كتاب – “تحت المطر الأزرق” سكون شاعرة كتبت كلماتها على الريح / مي منسى

“تحت المطر الأزرق” الديوان الثامن لندى الحاج هو موعدها مع شاعرها أنسي الحاج،هو كحوار بينهما، مولود من كلمات مغسولة في مياه هذا المبتدأ الذي منه كان الخبر عاريا من تعب الحياة، متعاليا عن قشورها. شاعران متساويان بالدم والعرق، اتحدا في الارتقاء بالشعر إلى مملكة الحقيقة، إلى حيث النقاء والبقاء.كأن هم أنسي الحاج الجوهري الذي ورثت ندى من كيانه،التوق إلى الخلاص. ولكن ما الخلاص لدى النفوس المعذّبة حين الشعر شريدا بلا هدف بدل أن يكون الهدف.

هذه الكلمات المحفورة في الضوء، تتكلّم بالهمسات، يعني أنها ليست مقفلة على ذاتها، ولا هي عقدة خفيّة من الصعب حلّها، بل نسمعها كنغم يتوالد من قلب القصب، خافتا، أنيسا، ثم يعلو مترنّما، تائقا إلى الحريّة من دون طبول ومزامير، فمن منبع الصمت آيته الشعرية، ومن التأمل في الكون وحيه. هكذا تتمتم الصلوات. في البدء على الصفحة البيضاء، هي الكلمة التي شقّ بها الشاعر سر التوحّد في روح الشاعرة: “الشوق ضوء العالم”. من قلبها هبّ شوق إليه، بينها وبينه هي معجزة الشعر وحدها القادرة أن تختصر المسافات بين الهنا والهناك، “هي تعرف وهو يعرف أن ما من هنا وما من هناك”:“سأدجّن لك الليل وأبتلع غربته فيك/ أيها الساجد عند عتبة الضوء/ أيها العارف الهارب/ أيها المتشظي الكاسر/ أيها الكتوم المنكفئ/ أهديك عمري…”.

على خط وحداني سار، غريبا في عالمه، بعيدا، خفيفا كأنفاس الهواء، حرّا، في أعماق ذاته تناغم بين الطبيعة والانسان، بين سر الكون والوجود ولم يبرأ من العذاب. أما هو الذي قال:“رأيت الرجل ينزل وجهه، ينزل صوته، ينزل تيّار خوفه/ رأيته لا يجد صراخه/ رأيت الرجل يغوص في مياه العذاب المنخفضة/ رأيته…”.

في هذه النبرة لفحتني شرارة من روحه في شعر ندى. عنها، عن هذه الابنة التي ورثت عنه الشعر قال كلمة تختصرها:“ندى الحاج في نشوة النور. وهي روح ما يسمو على الجرح… والنور الصامد فيه هو النور الذي لا تطفئه عاصفة”. مرّة أخرى فردت له صفحة بيضاء أضاءت بها درب قصيدتها:“حيث روحك فاذهب”.

ندى الحاج لم تغمس ريشتها في حبر شاعرها، لم تكتب بقلمه، لم تكسُ الكتابة جسدا، لم تفح من رياحينها ثورة، بل تأمّلت في ما كتبه، نقيض ما أوحاه إليها في كلمات ثلاث:“أغلقوا عليَّ الباب سيكون بيني وبينه فاصل كلمة…”. وعدت إلى حيث قال: “حيث روحك فاذهب”، فكان ردّها إليه ملء الكون، فهل سمع غناءها على مسافات منها:“ماذا أفعل بها وهي فالتة منيّ/ لا جسدي قادر أن يحويها ولا هي تتحمّله/ ماذا أفعل بروح تضيق/ وجسد يضيق/ وزهد أوسع منهما؟”.

ركائز من كلماته ارتفعت عليها قصيدتها، كأنه فرش لها تربته لتنمو عليها، لا جذورا لبصيلات شعر، لا سنابل لغلاّت قمح، بل صوت مديد يعلو دربه فوق قمم السرو والشربين.

ندى الحاج، في قصيدتها“سألاقيك في الريح” كأني كنت أقرأ رسالة، هي موعد لقاء، هي شوق غياب في زمن المطر. في هذه القصيدة كلّمته عن الواحد الأوحد، كمن خلع لباس الأرض ومشى على درب الحق. هكذا تخرج الدودة لتغدو فراشة، هكذا الخروج من الظلمة إلى الروح. اسمعوها: “إني سألاقيك في الريح/ حيث الواحد الأوحد يطويك/ بأهدابك وأشعارك وعصافيرك/ لملم أوراقك واكتب حتى الثمالة!”.

لعلّ ندى الحاج وجدت دربا إلى “الواحد” الذي من غير أن يتعارض مع الكل يفيض به خصوبة ومغزى. فمن تسنى له التعمّق في النصوص الطاوية ككتاب الطريق والفضيلة، لا بد أن يتوقف مليا عند مفهوم “الواحد”السامي المقام وتأثيره في توحيد الذات والترقي بها إلى النقاء والاكتمال.

إيمان ندى بالروح الخالدة سهّل عليها التواصل مع شاعرها في هذا الديوان الذي أهدته “إلى أبي”، كأنهما في هذا التحاكي، هو بخصلة شعر، هي بقصيدة، كذّبت الموت. “كلّنا نلتقي في الواحد الأوحد، فنحن في تواصل معه، يسمعنا”.

قال لي “أنت مرآتي”

بين ديوانها “تحت المطر الأزرق” المهدى إليه، وأوراقه غير المنشورة التي بناء لطلبه حين أدرك اقتراب الرحيل، جمعتها ونقّحتها لتكون جاهزة في يوم ذكراه في شهر شباط، لمست ندى الحاج معجزة التواصل مع أنسي الحاج. بصوتها الساكن كلّمتني، روح بيضاء تفوّقت على الموت:“روّضت فكرة الموت، وأنا أتحسّس نبضاته في كل كلمة، كل حرف. مضيت أتعرّف إلى والدي من جديد. ظروفه الحياتية أقامت حواجز أعاقت علاقة الأب بابنته. هذه الأوراق التي تلهّفت لصوغها كتابا، جاءت تعويضا عن هذا الغياب. قال لي”أنت مرآتي“هذه الكلمة كسرت الحاجز بيننا. لقد أهداني فرصة ثمينة في تحضيري ولادة هذا الكتاب وبين يديّ، خطّه، عبارات وجدانية، شخصية، موجعة، والدي بدا عاريا أمامي. لقد وضع ثقته بي، غطّاني، امتلأت به. تواصلت معه من الهناك. أحزن حين أقرأه، أتعلّم حين أقرأه، أتثقف، فهو موسوعة من أدب وشعر وموسيقى وفن”.

من بين القصائد تلك التي تقول فيها الشاعرة: صوت المطر يشبه صوت أبي حين كان يهطل قصصا لا تشبه شيئا في الحياة.“حلم جاءني ليلا ناصعا كالثلج. تسلّمته رسالة بيضاء. وأبي يقول أنتم أحلى شيء لديّ. الحلم صار شعرا”.

روح الغائب، فكره، خطّه على الورق، حمى ابنته من اليتم. “بل أنا معه. لقد حوّلت الموت إلى حياة، بل أعدت أبي إلى الحياة”.

تتذكر فترة المرض وكان أصبح شبه عاجز عن الكتابة:“كان في صدد جمع أوراقه. حاولت مساعدته في غربلة هذا الكم من الأوراق، كلمته ظلّت هاجسا في بالي: أترك لك كل ذلك بعد رحيلي. لم أرث من أبي أرضا ولا بيتا بل ورثت كنوزا من كتاباته. مضت سنة لم أتجرّأ خلالها النظر إلى خطّه، الاقتراب من أوراقه. بعدها أعلنّا عن مؤسّسة أنسي الحاج.وفي هذه السنة القادمة حصيلة حياة في كتاب، لم يجد عنوانا له بعد. كما صوته في أسطوانة صمّمها لويس أخي”.

في قصيدتها “فوق المستحيل” ترافقه “حتى المشهد الأخير،كلانا سائرعلى خطى همس الريح”.

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق