سرديات التَّمرُّد: قراءة في الأنماط المختلفة للتَّمرُّد

مقدمة:

تأثَّر التَّمرُّد بشكلٍ عام، بوصفه خروجًا عن الأنماط السَّائدة للحياة بمختلف أشكالها الاجتماعيَّة و السّياسيَّة والاقتصاديَّة وغيرها، بأنماط الإنتاج والاستهلاك إلى حدٍّ كبير، تلك الَّتي ينتج من خلالها الإنسان حياته بطرق مختلفة، ماديّ ولا ماديّ على حدٍّ سواء، وفي مسيرة التَّغيّر هذه نجد أنَّ التَّمرُّد – موضوع هذه الورقة – لم يعد كما كان سابقًا، مقتصرًا على المواجهة الماديَّة المباشرة.

تتطرَّق هذه الورقة للأنماط المختلفة للتَّمرُّد والَّتي ساهمت في تغيير وجهته من جهة، كما ساهمت في المقابل تغيير تعامل القوى المهيمنة مع هذه الأساليب المختلفة من جهة أخرى، ذلك أنَّ التَّمرُّد ليس فعلاً سياسيًّا صرفًا، بل هو في العمق فعل من أفعال تغيير إحداثيات اللُّعبة والدُّخول للمنافسة بطرق غير مسبوقة من قبل، فالمتمرّد يهدف لوضع معادلات كونيَّة جديدة، مخالفة للسَّائدة.

تحوُّلات التَّمرُّد:

نستطيع القول مبدئيًّا عن التَّمرُّد في شكله العام بأنَّه يعتبر خروجًا عن اليوميّ، والسَّائد، و المتعارف عليه، وهو لا ينحصر في وجهة واحدة، بل يمتدُّ ليشمل كلَّ الأنماط المعيشيَّة المختلفة، منها ما هو سياسيّ واجتماعيّ وغذائيّ وجنسيّ وغيره. غير أنَّ التَّمرُّد قد ارتبط لفترة طويلة بالجانب السّياسيّ الَّذي يرتبط بطبيعة الحال بالجوانب الأخرى من الحياة، إذا أخذنا في الحسبان بأنَّ التَّمرُّد هو أقلّ مرتبة من الثَّورة والانتفاضة والاحتجاج بالمعاني الجماهيريَّة المتعارف عليها.

ولكن هذه المرتبة الأقلّ هي البداية لما بعدها، وهي النَّواة الَّتي تخلق الثَّورة والانتفاضة وغيرها من الأنماط الاحتجاجيَّة المختلفة، ذلك أنَّ الابتعاد عن التَّمرُّد يعني السُّقوط في هاوية اليوميّ و الرُّوتينيّ والتَّحجُّر تجاه أشكال الحياة المختلفة، بمعنى آخر فإنَّه يعني اجترار الأمس وسلطة الماضي وهيمنة الموتى على الأحياء. وهذا يشمل أيضًا حتَّى تلك الأشكال المختلفة من التَّعبير عن الذَّات، فهذه الأنماط التَّعبيريَّة قد اندرجت لفترة زمنيَّة طويلة في سرديَّة متشابهة من الأفعال وردود الأفعال أصبحنا نطلق عليها التَّقاليد، وهي تلك الَّتي وصلتنا من الأموات، ولكنَّها ما تزال تؤثّر في حياتنا بشكلٍ مباشر، بل وتصنعنا في الكثير من الأحيان، غير آبهة بهذه التَّغيّرات المختلفة في طرق إنتاجنا للحياة واستهلاكنا لكلّ ما فيها من معارف، ومعلومات، ومُتع وملذَّات. تتجسَّد هذه التَّقاليد في “مجموعة من الممارسات تحكمها قواعد ذات طابع طقسيّ أو رمزيّ، و تكون هذه القواعد مقبولة علنيًّا أو ضمنيًّا، وتسعى إلى غرس قيم ومعايير سلوكيَّة معيّنة من خلال التّكرار، وهو ما يعني التَّواصل مع الماضي”(i). تقتضي التَّقاليد إذن الانخراط في السّياق العام، بكلّ أشكاله وأصنافه، وعدم محاولة كسرها أو الخروج عنها، غير أنَّ هذه التَّقاليد لا تصبح تقاليدا  إلاَّ إذا تمَّ انتهاكها والخروج عنها، وتمَّ في المقابل إستحداث أنماط معيشيَّة أخرى مغايرة لما سبق، وهو ما نجده واضحًا في تلك العبارات المتداولة الَّتي تشجّع على التَّمسُّك بالتَّقاليد بوصفها تمثّل هويَّة المجتمع، والرّباط الوثيق مع الماضي، والخوف من الانحلال، وغيرها من العبارات الَّتي تسعى لبقاء الأوضاع كما هي.

في هذا السّياق، فإنَّ التَّمرُّد لم يتَّخذ وضعيَّة واحدة، فهو مرتبط بالظُّروف البيئيَّة والاجتماعيَّة للمتمرّد ولموضوع التَّمرُّد أيضًا، لكنَّه بشكلٍ عام يتَّسم بسمة واحدة هي عدم الالتفات للآخرين بالرَّغم من تغير السُّلطات والضُّغوطات الَّتي يخضع لها المتمرّد، فالهدف الَّذي يسعى له المتمرّد لا يمكن التَّنازل عنه، أو القبول ببدائل مختلفة، إنَّه يعني الإصرار والمثابرة وعدم الاستكانة للتَّقاليد. وهو في ذلك يتغيّر، فهناك الفارس الَّذي ينشقُّ عن الجيش لعدم إيمانه بهدف المعركة، وهناك الفتاة الَّتي تخرج مع عشيقها متمرّدة على الظُّروف الاجتماعيَّة، وهناك الموظّف الَّذي خرج من العمل تاركًا كلَّ شيء خلفه، وهناك أيضًا ذلك الجالس خلف الجهاز الإلكترونيّ و هو يتصعلك على المواقع الالكترونية الحسَّاسة المختلفة، وهناك أيضًا وبدرجة موازية للصّيغ السَّابقة ذلك الفيلسوف الَّذي يتناول كلّ شيء بالنَّقد والتَّمحيص ولا تقتصر أعماله أو أطروحاته على العقل أو النَّفس أو القانون وغيرها، بل يمتدُّ ليتناول الأفلام والشّبكات التَّقنية والأزياء وغيرها، وهي كلُّها أنماط جديدة تبرهن عن أنَّ التَّمرُّد لا يعني اتّخاذ وضعيَّة المواجهة العلنيّة والمباشرة مع الطَّرف الآخر، بل هناك في الكثير من الحالات أساليب جديدة، وبشكلٍ خاصٍّ إذا عرفنا جيّدًا تلك القوَّة بالمعاني الماديَّة واللاَّماديَّة، الَّتي تمتلكها الحكومات يومًا بعد يوم، وهي بالرَّغم من ذلك لم تعد قادرة على السَّيطرة على المتمرّدين عليها، أو الخارجين على أنماط إنتاجها للحياة والموت، فالتَّمرُّد تعبير عن الحياة والأمل والرَّغبة في المشاركة والتَّعديل، ذلك أنَّ المتمرّد يرسل لنا رسائل ضمنيَّة كثيرة مفادها: أنَّ ثمَّة حياة خلف هذا السُّكون، و رغبات مكبوتة تختفي وراء التَّقاليد المستمرَّة.

التَّحليق ضدّ الإمبراطويَّة:

اتّخذ التَّمرُّد في العصر التَّقنيّ الحالي صيغ مغايرة للصّيغ التَّقليديَّة، فبسبب هذه التَّقنية أصبح التَّمرُّد مقترنًا بفضح وكشف ومقارعة القوى المهيمنة أو الامبرياليَّة بلغة لينين، فهو (التَّمرُّد) يعتبر في الكثير من الأحيان بمثابة ردّ فعل على مستويات ونوعيات الهيمنة المعاصرة، تلك الَّتي تطال كلّ شيء وتستخدم الكثير من التَّقنيات المعاصرة، المعلومة والمجهولة من قبل الكثير من الأشخاص. بهذا المعنى فالمتمرّد يستخدم الأدوات الَّتي تمتلكها القوى والأطراف المهيمنة، وهو لا يمكنه التَّخلُّف عنها، بل الملاحظ أنَّه يسبقها في الكثير من الأحيان، و ذلك بتوظيف هذه التَّقنية في كشف الكثير من المؤامرات وفضح الانتهاكات المختلفة. وربَّما لا يمكننا في هذا السّياق تجاهل الحديث عن الدَّور الَّذي تقوم به الشَّبكات وبشكلٍ خاصٍّ ذلك التَّمرُّد القادم من مؤسّس ويكيليكس بكلّ ما ينشره من وثائق مستمرَّة، أو رفيقه إدوارد سنودن وهي تساهم في تأكيد الكثير من الأفكار المحليَّة والعالميَّة، عن الفساد وانعدام العدالة، سواء على المستوى المحليّ لكلّ دولة على حدة، أو التَّواطؤ العالمي مع الكثير من القوى الَّتي أصبحت لا تلتزم بالمعايير الإنسانيَّة المتعارف عليها. يدرك المتمرّدون الجدد – كما هو عنوان برنامج مهم لقناة الجزيرة الإخباريَّة – الشُّروط الجديدة للُّعبة، والأوجه الجديدة والمتغيّرة للمواجهة، فهي ليست جسديَّة، بقدر ما هي محاولة لإختراق هذه الامبراطوريَّة العالميَّة الَّتي استخدمت الكثير من الوسائل والتَّقنيات المختلفة في إنتاج ذوات تخضع بشكلٍ مستمرٍّ لأنماط متعدّدة ومستمرَّة من المراقبة، وذلك لضمان عدم خروج هذه الذَّوات عن قواعد اللُّعبة العالميَّة. لم تعد هذه الامبراطوريَّة العالميَّة الحالية مقتصرة على دولة محدَّدة دون بقية الدُّول، وإن كانت الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة هي المثال الواضح والظَّاهر للعيان، إلاَّ أنَّ المفهوم القديم لم يعد مناسبًا للوضع الحاليّ، وبشكلٍ خاصٍّ مع الهيمنة الشَّبكيَّة والعولمة الشَّاملة الَّتي لم تترك مجالاً للخصوصيَّة أو المقاومة. فهذه الامبراطوريَّة أصبحت خارج الحدود الجغرافيَّة، بل وفوقها، أي أنَّها أصبحت عابرة للحدود والتَّخصصات، وهو ما يستدعي من المقاومين الجدد إستخدام معايير مشابهة لها، إن لم تكن متفوّقة، وعدم الاكتفاء بالتَّموضع المحليّ أو الانغلاق حول ثقافات معيّنة أو معارف محدَّدة، ذلك أنَّه ولهدف إحكام السَّيطرة أو القبضة الحديديَّة المغلقة يتمُّ استخدام الكثير من المعارف والبيانات الَّتي تبدو في الكثير من الأحيان هامشيَّة، أو زائدة، أو في أحسن الأحوال لا قيمة لها، في حين أنَّها تمثّل أهميَّة حاسمة في عمليَّة الهيمنة، فهناك تضافر كبير بين التَّاريخ والاقتصاد وعلم النَّفس واللُّغة والنّظام الغذائيّ والتَّقنية وأنماط الاستهلاك المختلفة وغيرها من العوامل الَّتي لا يشعر بها المسيطر عليه. وهذا ينطبق بشكلٍ أكثر على “الدُّول القوميَّة” بقدر ما ينطبق على الإمبراطوريَّة العالميَّة، فهذه الدُّول تستمدُّ أداوتها ليس الماديَّة فقط، بل واللاَّماديَّة أيضًا من الممارسات المنتشرة على النّطاق الدُّوليّ الواسع.

خاتمة:

نستطيع القول كخاتمة لهذا الموضوع المتشعّب، بأنَّ المعرفة بشكلٍ عام تُمثّل الوجه الأبرز للتَّمرُّد، ذلك أنَّه دونما معرفة جيّدة للمكان يصبح الهرب منه عرضة للكثير من العقبات والأخطاء وبالتَّالي للفشل، وهو ما ينطبق على الأساليب الأخرى للتَّمرُّد، حيث نجد أنَّ المعرفة الجيّدة بالأدوات المستخدمة للهيمنة تتيح للمتمرّد الإفلات منها، أو مقاومتها، أو تطوير أنظمة تتفوَّق عليها، الأمر الَّذي يعني أيضًا بأنَّ التَّمرُّد ليس موقفًا إنفعاليًّا، بل يأتي في الكثير من الأحيان عن سابق إصرار وتصميم، بل وتسبقه في الكثير من الأحيان الكثير من الخطط المختلفة والبديلة، لكي لا تذهب هذه الرَّغبة في التَّمرُّد إدراج الرّياح، بل ينبغي استبدالها بخطط أخرى، قد لا تخطر على بالي القوِى المهيمنة، ذلك أنَّ تفكير هذه الأخيرة ليس شاملاً بقدر ما هو أوسع وأكثر من المهيمن عليه، وهو ما يعني بأنَّ هناك الكثير من الفجوات والفراغات والإمكانيات الَّتي تمنح المتمرّد الأمل على تغيير معادلة الهيمنة، تلك الَّتي تعتمد تقليديًّا على طرف واحد، مهمته إصدار الأوامر وعلى البقيَّة التَّنفيذ. 

هامش:

1- إريك هوبزباوم، إختراع التَّقاليد: دراسة في نشأة التَّقاليد ودوافعها، تر: لطفي السيد، هيئة أبوظبي للسّياحة  ط1، 2013م، ص7.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق