فرنسا: ما يتعدّى مواجهة الإرهاب / نهلة الشهال

انضمت خلال الأسبوع الأخير «منظمة العفو الدولية» إلى الإدانات التي كانت «رابطة حقوق الإنسان» (وهي من أركان المجتمع الفرنسي الحديث، والتوأم التاريخي للحزب الاشتراكي) قد عبرت عنها مطلع العام، للوجهة القانونية التي تعتمدها السلطات الفرنسية في تدبّر محاربة الإرهاب المطروحة عليها إثر هجمات 13 تشرين الثاني (نوفمبر) والتي حصدت 130 ضحية ومئات الجرحى. وضاعف من الأثر النفسي والمعنوي للهجمات أنها استهدفت أوساطاً شبابية ترتاد الأماكن المقصودة في العمليات الإرهابية، وهي أماكن تمتلك رمزية قوية لكونها مركزية في نمط حياة تلك الأوساط، ولكونها عامة، بخلاف الهجوم على مجلة «شارلي ايبدو» الذي افتتح العام المنصرم قبل أن يختتمه هذا الهجوم الأخير. وتمّ تفادي كارثة كبرى بفضل تعثر أحد الإرهابيين وعجزه عن اقتحام ملعب سان دوني العملاق حيث كانت تُجرى مباراة لكرة القدم يحضرها 80 ألف مشاهد يتوسطهم… رئيس الجمهورية نفسه.

واتخذ سياسيون وكتاب وقضاة (وروابط القضاة وليس أفراداً منهم فحسب)، وشخصيات معروفة، لهم جميعهم مكانتهم المرموقة في الدولة والمجتمع الفرنسيين، مواقف شديدة النقدية حيال تلك الوجهة القانونية، لجهة مبادئها ومعانيها، ولجهة آثارها كما لجهة نجاعتها، وكذلك في تطبيقاتها كما جرت والتي تخللتها تجاوزات كبرى على حقوق المواطنين ومنهم أبرياء من الإرهاب. وطاولت الانتقادات ما يمكن تلخيصه بدسترة إسقاط الجنسية عمن يحمل جنسية مزدوجة «حتى لو كان مولوداً فرنسياً»، وتسجيل حالة الطوارئ في القانون الأساسي بما يطبّعه ويسمح بتمديده بلا حدود و«طالما بقي التهديـــد الإرهابي موجوداً» و«طالما لم يُقضَ بعد على «داعـش» وفق تصريحات لرئيس الوزراء! وتتخذ في سياق هذين القانونين الذين يُطلب من مجلس النواب الآن المصادقة عليهما، تعديلات على قوانين عـــدة، وتشـــريعات كان آخرها ذاك الذي يمنح الشرطي حــق إرداء أي حامل سلاح، حتى لو لم يكن يهدده به (والشرطة في السنوات الأخيرة، وقبل هذا القانون الجديد، قتلت العديد من الشبان في الضواحي حيث يسكن المنحدرون من الهجرة، وكانوا غير مسلحين أصلاً، وجرت غالباً تبرئة المرتكبين باعتبار الدفاع عن النفس أو الذعر الخ…)، ثم تمرير قانون يسمح بوضع لوائح بأسماء مناصري الفرق الرياضية (الالتراس) وملاحقتهم ومعاقبتهم.

وقد دانت الانتقادات ما سمته زعزعة «دولة الحقوق»، وصولاً إلى اعتبار أن «دولة بوليسية» تطل برأسها، عبر تعطيل سلطة القضاء. وراحت أخرى تندب «بلد حقوق الإنسان» تبعاً للأفكار والمبادئ التي بلورها «عصر الأنوار»، وهو حاضنة الثورة الفرنسية الكبرى في 1789 التي أطاحت الملكية وأنشأت الجمهورية. بينما قام بعضهم (وآخرهم شلومو ساند صاحب «كيف اختُرع الشعب اليهودي» الواسع الانتشار، والذي سيصدر له خلال أيام «نهاية المثقف الفرنسي») بقراءات تاريخانية توضِّح أن مسار «الحزب الاشتراكي» كان، على دوام وجوده، موسوماً بالعنصرية والحرْبَجية» والكولونيالية، فصوتت غالبية نوابه في 1940 إلى جانب منح الماريشال بيتان سلطات مطلقة، واستمر قسم من رموز الاشتراكي يتبوأون مناصب عالية في حكومة فيشي، كما دعا إلى الانخراط في الحروب عبر حكومات «الوحدة المقدسة» بالنسبة إلى الحرب العالمية الأولى، بينما لم يسجَّل حضور للاشتراكيين في صفوف «المقاومة» خلال الحرب العالمية الثانية، وهي التي صنعها الديغوليون والشيوعيون وبعض التيارات الكاثوليكية. وكان الحزب الاشتراكي في السلطة حين اشتدت الثورة الجزائرية (وكان فرنسوا ميتران وقتها وزيراً للعدل)، فاتخذت الحكومة قرارات اللجوء الى القمع الشرس والتعذيب الواسع وقطع الرؤوس في محاولة لإخمادها والإبقاء على الجزائر مستعمَرة مهما كان الثمن، وبتبريرات «وطنية». ولم ينقذ الموقف إلا وصول الجنرال ديغول إلى السلطة. فيستنتج ساند مثلاً أن فرنسوا هولاند ومانويل فالس أبناء شرعيون لذاك المسلك «الاشتراكي»، وليسوا خونة له كما تقول بعض المحاجّات التي تنتقدهم.

ميشال روكار، رئيس الوزراء الاشتراكي الأسبق الذي عمل فالس مساعداً له في مطلع انخراطه بالحياة السياسية، انتقد تسجيل إسقاط الجنسية في الدستور معتبراً انه «خطير لأنه ينزع الصفة المقدسة عنها»، و«إجراء شكلي ومبالغ به» لأنه «لن يطاول إلا بضعة أشخاص في السنة، ما لا يتطابق مع المشكلة التــي يدّعي معالجتها». ثم قال، في التقاط دقيق لسمة أساسية من الروحية والعقلية الفرنسيتين: «هنـــاك نوع من الميل لدى العديد من الأشخاص، وبما يشبه البهجة الحياتية، لمغادرة الواقع والتقاتل على الرموز. الرموز مهمة جداً، نعتاش عليها ونتعلق بها. ولكن مغادرة الواقع لا تحقق على الأرجح أي فائدة للبلاد». وحيّا استقالة وزيرة العدل كريستيان توبيرا من الحكومة لمعارضتها تلك الوجهة، معتبراً أنها «أنقذت شرفها ببقائها وفية لمعتقداتها».

ماذا يقول الواقع إذاً؟

إن ما يجري، على رغم خطورته الكبرى، قصير النظر تماماً وصغير الشأن. فهو أولاً معركة انتخابية، ومحاولة للنجاح في الاستحقاق الرئاسي بعد عام!

هكذا يسأل مارك ترفيديك، القاضي السابق المكلف بملف الإرهاب، عن الإجراء وتوسعته الجديدة ليشمل «من يدعم» الإرهاب: «ماذا سيحصل لو فعلت بلدان أخرى ذلك، فهل نستقبل إرهابيين من أميركا أو الجزائر مثلاً بحجة أنهم أيضاً فرنسيون؟ لا يمكن تصدير الإرهابي!»، وهو ما تتجه فعلاً بلدان كالجزائر والمغرب وتونس إلى إقراره باعتبار هؤلاء الإرهابيين أبناء المجتمع الفرنسي، ولدوا فيه وتربوا في مدارسه وشوارعه، ويجب النظر إلى انحرافهم ذاك، وإلى الحقد الكبير عليه الذي ينضح من أقوالهم وأفعالهم، كعلامة على الفشل في منحهم مكانهم فيه، وهو ما لا يبرِّر الإرهاب ولكنه يتلمس جذر المشكلة ويسعى إلى علاجها فعلياً وليس كاستعراض شكلي سيصبح مصدر إحباط كبير، والأخطر أنه يبرر الوجهة الفاشية الصريحة والانحياز الواسع إلى تياراتها، خصوصاً حينما ستتكشف حدود نجاحاته ويتبين أنه جواب غير فعال وخاطئ.

كما يقول الواقع إن الإرهابيين لا يكترثون بالطبع لجنسياتهم، بينما أثر تلك القوانين، والإعلاء من شأنها عبر دسترتها، سيكون له مفعول معزِّز للعنصرية، باعتباره يوجه سهامه إلى «آخر» متوهَّم، «غريب» يمكن التخلص منه، وفي الوقت نفسه يرمي الريبة على بيئة واسعة (ذوي الأصول المهاجرة و/أو المسلمة)، فيصنع مواطنين فرنسيين من فئتين: أصلاء ومن درجة ثانية، ويتسبب بمزيد من زعزعة المجتمع الفرنسي المأزوم بشدة وفي العمق.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق