هلوسات قديمة لعام جديد

 لو سألني أحدهم: ماذا تفعل في هذا العصر الفارغ والقلب الأفرغ لأجبته: لا شيء ما عدا مطالعة الكتب بنهم. أشعر بمتعة كبيرة في استغلال الوقت للقراءة بدلا من ارتياد شواطئ البحار أو تسلُّق رؤوس الجبال لإمضاء العطل كما يفعل بقية البشر. كلّ شيء يحصل كما لو أنّي مولع باتّباع قانون: خالف تعرف. أو قل: مكرهٌ أخاك لا بطل!..وماذا أستطيع أن أفعل أصلا؟ كلُّ مشاريعي ومؤامراتي تفشل في آخر لحظة. ولكن أحيانا يحالفني الحظّ، فأعتلي ظهر مراكش،عاصمة الدُّنيا، لكي أطلَّ على العالم من فوق، أو فوق الفوق.. ماذا تريد أكثر من ذلك أيُّها الإبليس تذكَّرت نيتشه عندما كان يتسلَّق جبال سويسرا ويحظى بإطلالة شاهقة بعلو ستَّة آلاف قدم “فوق كلّ الأشياء البشريَّة”. وماذا عن الوديان السَّحيقة؟ ماذا عن الغايات العميقة؟ لا أتجرأ على التَّحديق بها من نافذة السيَّارة! أخاف أن أتدحرج إلى القاع. في آخر لحظة نجونا،على شعرة! وماذا عن عين “أسردون” في بني ملال؟ ماذا عن الأضواء والظّلال؟ جنَّات تجري من تحتها الأنهار.. لم تروها بعد؟ ألله يساعدكم. واحسرتاه عليكم!

***

 لحسن الحظّ فإن المكتبات في فرنسا تظلُّ مفتوحة أثناء الصَّيف بل وتعطيك من الكتب أضعافا مضاعفة قصدا لكي تتلهَّى بالمطالعة .ولحسن الحظّ فإنّي أعيش متنقّلا بين فرنسا والمغرب فأنعم بحضارتين، وأعشق بلغتين، وألعب على الحبلين. كم أشعر بالألم لأنَّ بلداننا العربيَّة لا تمتلك نفس نظام المكتبات كما في الدُّول المتقدّمة. هناك تستطيع أن تثقّف نفسك بنفسك دون أن تشتري كتابا واحدا. مؤخَّرا سمعت بأنَّ الشيخة مي ستنشئ مكتبة ضخمة في المحرَق بالبحرين وأثلج الخبر صدري. كلَّما أنشأتم مكتبة جديدة أغلقتم سجنا، وسعتم من فضاء العالم، من عقول البشر.. مثلا كنت أنا مشتركا في خمس مكتبات على الأقلّ. وكنت تجد عندي في البيت أكثر من ثلاثين كتابا دفعة واحدة ليست لي. كلُّها استعارة. ومن خلال تجربتي اكتشفت أنّي عندما أستعير الكتاب فإنّي أقرؤه عادة أو على الأقلّ أقرأ جزءا منه. قلت أشعر بالألم ولكنّي أستثني المغرب إلى حدّ مَّا بل وإلى حدّ كبير. فهناك المكتبة الوطنيَّة الَّتي تؤمّن لك مراجع لا يستهان بها عددا وعدّة. وهناك مكتبة المركز الثَّقافيّ الفرنسيّ في الرّباط العامرة. بل وحتَّى في القنيطرة هناك مكتبة بلزاك الصَّغيرة..هذا دون أن ننسى مكتبة الألفيَّة الثَّالثة مقابل البرلمان، أو مكتبة كليلة ودمنة. ودون أن ننسى مكتبات الدَّار البيضاء الأضخم والأعظم. أتحدَّث هنا عن الكتب الفرنسيَّة فقط، أمَّا العربيَّة فمتوافرة والحمد لله دون قيد أو شرط. وبالتَّالي فأنت في المغرب لا يُخشى عليك. تستطيع بكلّ سهولة أن تستمتع بحضارتك العربيَّة الأمازيغيَّة من جهة، وبالحضارة الفرنسيَّة الأوروبيَّة من جهة أخرى. بل وتكاد تشمُّ عبق الأندلس في كلّ زاوية أو منعطف. من هنا جاذبيَّة المغرب، عبقريَّة المغرب..

***

أتذكَّر أنّي زرت النَّاقد الشَّهير تزفيتان تودوروف في بيته قبل ربع قرن لإجراء مقابلة معه. وفوجئت بأنَّ مكتبته صغيرة جدًّا بالقياس إلى مفكّر من حجمه. سألته متعجّبا، فأجابني: لماذا أشتري الكتب يا أخي إذا كنت أستطيع أن أستعيرها من المكتبة الوطنيَّة المجاورة لي؟ وكان يسكن شارع ريشيليو مثل المكتبة الوطنيَّة القديمة. سقى الله أيَّام زمان! أصبحنا في خبر كان وأخواتها..من يتذكَّر تلك الأيَّام؟ كم أكل من أقدامنا شارع ريشيليو الضَّيق هذا؟ هناك تعرَّفت على عشيقتي الثَّانية في فرنسا: ماري كلود. كانت متزوّجة كالأولى. أفضل العشيقات المتزوّجات. لا همّ ولا غمّ،لا تبعات ولا مسؤوليات (بشرط ألاَّ يمسكوك بالجرم المشهود كما حصل لفيكتور هيغو! فضيحة. شرشحة كبيرة). ما عدا ذلك كلّ شيء على ما يرام: حبٌّ سهل وجنس مجانيّ وانتهاك لشرع الله (الشَّيء الَّذي يزيد المتعة أضعافا مضاعفة1). وحتى لو حبلت المدام فأنت آخر من يعلم، ولا علاقة لك بالموضوع أصلا. أترك التَّعيس المغدور يدبّر حاله. أنت مسؤول عن اللَّحظات الحلوة فقط.. وعلاوة على ذلك تدللك وتغنجك وكأنَّك أمير شرقيٌّ أو عصفور نادر. ساعات إضافيَّة مسروقة من عمر الزَّمن سرقة. قالت لي: والله مللت من ربّه، كرهت ألله الَّذي خلقه! أجبتها: مفهوم مدام، مفهوم. الزَّواج سجن، أو قبر. العظماء لا يتزوَّجون ولا ينجبون ولا يتشرشحون. وإنَّما يظلّون أحرارا متنقلين من زهرة إلى زهرة، ومن بستان إلى بستان، حتَّى يرث الله الأرض ومن عليها. هذا هو رأيك دكتور؟ بدون شكّ مدام. روحي، انطلقي، شمي هوا. فاغترب تتجدَّد..
لاحظوا الحقارة!

***

كان ذلك في العصر الحجريّ، أي قبل ثورة المعلوماتيَّة والأنترنيت الَّتي غيَّرت وجه العالم. فما بالك بنا الآن حيث نستطيع أن نقرأ أحيانا كتابا كاملا على الأنترنيت. إنَّها لنعمة حقيقيَّة أن تعيش في هذا العصر الَّذي يؤمّن لك كلّ وسائل الاتّصالات والاستعلامات عن مختلف المواضيع. نحن محظوظون لأنَّنا لم نمت قبل ظهور ثورة المعلوماتيَّة الحديثة. ينبغي أن نحسد أنفسنا لأنَّنا عشنا وقتا كافيا حتَّى شهدناها. بعد الآن نستطيع أن نموت قائلين: على الأقلّ رأينا شيئا مَّا قبل أن نفطس ونموت! أصلا أنا أعتبر نفسي خالدا مخلَّدا بعد هذه الثَّورة الكوبرنيكيَّة ولن أموت إلاَّ بشكل افتراضيّ..سوف أظلُّ أخاطبكم من خلف المرآة، من وراء السّتار، من ذلك العالم الضّبابيّ. ولن تخلصوا منّي بسهولة.

تعرفون قصَّة بشار بن برد مع زوجته حيث قال لها تلك العبارة الشَّهيرة: قاتلك الله ما أطيبك حراما وأخبثك حلالا! فذهبت مثلا.

القصَّة وما فيها هي أنَّه على عماه كان خبيثا جدًّا، شديد الولع بالنّساء والجنس. ومن كثرة ما غازل إحداهنَّ ولاحقها ملاحقات ضارية قبلت بأن تعطيه موعدا يوما مَّا وراء الجامع أو قل تظاهرت بذلك. ويبدو أنَّها كانت أخبث منه. ففي أثناء ذلك ذهبت إلى عند زوجته وأخبرتها بالقصَّة من ألفها إلى يائها. فاتّفقتا عليه وتواطأتا لمصلحة جنس بنات حواء. قالت لها زوجته: لا يهمّك! سأتكفَّل به هذا الجربوع. سألقّنه درسا لن ينساه. وهكذا وفي اليوم الموعود تحمَّمت المدام وتعطَّرت جيّدا وذهبت إلى الموعد المحتوم بدلا من تلك العشيقة المشتهاة. وعندما “عبط” بها وراح يقبّلها بكلّ شغف وهيام انفجرت بالغضب العارم: يا حقير يا كلب! تعتقد أنّي تلك الجارية. يا خائن يا غدَّار! يا سافل يا منحط! عندك امرأة مثل الوردة، مثل الفلَة، وما عاجبتك ياحمار! ألله يقصف عمرك يا رب. ألله يفجعني فيك عمَّا قريب. وهكذا راحت تضربه وتنهش فيه..فأسقط في يده وصدرت عنه بشكل عفويّ تلك العبارة الرَّائعة. أنقل من الذَّاكرة ولا أعرف فيما إذا كانت القصَّة صحيحة أم لا. ولكن أعتقد أنَّها صحيحة مع إضافة بعض المقبّلات والبهارات…

***

لكن لنعد إلى الكتب ومطالعاتها. وهي مفتوحة على صفحات مختلفة لأنّي أحيانا أقرأ في عدَّة كتب دفعة واحدة وذلك على هوى مزاجي وتقلُّباته. من يستطيع أن يتحكَّم بمزاجه؟ عندما أملّ من هذا أنتقل إلى ذاك. مثلا استمتعت كثيرا بقراءة قصَّة حياة المفكّر الفرنسيّ الشَّهير فرانسوا رابليه. ومعلوم أنَّه عاش في عصر النَّهضة إبَّان القرن السَّادس عشر. ولكنَّه كان أيضا عصر الحرب الأهليَّة الضَّارية بين الأغلبيَّة الكاثوليكيَّة/ والأقليَّة البروتستانتيَّة. كان عصر المجازر والمذابح والتَّكفير والتَّكفير المضادّ بين المذهبين الأساسيين في المسيحيَّة الأوروبيَّة. كان عصرا مرعبا، دمويا، موحّشا. ويبدو أنَّه كان مهدَّدا في حياته الشَّخصيَّة بسبب موقفه المعادي للتَّزمُّت والمتزمّتين. وقد جرّت عليه كتاباته الابداعيَّة غضب “الإخوان المسيحيين” إلى حدّ أنَّهم فكّروا جدّيًّا في اغتياله. فكان يهرب من مكان إلى آخر كلَّما شعر بأنَّ حدَّ السّكين اقترب من رقبته أكثر ممَّا يجب. لشدّ ما تغيّرت فرنسا! كلّ ذلك أصبح في ذمَّة التَّاريخ الآن. من يتساءل في باريس حاليًّا عمَّا إذا كان جاره كاثوليكيّ أو بروتستانتيّ؟ بل من يخطر على باله ذلك أصلا؟ إنّه مواطن وكفى. وهكذا أصبح رابليه الملاحق في عصره، المتَّهم في دينه وعقيدته، أحد مناراتها المشعَّة ومفاخرها الأدبيَّة الكبرى.

***

أنتقل الآنإلى كتاب فرانسواز جيرو عن تلك الحسناء السلافية الغامضة “لو أندريا سالومي” الَّتي جنّنت أكثر من مفكّر وانتحر من أجلها عشرات الرّجال. أبالغ قليلا. إنَّه كتاب ممتع فعلا لأنَّه يستعرض برشاقة قصَّة علاقتها بالعباقرة الكبار: نيتشه، ريلكه، فرويد. لقد كانت تستمتع بإسقاط الرّجال في حبائلها ثمَّ تقطع معهم فجأة أو تحرقهم حرقا فيتعذَّبون ويتحسَّرون وأحيانا ينتحرون.(بين قوسين: أستغرب لماذا لم أنتحر أنا حتَّى الآن من أجل إحداهنَّ؟!). بالمناسبة أقترح تشكيل تجمع ضخم للدّفاع عن الرّجال ضدَّ النّساء وسهامهنَّ الجارحة. ولا أمزح كثيرا هنا. إنّي جادّ كلَّ الجدّيَّة. فالجنس الضَّعيف الهشّ في الواقع ليس الَّذي تظنون..

***

أتوقف الآن عند كتاب “رسالة في التَّسامح” لفولتير. وقد أصبح كلاسيكيًّا الآن بل وأكثر من كلاسيكي. إنَّه خالد يخترق الثَّقافات والأزمان ويبقى يانعا نضرا. لكأنَّه كتب البارحة! متعتي ليس لها حدود. مع فولتير لا أكلُّ ولا أمل..من يستطيع أن يضجر في حضرة فولتير؟ عيب. لا أجد أعظم منه كردّ على الوضع العربيّ الرَّاهن :على داعش والقاعدة وما بينهما. لا أجد أبلغ منه كإفحام للأصوليَّة والأصوليين، للظَّلاميَّة والظَّلاميين.هل كان يعرف فولتير أنَّ مدينته باريس ستتعرَّض لأكبر تفجيرات إرهابيَّة في التَّاريخ بعد موته بقرنين ونصف القرن تقريبا؟ وهل كان يعلم أنَّ ذلك سيتمُّ على يد أصوليَّة أخرى غير أصوليته؟ قم من قبرك فولتير! مهمَّتك لم تنته فصولا بعد. وبالنّسبة للعالم الإسلاميّ بالكاد ابتدأت. نحن بأمسّ الحاجة إليك. نحن يتامى من دونك سيدي. لحسن الحظّ فالكتاب مترجم من قبل الرّوائيَّة السُّوريَّة المبدعة هنرييت عبودي. ومنشور من قبل دار بترا بالتَّعاون مع رابطة العقلانيين العرب. كم فعلت خيرا هذه الرَّابطة عندما أصدرت عشرات الكتب الجريئة من مؤلّفة أو مترجمة على مدار السَّنوات السَّابقة. لقد خاضت معركة التَّنوير العربيّ على المكشوف قبل أن تظهر داعش بزمن طويل. وهكذا استبقت على حركة الأحداث في حين كان الآخرون غاطسين في ضجيج الإيديولوجيات والشّعارات..

***

والآن لا بدَّ من وقفة قصيرة عند الشّعر العربيّ. وهل تستطيع أن تعيش بدون غذاء شعريّ من وقت لآخر؟ فتحت النَّافذة – نافذة الانترنيت – إذن على ديوان جرير. لا أعرف لماذا يُذكر جرير كشاعر هجَاء فقط؟ جرير هو أيضا شاعر حبّ بل ورقيق جدًّا. في الواقع إنَّ قصَّة مناوشاته الشَّهيرة مع الفرزدق غطَّت على كلّ شيء وشوَّهت سمعته. ولكن حتَّى هنا كم كان موقفه رائعا عندما سمع بموت الفرزدق؟ كنَّا نظنُّ أنَّه سيفرح أو سيشمت بموت عدوه اللَّدود. على العكس تماما. لقد راح ينحني أمام منافسه الكبير ويرثيه بقصيدة مطلعها:

لعمري لقد أشجى تميمًا وهدها
على نكبات الدَّهر موتُ الفرزدق

كم كان جرير كبيرا وشهما إذ كتب هذه القصيدة. ولكنَّ الشَّيء الَّذي استوقفني مؤخَّرا هو رائعته الكبرى الَّتي يتحدَّث فيها عن الحبّ. كم برحه الحبّ؟ وكم يبدو حديثا، معاصرا، إذ يعبّر عن معاناته ولواعجه الغراميَّة؟ يكفيه فخرا هذا البيت:

لقد كتمتُ الهوى حتَّى تهيمني
لا أستطيع لهذا الحبّ كتمانا

هنا يطرح سؤال نفسه: لماذا يشعر العاشق برغبة عارمة في التَّصريح باسم محبوبته علنا؟ لماذا يريد أن يعرف العالم كلّه أنَّه عاشقها؟ وماذا يستطيع أن يفعل إذا كان يستحيل عليه ذكرها بالاسم؟هل ينشقّ؟ هل ينفجر؟ لحسن الحظّ هناك أساليب عديدة للتَّحايل على الموضوع. واللَّبيب من الإشارة يفهم…

وهذا البيت:
أو ليتها لم تعلّقنا علاقتها
ولم يكن ذلك الودُّ الَّذي كانا

يا ليتنا لم نرها ولم نتعرَّف عليها يوما مَّا عن طريق الصُّدفة. شو ألله بلانا هذه البلوة؟ ما كنا تعذبنا ولا تلوعنا. ما عاد فينا نرتاح لحظة واحدة. واللَي شبكنا يخلصنا..

هل تريدون أن أستشهد بالقصيدة كلّها؟
اقرأوها فمطلعها من أشهر ما يكون:
بان الخليط ولو طوعت ما بانا
وقطعوا من حبال الوصل أقرانا

ومع ذلك فالصُّورة الشَّائعة عنَّا في الغرب: هي أنَّنا شعب همجيٌّ، فظٌّ، غليظ القلب! هذا في حين أنَّه لا يوجد شعب أرقُّ عاطفة من العرب. والدَّليل على ذلك تفجُّعهم على الحبّ ووقوفهم على الأطلال!

***

آسف. مضطرٌّ لترككم على وجه السُّرعة. في هذه اللَّحظة بالذَّات دخلت عليَ الآنسة “نيكي” أو “كيكي” لكي أعطيها دروسا في اللُّغة العربيَّة وأشرح لها حقائق الإسلام. معليش..نراكم مرَّة أخرى..خيرها بغيرها..بالسَّلامة!..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق