عيد الحقيقة / سلام الكواكبي

صبيحة ما يُتعارف على تسميته يوم الحب أو عيده، يحلو لبعض أتباع النوستالجيا التقليدية أن يجولوا بنظراتهم وذكرياتهم على القديم من الصور. ومع الغربة والاغتراب، يكون عدد الصور الورقية التي حملتها حقائب السفر ضئيلا. في المقابل، ما أكثر ما تحمله وسائط التواصل الاجتماعية منها بتنويعاتها وتلاوينها وشخوصها. من المتعة، أحياناً، زيارة صفحات الأصدقاء والصديقات القدامى، بعد النجاح في استعادة أسمائهم، إثر طول عراكٍ مع الذاكرة التي أصابها الصدأ. من خلالها، يُمكن متابعة تقدم الآخرين بالسن، كي لا يشعر المتلصص بفردانيته في هذا التطور البيولوجي، فيرتاح أحياناً ويغار، في أحايين عدة، إن كانت كهولة الآخر أقل بروزاً أو أضعف ظهوراً. كما تُمكّن هذه الزيارة الافتراضية من معرفة تطورات العلاقات الاجتماعية، بحلوها وبمرّها. فترى صور غالبها بالأبيض والأسود، تحمل تعليقاتها عبارات الترحّم على شخصٍ ما، والملوّن منها غالباً يحمل انطباعات أفراح من أعراس وولادات.

هي سلسلة الشيطان التي لا تنتهي، فمن صورةٍ واحدةٍ، يمكنك الانتقال إلى عشرات، بل مئات، الصور لصاحب الصفحة نفسه، أو لمن يلوذ به، وتبدأ الذكريات المشتركة بالمرور في مخيلتك، كالقطار البطيء الصاعد إلى قمة جبل شاهق. فتتذكّر سنوات المدرسة والجامعة، بجميلها وقبيحها، وتتطفل على صور لا تعنيك نظرياً، لكنك لا تستطيع منع نفسك، الأمّارة بالتطفل، من أن تلقي نظرةً، ولو سريعة، على ما تحتويه صفحات أصدقاء الأصدقاء، أو من كانوا بأصدقاء.

الممارسة حتى الآن محمودةُ الوقع، ولو كلّفت بعض الدموع، أو أثارت شجوناً. ويكاد الزائر (المتطفل دائماً) أن يبعث طلب صداقة في محاولة لإحياء علاقةٍ، طوتها سنون من البعد الجغرافي، كما المهني أو العائلي. في المقابل، عندما تقع عين الممارس على تعليقاتٍ سياسية، أو دينية، لهذا “الصديق” أو تلك “الصديقة”، يبدأ في إعمال العقل، بعد أن اعتمد على العاطفة برهة.

وفي الحالة السورية، يبدأ التصنيف بين معارض وموالٍ أسهل الطرق لتحديد الموقف من الآخر. فبمجرد اعتماد علمٍ يختلف عليه طرفان أو أكثر، تبدأ لائحة العزل بالامتلاء. كما تبدأ عملية “تحليل الخطاب”، كما يحلو للعلوم الاجتماعية أن تسميها، بقراءة التعليقات ومحاولة التعرّف على الموقع والموقف. فينتقل الشخص من زر الإضافة إلى زر الحظر، في أحيانٍ كثيرة، نادماً على صحبةٍ قديمةٍ وملقياً بتهم شتى على الآخر. التسرع سمةٌ معممة في الحياة الطبيعية، وهي أكثر تطرفاً في الحياة الافتراضية، لضآلة نسبة الحرج. ومن نافل القول إن أي عملية إعادة بناء معنوي للمجتمع (المجتمعات) السوري تحتاج، في أول خطوة، إلى حظر وسائل التواصل الاجتماعية فترة محدّدة، درءاً للأحكام السريعة، والقاتلة أحياناً، بين الأفراد كما المجموعات.

أنْ يعتبر كل طرفٍ أن الصواب والحق هما في جانبه الأغرّ، فهذا يمكن أن يجد تبريراتٍ سياسية وعقائدية ونفسية عدة، لا مجال لتطوير الخوض فيها. أما أن تقع الأعين على صور وعبارات تشفٍّ يصل إلى درجة النشوة بمن يقع ضحيةً من الطرف الآخر، وغالب من يسرد ذلك من حقدٍ وكراهية لفظية مصحوبة بصور ضوئية هم ممن يبرّر قتل السوريين، منذ اليوم الأول لخروج جزء منهم في تظاهراتٍ سلمية. وغالب من “يرتكب” جرم التشفي منهم هو من لم يفجع للدمار الذي حلّ إلا انتقائياً، والذي يحلو له أن يترحّم على نعيمه السابق في ظلال الزيزفون الاستبدادي، ويقول: “كنا عايشين”.

تسترجع النفس سنوات مضت، وتحاول أن تستذكر حواراتٍ انقضت، فلا ترى فيها أي مؤشرات على تحولات “جرمية” أو “سادية” لدى من كانوا أصدقاء. يرتفع معدل الأسف لما وصلت بهم الحال، وتتساءل عن حالك أنت، وما وصلتَ إليه أيضاً. فالاستقطاب حصل، والقطيعة جرت، وإعادة التواصل وتعزيز اللُحمة يحتاج سنوات طويلة. ومصطلح العدالة الانتقالية الذي يُرعب بعضهم، ويبعث على السخرية لدى آخرين، هو الباب الوحيد الذي يمكن ولوجه لطي صفحات الماضي/ الحاضر الأغبر. ومن أهم بنود تنفيذ هذه العدالة معرفة الحقيقة.

نكتشف يومياً حقائق عن أصحابٍ ما عادوا أصحاباً (وهم أيضاً ربما)، وهذه حقائق ذاتية، لا تفيد في بناء المستقبل المشترك، إن تجرأنا وطمحنا إلى ذلك يوماً، أما الحقيقة الجمعية التي ستضع النقاط على الحروف، فهي ستتمكن ربما في إعادة الوئام إلى القلوب.

عن جريدة العربي الجديد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق