّي يمكن أن تحطّ من معنويات السكان والجيش. كما يمنع النقد الموجّه إلى سياسة الحلفاء الداخلية(35). ويحال كلّ نقد للوضع السياسي بسوريا ولبنان والهند الصينية، وهي بلدان خاضعة للاستعمار الفرنسي، إلى ديوان المقيم العام مهما كان مصدره(36). ومن ناحية أخرى شملت الرقابة المقالات التّي تركّز على الانكسارات التّي تلحقها قوات المحور بالفرنسيين(37). كما تضمّنت التعليمات تحجير نشر الأعمال المستهجنة التّي يمكن أن يرتكبها جنود فرنسيون أو جنود من جيوش الحلفاء وكذلك المعلومات التّي تهم الحوادث الواقعة أثناء تحرّك القوّات العسكرية أو أثناء نقل معدّات (38). وشملت الرقابة الدعاية للمذاهب الايديولوجية المعادية وهي الفاشية والنازية والايدولوجيا المؤسّسة لحكومة فيشي (39).

ثانيا- تعليمات تعكس التوجّهات الاستراتيجية للاستعمار الفرنسي في تونس: تتعلّق هذه التعليمات بحماية النظام السياسي وبصفة أشمل النظام الاستعماري وتهدف إلى تقسيم الشعب التونسي وعزله عن محيطه العربي. وحتّى يسهل فهمها سعينا إلى تقسيمها إلى عدّة أصناف. نجد التعليمات المتعلّقة بحماية النظام السياسي والاجتماعي. وهي تقضي بحذف المقالات التّي تستهدف المقيم العام أو الباي أو عائلته(40) والمقالات التّي تتضّمن نقدا للإدارة وخاصّة القيادات والمراقبات المدنية والمصالح الأمنية(41). وتقضي أيضا بحذف كلمة “دستور” سواء بالفرنسية أو بالعربية لأنّها تذكّر بحزب وقع حلّه ولم يعد له وجود قانوني(42). كما أنّها تنصّ على عدم السماح بتسرّب أيّة معلومة لها تداعيات سياسية دون إذن من الديوان المدني بالإقامة العامة(43)  وعلى منع نشر المقالات أو الأخبار التّي تتعلّق بالاحتفال بأحداث 9 أفريل 1938(44) وكذلك على تحجير الإعلانات الصغيرة التّي تمسّ بالأخلاق الحميدة(45). وتضمّنت ما يفيد بإحالة الأخبار حول الإضرابات والأجور وبصفة عامة النزاعات الاجتماعية إلى ديوان المقيم العام الذي له أن يتّخذ القرار المناسب(46).

كما نجد التعليمات التّي تستهدف الهويّة العربية للشعب التونسي. ومن بين ما تضمّنته حذف كلّ ما يتعلّق بمؤتمر التعليم الابتدائي العربي(47) وكذلك كلّ ما يشير إلى أهميّة اللغة العربية واستعمالها في التعليم(48).

وتجدر الإشارة إلى وجود تيار داخل الأوساط الرسمية ينادي بالامتناع عن حذف كلّ ما يشير إلى اللاسامية في صحف المسلمين أو يسيء إلى العرب في صحف اليهود. فقد كان أنصار هذا التيار يسعون إلى تأجيج الصراعات العرقيّة بحجة أنّ استمرار الخلافات بين التونسيين على أساس الانتماء الديني يخدم مصلحة فرنسا. ففي نظرهم كان أيّ اتّفاق بين الأعراق لا يمكن أن يقوم إلاّ ضدّ فرنسا ولصالح الأطراف الأجنبية أي الولايات المتّحدة الأمريكية والمملكة المتّحدة(49). غير أنّ المقيم العام لم يأخذ بهذا الرأي وأعطى تعليماته بحذف ما يسيء إلى كلّ من العرب واليهود(50).

هناك أيضا تعليمات تتعلّق بالشأن الدبلوماسي الذي يهمّ نظام الحماية في تونس. ففي مجال العلاقات مع الدول تقرّرت إحالة المقالات التّي تتعلّق بالاتفاقيات الفرنسية الايطالية لسنة 1896 وكذلك المقالات التّي تنال من أحد الدبلوماسيين الأجانب على ديوان المقيم العام(51). كما تقرّر تحجير نشر أيّ معلومة أو مقال يتعرّض للمصالح الإيطالية بتونس دون موافقة مسبقة ومكتوبة من قبل ديوان المقيم العام(52)، وتحجير نشر أيّ خبر رياضي يتعلّق بالإيطاليين حتّى وإن كان تافها دون تأشيرة الإقامة العامة(53). وفي مجال الشأن الكنسي اقتضت التعليمات إحالة كلّ مقال يهمّ أسقفية قرطاج إلى رئيس مكتب العلاقات الخارجيّة(54).

وفي الواقع يبدو أنّ الرقابة لم تتقيّد بالتعليمات المذكورة وصالت وجالت في شتّى المجالات(55)  ممّا جعل بعض الصحف تطلق عليها صفة صاحبة الحَوْل والطَّوْل(56).

ب‌- آثار الرَّقابة

جاء في التعليمات أنّه لا يسمح بترك بياض أو الإشارة إلى عملية رقابة مهما كانت في العناوين أو المقالات(57). ورغم ذلك فإنّ الصحافة التّي سلط عليها سيف الرقابة فضحت هذه الممارسة المشينة بتركها آثارا عديدة ومتنوّعة تشير إلى عمل الرقيب.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الصحف في تونس انقسمت في تلك الفترة إلى قسمين: صحف لم تسجّل الرقابة ما يثير الشبهة في محتواها وهي أغلب الصحف الفرنسية مثل Le Colon français, (58)Le Monde économique, Opinions, La Tunisie française, Tunis-Socialiste  . وفي الواقع فإنّها تتمتّع بهامش حريّة غير محدود خلافا لبعض الصحف وخاصة الصحف العربية والصحف الشيوعية. ومن المفارقات التّي تجدر الإشارة إليها أنّ الصحف العربية التّي اعتادت نقل ما ينشر في الصحف الفرنسية وتسمح به الرقابة ذاتها كانت تتعرّض لعمل المقصّ الذي لا يبقي ولا يذر(59).

ويشتمل القسم الثاني على الصحف العربية والفرنسية التّي شملها مقصّ الرقابة. ونظرا إلى الحدود المفروضة على هذا العمل فإنّنا نقتصر على العناوين والسنوات التالية: النهضة سنتي 1946 و1947(60)  والصباح سنة 1952 وقد بدأت أثار المقص في الجريدة ابتداء من أفريل 1952. وتجدر الإشارة إلى أنّ الأعداد المتوفرة في المكتبة الوطنية الصادرة سنة 1953 لا تحمل آثرا للمقص. واهتممنا أيضا بالزهرة سنتي 1938 و1947 وبجريدة “مستقبل تونس” (L’Avenir de la Tunisie) وهي أكثر الصحف تعرّضا للرقابة (1945- 1946- 1947). وتشير محاضر الرقابة على الصحف الأسبوعية المحليّة إلى صحيفتين أخريين لم تسلما من الرقابة “تونس المسائية” (Tunis Soir) (1947) (61)   و”جريدة اسرائيل” (La Gazette d’Israël) (1947 62.

وكان على الصحيفة أن تعوّض الكلمات أو الفقرات أو المقالات المحذوفة بأخرى ولم يكن يسمح لها إلاّ في حالات معيّنة(63)  ترك بياض أو الإشارة بأيّ شكل كان لعمل الرقابة سواء كان ذلك في العنوان أو في المقال(64) . وتمرّ الصحيفة ثانية على الرقيب فيُعمِل فيها قلمه الأحمر(65)  مرّة أخرى بحيث يضطر الناشر إلى سدّ الفراغ الجديد(66). ورغم ذلك فإنّ الصحف التّي ذكرناها تزخر بالإشارات إلى عمل الرقابة. ويعود ذلك إلى صمود ناشري الصحف الذين قرّروا الاحتجاب سنة 1946 والّذي شاركت فيه كافة الصحف باستثناء “الزهو” واستمرّ أشهرا عديدة(67). ولقد أفضى هذا التحرّك إلى رضوخ السلط لمطالبهم وقبولها الإبقاء على البياض دون تغيير(68).

ونقدّم فيما يلي عيّنات من الإشارات التّي استعملتها الصحف للتشهير بالرقابة :

* الإشارة بعبارة (Censure) أو (censuré): استعملت جريدة “مستقبل تونس” عبارة (Censure) مثلا في العدد الصادر يوم 12 جانفي 1946( الصفحة 2) و الذي حذفت منه قائمة المشتركين في الحزب(69). كما أنّها استعملت عبارة (censuré) لتعويض الكلمات والأسطر المحذوفة مثلا في مقال علي جراد (Les batailles pour les libertés publiques scelle l’union du peuple tunisien) (70 أو ركن(A travers le pays) (71).

* الإشارة بعبارات(Un titre différé): أشارت جريدة “المستقبل الاجتماعي” الصادرة يوم 2 جوان 1945 إلى الرقابة في مقال بالصفحة الأولى ب (Un titre différé) و(Un article de (72 200 pages différé .

* الإشارة بواسطة العبارات التالية: (X lignes censurées) استعملتها “المستقبل الاجتماعي” في عدد 6 مارس 1945 في مقال “السياسة الشيوعية العظيمة سياسة الوحدة والعمل” منشور بالصفحة الثالثة. حذفت الرقابة أسطرا عديدة أشارت إليها الصحيفة في كلّ مرّة حسب عدد الأسطر(73). ونشرت نفس الصحيفة يوم 2 جوان 1945، مقال “إنّها مؤامرة فاشية” في الصفحة الأولى وقد حذف منه 16 سطرا عوّضت بما ذكرناه (74). نفس الشيء حصل في المقال “القضيّة السورية اللبنانية في المجلس الاستشاري” المنشور في العدد الصادر في 30 جوان 1945 والذي حذف منه ثلاثون سطرا(75) . كما أنّنا نجد أحيانا عبارات (X mots censurés 76).

* الإشارة بعبارات (Un article censuré): استعملت نفس الجريدة التّي أصبحت تحمل اسم “مستقبل البلاد التونسية” في بعض أعدادها عبارتي “مقال محذوف”(Un article censuré  (77أو (L’article d’Ali Djérad entièrement censuré) (78). كما أنّها أشارت إلى حذف كلمتي فيكتور أوبير (Victor Aubert) ولويس أزوباردي (Louis Azzopardi) في العدد الصادر يوم 2 جوان 1945، الصفحة الرابعة، بعبارتي “La motion est censurée  (79.

* ترك بياض: لقد سعينا إلى رصد عمل الرقابة قبل الحرب العالمية الثانية فاطّلعنا على أعداد جريدة “الزهرة” الصادرة بعد أحداث أفريل 1938 وتبيّن لنا أنّها تحمل آثار مقصّ الرقابة من خلال ترك بياض في الفقرات أو المقالات المحذوفة. ويمكن أن نفسّر هذا الأمر بعدم وجود تعليمات في كيفية تعويض ما حذف. وفي قضية الحال فإنّ الفقرات المستهدفة من الرقابة تتعلّق بالوضع السياسي في تونس(80)  وبأخبار داخلية(81)  وبالوضع الدولي(82).

* الإشارة بكلمة رقابة: استعملتها جريدة النهضة الصادرة في 4 مارس 1947 في المقال الموسوم ب”يوم العلم يوم الأمّة الخالد” وهو تغطية ليوم العلم تدخّلت خلاله بعض الشخصيات التّي تعرضت تدخّلاتها للرقابة عند النشر. فقد حذف من خطاب الشيخ الفاضل بن عاشور ستّة مقاطع وضعت مكانها كلمة (رقابة) بين قوسين. أمّا خطابا فرحات حشّاد والشيخ المختار بن محمود فقد تعرّضا للرقابة مرّة واحدة. وحذفت من خطاب علي البلهوان فقرات مطوّلة. وفي جميع هذه الحالات وضعت كلمة (رقابة) (83) . كما استعملتها نفس الصحيفة في عددها الصادر يوم 23 أفريل 1947 في مقال “ما يهمّك علمه من أقوال الصحافة الأوروبية”. وهو يتعلّق بالاضطرابات في شمال أفريقيا. حذفت منه الكثير من الكلمات وعوّضت ب(رقابة). وفي نفس العدد تعرّضت “رسالة الكاف” لفعل المقصّ الذي حذف العديد من الفقرات(84) .

* الإشارة بجملة “يؤجّل إلى أن يأتي رئيس الرقابة”: استعملتها جريدة النهضة في العدد الصادر يوم 28 فيفري 1947 في مقال يحمل عنوان “تونس بلد الحمايات” للأستاذ الطيّب العنابي المنشور في ركن “سمر الجمعة”.

* وضع “حذفت الرقابة (كذا) سطرا” أو “حذفت الرقابة (كذا) كلمة”: استعملت جريدة “النهضة” هذه العبارات. ففي مقال “كيف يصنع الفلاّحون” المنشور في العدد الصادر يوم 3 أفريل 1946 عوّضت البياض الذي تركه مقصّ الرقابة ب”حذفت الرقابة خمسة عشر سطرا”(85) . وفي مقال “على من تحمل التبعة؟ المحاكم الشرعية” يتضمّن المطالبة بتطوير نظام المحاكم الشرعية نقلت في البياض نفس الجملة “حذفت الرقابة خمسة عشر سطرا”(86) . وفي العدد الصادر يوم 17 مارس 1946 نشرت جريدة “النهضة” مقال “الأكراد” كتب في بدايته: (حذفت الرقابة 3 كلمات). ونتج عن ذلك تشويه في المعنى بحيث أصبحت الفقرة التّي نالت منها الرقابة على هذا النحو: “(حذفت الرقابة 3 كلمات يعلنون استقلالهم وهي نتيجة أولى لاستمرار احتلال إيران من طرف قوّات أجنبية)”(87).

* “مقال حذفته الرقابة”: استعملت جريدة “النهضة” الصادرة يوم 19 مارس 1947 هذه العبارات للإشارة إلى حذف الافتتاحيّة. وعوّضت الكثير من المواقع البيضاء بعبارة (رقابة).

* “اشتركوا في الصباح طالعوا صحيفتكم المحبوبة الصباح”: استعملت جريدة “الصباح” الصادرة يوم 11 أفريل 1952 هذه الجملة الإشهاريّة في الصفحة الأولى البياض الناتج عن حذف 69 سطرا تتوزّع على عمودين من مقال “الصحافة التونسية تعلّق على مشاركة التونسيين في اللجنة المختلطة لدرس الإصلاحات المعروضة”. وكرّرتا العديد من المرّات(88). كما أنّها استعملت نفس الجملة في العدد الصادر يوم 13 أفريل 1952 في موقعين هي ركن “أنباء الأحداث في البلاد التونسية” الذي أعيدت كتابتها فيه ستّ مرّات على طول عمود يمتدّ 42 سطرا ومرّة واحدة في عمود آخر يمتدّ على سبعة أسطر ومقال يحمل عنوان “استعراض صحفي لجلسة مجلس الأمن” (10 أسطر) (89). وقامت نفس الجريدة بنفس الإجراء في عدد 15 أفريل 1952 في الصفحة الثانية و في ركن الأنباء الداخلية الذي حذف منه 41 سطرا. ووقع تكرار الجملة الإشهاريّة عديد المرّات. وفي مقال “أنباء الأحداث في البلاد التونسية” الذي حذفت منه سبعة أسطر(90). وكذلك الشأن في عدد 25 أفريل 1952 الذي حذف فيه ركن الأنباء الداخلية على طول الصفحة(91).

* وضع عبارة “حذف”: استعملت جريدة “النهضة” الصادرة يوم 31 أفريل 1946 كلمة “حذف” في خبر نقابي وخبر آخر منقول عن جريدة فرنسية “فيكتوار” يتعلّق بانتخابات المجلس البلدي بتونس وكذلك في أخبار جهوية تتعلّق بصفاقس(92) .و في نفس العدد اشتغل مقص الرقابة في مقال يحمل عنوان “حياة العرب والعروبة” يتضمّن أخبارا عن مصر (93). واستعملت نفس العبارة في العدد الصادر بتاريخ 30 جانفي 1947 في مقال “إليك أيّتها الجالية الفرنسية نسوق هذه الكلمة” الذي حذفت منه عدّة أسطر في عدّة مواقع من النصّ وكذلك في المقال “خواطر حرّة لزورق اليمّ البوليس يحلم” الذي تعرّضت فيه الجريدة لاعتقال تلميذين بجامع الزيتونة وقع اعتقالهما والاعتداء عليهما بالضرب والشتم لأنّهما أرادا نقل محتوى بيانات وقع تعليقها قرب باب مشيخة تونس. حذفت منه عديد الأسطر ووضعت عبارة “حذف”(94) . كما استعملت نفس العبارة في نفس العدد في المقال “إلى أين تنتهي سياسة الشرق”. يتضمّن هذا المقال دعوة إلى تحرّر شعوب الشرق. وحذفت منه بضعة أسطر(95).

هكذا نرى أنّ الصحف التّي استهدفتها الرقابة استعملت إشارات عديدة للتشهير بها. وفي بعض الأحيان نجد في العدد الواحد إشارات متنوّعة(96) . وانطلاقا من عناوين المقالات فإنّ ما تمّ حذفه يدخل في نطاق الكتابات الموجّهة إلى إعلام الرأي العام التونسي وتثقيفه. وهو ما كانت السلط الاستعمارية تسعى إلى عرقلته.

الخاتمة

نستنتج أنّ الصحافة الحرّة في تونس أثناء عهد الاستعمار الفرنسي كان لها أعداء كثيرون. وكانت السلطة أهمّهم على الإطلاق. فمن البديهي أنّ الأنظمة الاستعمارية لا تقبل بحريّة الصحافة وبالاحتكام إلى الرأي العام في هذا المجال إلاّ بصفة نسبية وظرفية. فلا غرابة ممّا عانته الصحافة الحرّة في تونس من ردع وتضييق ومراقبة. وكانت الرقابة واحدة من أهمّ وسائل المراقبة. ولكنّها ارتبطت بظرفية معيّنة. فقد تزامن إقرارها مع اندلاع الحرب العالمية الثانية واستمر لفترة طويلة في علاقة بحالة الحصار. وأحدثت للغرض شبكة واسعة من الهياكل مركزية وجهوية. كما وقع ضبط مجالها عن طريق تحديد ما لا يجب السماح بنشره. غير أنّ مقاومة أهل المهنة أفشلت ذلك الإجراء واستعملوه للتشهير بالسلطة.

إنّ المتأمّل في البياض الذي تتركه الرقابة يدرك مدى الدمار الذي كانت تلحقه بالصحف. فتصبح مشوّهة من ناحية الشكل وتفقد قيمتها من ناحية المضمون. فتصبح منفّرة وغير قابلة للقراءة. ولا شكّ أنّ القرّاء في هذه الحالة لا يُقبلون على اقتنائها. فتتسبّب الرقابة في موت الصحافة.

لكن يطرح سؤال على غاية من الأهميّة: هل حقّقت الرقابة في تونس هدف السلطة الاستعمارية من حجب المعلومة على القارئ؟

تعسر الإجابة بنعم لأنّ التجربة بيّنت أنّ الرقابة لا تحقّق عادة النتائج المرجوّة منها بل إنّها تعود بالضرر على السلطة. وهي تمثّل في الكثير من الأحيان إشهارا مجانيا للجريدة أو المجلّة. كما أنّها تدفع أصحاب الصحف والصحفيين إلى البحث عن طرق أخرى لإبلاغ أصواتهم مثل توزيع المنشورات بشكل غير قانوني. ولا ريب أنّ جريدة “الطليعة” الناطقة باللسان العربي والتّي كان ينشرها الحزب الشيوعي التونسي مثّلت أبرز نموذج للجرائد السريّة في عهد الاستعمار الفرنسي. ومن ناحية أخرى فإنّ التضييق على الصحافة يدفع الناس إلى التعامل مع وسائل أخرى مثل الإنصات إلى إذاعات أجنبية. كما أنّه يشجّع على نقل المعلومات بطريقة شفوية وعلى انتشار الإشاعة. وهي وسيلة مضرّة بالنّظام نفسه ولا يمكن التحكّم فيها مطلقا. وقد يساعدنا البحث في هذه البدائل على معرفة الوسائل التّي استعملتها الحركة الوطنية التونسيّة للاستمرار في النشاط زمن الحرب وفي فترات حالة الحصار.

كما أنّ الرقابة من شأنها أن تفرز مقاومة الصحفيين مثلما رأينا. وبفضل هذه المقاومة تحوّلت الرقابة من مراقبة غير مرئية ولا يتفطّن إليها القارئ إلى تدخّل ظاهر للعيان من طرف السلطة. فهذه الأخيرة تكشف ضعفها وخوفها من الكلمة ومن الخبر أمام الملإ وتجسّد كأحسن ما يكون ما جاء في المثل “كاد المريب أن يقول خذوني”.

الهامش:

1- تجدر الإشارة إلى أنّ الصحفي عمر بن قفصية ذكر أنّ الحكومة فرضت في بداية العشرينات على المطابع العربية إرسال نسختين من كلّ ما تطبعه إلى إدارة الأمن قبل تسليمه إلى صاحبه بأربعة وعشرين ساعة على الأقلّ. ولكنّنا لم نعثر على ما يفيد أنّ هذا الإجراء طبّق على الصحف إذا استثنينا الإيداع القانوني. بن قفصية، عمر، أضواء على الصحافة التونسية 1860- 1970، تونس، دار بوسلامة للطباعة والنشر، 1972، ص 25.

2- Julien, Charles-André, Et la Tunisie devint indépendante (1951-1957), Tunis, Les éditions Jeune Afrique / S.T.D., 1985, p. 119.

3- Duran – Angliviel (A), La législation de la presse et les libertés publiques en Tunisie, Editions Nouveau prométheé, 1936. Et Silvera, Victor, Les libertés publiques en Tunisie, Paris, L.G.D.J., 1955.

4 – ابن قفصية، عمر، أضواء، المصدر ذاته، ص 43.
5- عرفاوي، خميس، القضاء والسياسة في تونس زمن الاستعمار الفرنسي (1881-1956)، تونس، صامد للنشر والتوزيع، 2005.
6 – Arfaoui (K), Colonialisme et presse en Tunisie (1881-1956, Rawafid n° 6- 2001, pp 7- 28.
7- Garaudy (R), Le procès du sionisme israélien, Beyrouth, Al fihrist, 1998, p. 5.
Cingouin, Jennifer, En France, l’Art menacé de censure par des associations sionistes. http://www.cercledesvolontaires.fr/2013/07/02/lart-menace-de-censure-en-france-par-des-association-sionistes/

8-  الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، الصحافة المنكوبة، ماي 2003، نصّ مرقون. والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إعلام تحت الرقابة، ماي 2004، نصّ مرقون.

9 – نشرت المؤسّسة المذكورة أعمال خمسة مؤتمرات في ثلاثة مؤلفات. نذكر منها: أعمال المؤتمرين الرابع والخامس لمنتدى الفكر المعاصر حول الرقابة الذاتية والرقباء بين السياسي والديني في البلاد العربية، بالاشتراك مع مؤسّسة كونراد ادناور، 2008.

10- جماعي، صحافيون تونسيون في مواجهة الدكتاتورية ثلاث وعشرون سنة من القمع والتضليل، تونس 2013.

11 – ابن يوسف، عادل، “بعد قرابة سنتين من تسلّم حزب حركة النهضة الحكم في تونس: قراءة في وعود الحركة وإنجازاتها: من “الوصايا العشر” إلى “الأخطاء العشرة””، البديل، عدد 4 و5، الثلاثيتان الثالثة والرابعة 2013، ص 155-236. و”ﻋﻠﻰ إﺛﺮ اﻗﺘﺤﺎم ﻓﻀﺎء «اﻟﻌﺒﺪﻟﻴﺔ» اﻟﻔﻨﺎﻧﻮن ﻳﺘﻤﺴّﻜﻮن ﺑﺤﻘﻬﻢ ﻓﻲ ﺣﺮﻳّﺔ اﻟﺘﻌﺒﻴﺮ.. ووزارة اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺗﺮﻓﺾ الاعتداء ﻋﻠﻰ المقدّسات”، الصباح، 12 جوان 2012.

12- تلتجئ هذه الجماعات التكفيرية إلى تكميم الأفواه عن طريق الاغتيال. ففي الجزائر مثلا قتلت الجماعات الأصولية “الإسلامية” ستّين صحفياً جزائريا. مارثوز، جان بول، “المتطرفون يمارسون الرقابة على القصة الصحفية الدينية”.
http://www.cpj.org/ar/2013/02/021158.php

13 – Pauvert (J-J), Nouveaux et moins nouveaux visages de la censure suivi de L’affaire Sade, Paris, Les Belles Lettres, 1994, p. 16.
14 – Sabatié, Léon, La censure, Paris, A. Pedone, Editeur, 1908, p. 1.

15- Sabatié, Léon, op. cit.
16- وثائق الإقامة العامة (وإع)، شريط (ش) 418 R، صندوق (ص) 2181 (2)، ملف (م)1، و31، رسالة إلى المقيم العام، مؤرّخة في 4 جويلية 1931.
17 – المصدر نفسه، و560، رسالة من محمد صالح النيفر رئيس جمعية الشبان المسلمين إلى الوزير الأوّل، دون تاريخ.
18 – من بين هذه النشريات، نذكر:
Paris nu, Paris folies, Nos amours, Qui détective, Police hebdo, Vertiges, etc.

19 – المصدر المذكور، وإع، ش 418، ص 2181 (2)، م1، و561، رسالة صادرة عن الاتحاد النسائي المدني والاجتماعي، مؤرّخة في 15 أفريل 1948.
20 – المصدر نفسه، و363، تقرير صادر عن جمعية العائلات الكبيرة، مؤرّخ في 16 أفريل 1948.
والمصدر نفسه، و364، رسالة من المدير العام للرابطة الفرنسية لآباء وأمّهات العائلات الكبيرة في تونس إلى المقيم العام، مؤرّخة في 17 أفريل 1948.

21- La Tunisie française, du 21 août 1923.

22- Idem, du 19 juin 1925.
23- Ben Ghedahem (M), Haddad et la presse d’expression française/ un aspect méconnu de la querelle, Tunis, Ichraq Editions, 2009.

24- Duran – Angliviel (A), La législation de la presse et les libertés publiques en Tunisie, Editions Nouveau Prométhée, 1936, p. 9

25  – نصّ الفصل الثاني من أمر 2 أوت 1914 على أنّ المحاكم العسكرية لها الحقّ في منع المطبوعات المثيرة للهرج. وهذا الإجراء ردعي ولا علاقة له بالرقابة.

26 – الأرشيف الوطني التونسي، السلسلة E، الحافظة 440 A، الملف 18/295، مراسلة إدارية، تحمل تاريخ 19 نوفمبر 1915.

27- وإع،  ش 418، ص 2181 (2)، م1، و86، وثيقة عسكرية (بالفرنسيّة)، مؤرّخة في ماي 1943.
28- الأرشيف الوطني التونسي (أ- و)، س (SG) سلسلة فرعية (س ف) SG5، حافظة (ح) 149، م 2، ملف فرعي 2/4، و7، تقرير، دون تاريخ.
29- نفس المصدر، و5، وثيقة عسكريّة، مؤرّخة في 1 جوان 1938.
30- المصدر ذاته.
31- مصدر مذكور، وإع، و86.
32- المصدر نفسه.
33- أنظر مثلا: نفس المصدر، وإع،  ش 418، ص 2181 (2)، م1، و270، مراسلة إدارية لا تحمل تاريخا.
34- مصدر مذكور، أ- و، و 5.
35- نفس المصدر، وإع،  ش 418، ص 2181 (2)، م1، و169، تقرير، مؤرّخ في 30 جويلية 1944.
36- مصدر مذكور، وإع،  و270.
37 – نفس المصدر، وإع،  ش 418، ص 2181 (2)، م1، و124، مذكّرة إدارية، مؤرّخ في 11 أوت 1944.
38- مصدر مذكور، و270.
39- المصدر ذاته.
40- نفس المصدر، وإع،  ش 418، ص 2181 (2)، م1، و117، تقرير حول اجتماع إداري انعقد يوم 20 جويلية 1944.
41 – المصدر نفسه.
42 – نفس المصدر، وإع،  ش 418، ص 2181 (2)، م1، و134، مذكّرة، مؤرّخة في 14 أكتوبر 1944.
43- مصدر مذكور، و124.
44- نفس المصدر، وإع،  ش 418، ص 2181 (2)، م1، و204، مذكّرة إدارية، مؤرّخة في 7 أفريل 1945.
45- المصدر نفسه.
46- مصدر مذكور، وإع،  و270.

47- انعقد مؤتمر التعليم الابتدائي العربي أيّام 13 و14 و15 أوت 1944 بدعوة من اللجنة التنفيذية للنقابة التونسية للتعليم العمومي وضمّ معلمين ومهتمّين بمكانة اللغة العربية في التعليم. وتلخّصت مطالب المؤتمرين في جعل التعليم الابتدائي إلزاميا واعتماد اللغة العربية في التدريس بمدارس البنات وجعلها اللغة الرئيسية في مدارس الذكور. وهو ثاني مؤتمر يهتمّ بالتعليم العربي بعد مؤتمر 1937 الذي انعقد بمدينة القيروان. النهضة، 2-15-16-17 أوت 1944.

48- نفس المصدر، وإع،  ش 418، ص 2181 (2)، م1، و131، مراسلة إدارية تحمل تاريخ 18 أوت 1944.
49 – نفس المصدر، وإع،  ش 418، ص 2181 (2)، م1، و114، تقرير إداري مؤرّخ في 27 جويلية 1944.
50- مصدر مذكور، و 124، مذكّرة موجّهة إلى مدير الإعلام، مؤرّخة في 11 أوت 1944.
51 – مصدر مذكور، وإع،  و270.
52- المصدر نفسه. التحجير لا يشمل إيطاليا التّي لا تقيّد التعليمات الحديث عنها بل تحثّ عليه على أن يبتعد عن الثلب وتحثّ على عدم نسيان الخلافات الفرنسية الايطالية.
53- المصدر نفسه.
54- المصدر نفسه.

55- جاء في إحدى الصحف ما يلي: “قلنا إنّ قلم الرقابة قد يمتدّ أحيانا دون تثبّت أو ترو بالحذف إلى بعض الأخبار التّي لا تدخل تحت تصرّفه قانونا. فقد حذف لنا أخيرا بعض الأنباء الخاصّة بإعانة مصر لتونس كأنّما لا يريد أن ندخل السرور على قلوب المنكوبين… وأكثرها ما يتجلّى عدم التثبّت في الكلمات. فقد حذفت من رسالة الكاف بعدد الأمس مثلا كلمة (اعتداء) ولسنا ندري أيّ خطر يتوقعه الرقيب من هذه الكلمة مضافة إلى سائق سيارة دهس أحد عباد الله المساكين”، “هل الرقابة اسم بلا مسمّى”، النهضة، 24 أفريل 1947.
56- المصدر نفسه.
57- مصدر مذكور، وإع،  و270.
58- المصدر نفسه، و363، محضر رقابة على الصحف الأسبوعية المحليّة عدد 69، مؤرّخ في 1 مارس 1947.
والمصدر السابق، و348، محضر رقابة على الصحف الأسبوعية المحليّة عدد 324، مؤرّخ في 14 فيفري 1947.
59- “هل الرقابة اسم بلا مسمّى”، مصدر مذكور.
60- ليس هناك أثر للرقابة في جريدة النهضة خلال سنة 1945.
61- المصدر السابق، و348.
62- المصدر نفسه، و325، محضر رقابة على الصحف الأسبوعية المحليّة عدد 59، مؤرّخ في 31 جانفي 1947.
والمصدر نفسه، و348، محضر رقابة على الصحف الأسبوعية المحليّة عدد 324، مؤرّخ في 14 فيفري 1947.
63- في بعض الأحيان يسمح بالإبقاء على البياض فنيّة تتمثّل في عجز مدير الصحيفة عن تعويض المقال المحذوف. وهو ما حصل مثلا للصحيفة الفرنسية “تونس سوار” (Tunis Soir) الصادرة يوم 14 فيفري 1947. المصدر مذكور، و348.
64- مصدر مذكور، وإع،  و270.
65 – تقول جريدة النهضة في شأن هذا القلم:”فقد رأى القرّاء المساحات الشاسعة التّي اكتسحها قلم الرقابة في عدد الأمس وكم ترك من أشكال هندسية بيضاء من مربّعات ومستطيلات وخطوط ملتوية…”، “هل الرقابة اسم بلا مسمّى”، مصدر مذكور.
66- بن قفصية، عمر، أضواء، مصدر مذكور، ص 43.
67 – “هل الرقابة اسم بلا مسمّى”، المصدر ذاته. وحسب رصيد جريدة النهضة في دار الكتب الوطنية فإنّ الاحتجاب دام من 16 أوت 1946 إلى 9 جانفي 1947 .
68 – بن قفصية، عمر، أضواء، مصدر مذكور، ص 43.

69- L’Avenir de la Tunisie, 12 janvier 1946
70- Idem, 21 décembre 1946
71- Idem
72- L’Avenir de la Tunisie, 2 juin 1945
73- Idem, 6 mars 1945
74- Idem, 2 juin 1945
75- Idem, 30 juin 1945
76- Idem, 30 août 1946
77- Idem, 3 mars 1945
78- Idem, 24 août 1946
79- Idem, 5 juin 1945

80- مثل “سانحة”، الزهرة، 14 أفريل 1938 و”حول لجنة البحث الألماني وما تعلّقه عليها تونس من آمال”، الزهرة، 21 أفريل 1938.

81- مثل الزهرة، 15 أفريل 1938.
82- مثل “على هامش الميثاق الانقليزي الطلياني”، الزهرة، 19 أفريل 1938 و”في السياسة الخارجية قرب انتهاء الحرب الاسبانية وخطورة الحالة الدولية”، الزهرة، 30 أفريل 1938.
83- النهضة، 4 مارس 1947.
84- المصدر نفسه، 23 أفريل 1947.
85- المصدر نفسه، 3 أفريل 1946.
86- المصدر نفسه.
87- المصدر نفسه، 17 مارس 1946.
88- الصباح، 11 أفريل 1952.
89- المصدر ذاته، 13 أفريل 1952.
90- المصدر نفسه، 15 أفريل 1952.

91- المصدر نفسه، 25 أفريل 1952.
92- المصدر نفسه، 31 أفريل 1946.
93- المصدر نفسه.
94- المصدر نفسه، 30 جانفي 1947.
95- المصدر نفسه.

96- في جريدة “المستقبل الاجتماعي” الصادرة في 30 أوت 1946 مثلا نجد إشارات عديدة: (X lignes censurées) و(X mots censurés) و(Un article censuré) و(Titre  censuré)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق