رحيل الطيب الصديقي: المؤسس / صلاح بو سريف

لم يَكُن الطَّيَّبْ الصَّدِّيقِيّ، مُجرّد كاتبٍ مسرحي، أو ممثل ومُخرِج، مثل الكثيرين ممن اخْتاروا، ممارسة المسرح، بالجَمْع بين أكثر من مُهِمَّة، أو وظيفة في الآن نفسه. كان الصديقي، صاحِب مشروع مسرحي ـ فني كبير، وبعيد المَدَى. فهو، بقدر ما حَرِصَ على تطبيق بعض ما حَملَه معه من فرنسا، مما تعلَّمَه هُناك، على يد كبار المخرجين، ورواد المسرح الفرنسي الحديث، من أساتذته، ومُعَلِّمِيه، فهو كان، في بداياته الأولى، بعد عودته من فرنسا يُجَرِّب ما أخذه من نظرياتٍ، وما كان بدا له أفُقاً لخَلْق الفُرْجَة، لكن، باقتباس بعض الأعمال التي تركَتْ أثراً في نفسه، أو كان يرى فيها ما يُشْبِه المَمَرَّ الذي يمكنه أن يفتح طريق المسرح بمفهومه الجديد، في فضاءِ واقعٍ، كانت الثقافة التقليدية فيه، ما زالت تُرْخِي بثقلها على الواقع الثّقافي والاجتماعي.

مسرح مغربي

سيُدْرِك الطيب الصديقي، في وقْتٍ مبكر، وفي لحظةٍ حاسِمَةٍ، أنَّ الترجمة، أو الاقتباس، أو حتَّى تكييف النص الفرنسي، بشكل خاص، مع هذا الواقع، بِكُل ما فيه من تعثُّراتٍ، ليس هو ما دفَعَه ليدرس في فرنسا، أو ليكون فَنَّاناً، بالمعنى الذي اكْتَشَف، في هذه اللحظة ذاتِها، أنَّه ثَاوٍ في نفسه، حتَّى قبل أن يذهب للدِّراسة في الخارج. فالفُرْجَة، وأشكال الفرجة الشعبية، أو الماقبل مسرحية، في «الحَلْقَة» التي هي فضاء للتمثيل والحكي، وفي احتفالاتِ «سُلْطان الطَّلَبَة»، أو حتَّى ما كان يلي عيد الأضْحَى من احتفالاتٍ، تكون فيها جلود الذَّبائح هي الأقنعة التي يلبسها الناس، في صورة كرنفالاتٍ مُصَغَّرَة، تختلف في بعض تفاصيلها من منطقة إلى أخرى، وغيرها، مما كان تَرَكَ في نفس الصديقي بعض الأثر في مدينة الصَّوِيرَة، التي فيها وُلِد ونشأ، هي ما كان يشغلُ بالَ هذا الفنان المُشْتَعِل رغْبَةً في تغيير مسار رؤيته، ونَقْل النظريات التي اسْتَلَمَها من الغرب، إلى ما يمكنه أن يُفِيدَ في تفجير كُلّ هذه الطَّاقات الكامِنَة، وتحويلها إلى مسرح مغربيّ، وهو ما سيحدث في ما بعد مع المسرح العربي، في أكثر من تجربة، فيه تنتقل هذه الأشكال من وضعها الفُرْجَوِيّ البَدْئِيّ، أو البديهي، إلى وضع المَسْرَح الذي فيه يكون للديكور، للنص، واللباس، وطريقة التمثيل، وكُل التفاصيل التي بات الصديقي يحرص على إنجازها من ألفها إلى يائها، بما في ذلك الغناء، دَوْرَ العلامة التي التي تُؤَصِّل لهذا المعنى الجديد للمسرح، ولهذا الشكل الجديد الذي سيلتصق بشخص الصديقي، إلى الدرجة التي بدأ الجميع معها يُدْرِكُون أنَّ هذا المسرح، ليس مسرحاً دخِيلاً، أو اقْتِباساً، وتكييفاً، بل إنَّه مسرح مغربي، خارج من أشكالٍ، لا أحد اعتقد أنَّها يمكنها أن تتحوَّل إلى فُرْجَة واحْتفال، بالمعنى الذي أعطاها له الطيب الصديقي.

الشرق

ربما، في بداية أمْرِهِ، لم يكن الطيب مُنْشَغِلاً بتوسيع أفق رؤيته، أو فُرْجَتِه إلى الفضاء العربي، رغم الطابع القومي التحرُّرِيّ الذي كان غالباً، في سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لكن انْشِغَالَه كان مُنْصبّاً على تكريس هذا الأفق المسرحي الذي بدا له أنَّه الطريق الملكي لإنجاز حُلُمِه الشخصيّ، أو حلمه المسرحي الفني الكبير. فَكُل مسرحيات الصديقي، التي طَعَّمَها بكثير من السُّخْرية السوداء، كان انتقاداً لاذِعاً لكثير من مظاهر التناقض، والمُفارقات التي كان المجتمع المغربي يعيش في براثينها، لأنَّه كان مجتمعاً، بقدر ما يسعى لإحداث الانتقال نحو الحداثة، بقدر ما كان مشدوداً، بخيوط من حديد، إلى ماضيه الذي لم يستطع القطْع معه، أو التَّخَفُّف من عِبْئِه الثقيل عليه.

ولعلَّ اسْتِغْراق البُعْد الوطنيّ المحلي لفكر الصديقي ووجدانه، ودراسته في فرنسا، هما ما نجا به من الذَّهاب إلى الشرق، للأخذ عنه، كما كان حادِثاً في الأدب، وفي الفكر، وفي النقد. وهذا العامل نفسه، هو ما جعل المشارقة، من مخرجين، وممثلين، وفنانين مسرحيين، عموماً، يكتشفون في الصديقي، بَذْرَةَ أفق مسرحي لم يألَفُوه، أو لم يُفَكِّروا في استثماره، مثلما استثمره الصديقي. فعلاقتُه بالفنان المسرحي العراقي جواد الأسدي، هي تعبير عن هذا التَّكَامُل الذي جعل من الأسدي يرى في مسرح الصديقي، إحْدَى التعبيرات المسرحية الجديدة، التي لا يمكن فيها فَصْل النص عن تَحقُّقاته الفرجوية الأخرى، التي هي نوع من التوازي الجمالي، الذي قَلَّ أن تجده عند مسرحيّ، غالباً ما كان يُفْرِغ كُل دمه هُما، ولا يجد ما يَصُبُّه هناك.

فالصديقي، لم يَنْأَ بنفسه عن الرُّكْح، لم يبق بعيداً في الزاوية المُعْتِمَة من الفُرْجَة، بل إنَّه كان الكاتب، والمُخْرِجَ، والممثل الرئيس، ومهندس الديكور ومصمم الملابس، أو واضع كل هذا في قالب النص الذي كان يكتُبُه بِالفُرْجَة ذاتها التي ينقلُها، تالِياً، على الخشبة.

مدرسة

فكما ذهب الصديقي إلى «الحَرَّاز» و«سيدي عبدالرحمن المجذوب»، بما يميزهما من خصوصية محلية، خصوصاً المجذوب في أزجاله الحِكَمِيَة، اللاَّذِعَة، والمنتقدة للواقع المغربي في زمنه، فهو ذهب، في سياق توسيع الدائرة، أو التأكيد على أوجه التقاطُع واللِّقاء والحوار، في التراث العربي، إلى «بديع الزمان الهمذاني» و «أبي حيان التوحيدي»، وغيرها من الأعمال التي هي اليوم، توقيع شخصي للصديقي، لا يمكن الخطأ في انتسابها إليه، أو خلطها بغيرها من الأعمال التي سارَتْ في هذا الاتِّجاه.

إنَّ الطيب الصديقي، هو مدرسة قائمة بذاتها، وهو مَنْ كان له السبق في خَوْض تجربة «الملاحم» رغم طابعها الرسمي، الذي كان يرتبط ببعض المناسبات الوطنية، خصوصاً ذات الصلة بالعرش المغربي، رغم ما فيها من صعوباتٍ وأهوال، والعدد الهائل من الممثلين والفنانين المغاربة والعرب، الذين اخْتَبَروا الطاقة الإبداعية الهائلة التي تميَّز بها خيال الصديقي. فقد عمل معه كبار الفنانين العرب، من مثل نضال الأشقر، وغيرها، وهذا، في ذاته، تعبير عن هذا الأفق الذي كان الصديقي، منذ خروجه من تجربة الاقتباس، وتنفيذ برنامج مُعلِّمِيه الكبار، يحرص على دُخوله، والوُجود به، كفنان لا يُقَلِّد، أو يُسايِر، بل فنان يُبْدِع، ويبتكر، أو يخلق، ويُحْدِث.

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق