لماذا لم تُجَنْدِر هذه السيدة جندَرَها؟ / جهاد الزين

سواء نجحت أو فشلت في حملتها الرئاسية سيكون لهيلاري كلينتون الفضل مرتين في أنها جعلت الانتخابات الأولية داخل الحزب الديموقراطي أكثر جاذبية من الانتخابات الرئيسية بين الحزبين.

النصف الأول من العام 2008 كان شديد الجاذبية خلال فترة التنافس بين مرشحين غير عاديين جندريا وعرقيا: هيلاري كلينتون وباراك أوباما إلى حد، وهذا ما شاهدته يومها على الأرض في الولايات المتحدة وفي عدة ولايات، كان اهتمام الجمهور والنخبة بتلك الانتخابات الأولية بين المرشحين الديموقراطيين أكبر بكثير مما يخبئه السباق داخل الحزب الجمهوري ونجمه يومها السيناتور جون ماكين. قد تتغيّر معادلة الجاذبية في الحملة الحالية في حالة واحدة فقط هي تمكّن المرشح الشعبوي دونالد ترامب من الفوز بترشيح الجمهوريين. عندها ستكون الانتخابات الرئيسية مثيرة سواء بين كلينتون وترامب أو بين ساندرز وترامب.

شيء ما غير عادي بات يميز علاقة النخبة الأميركية بهذه السيدة. حب شديد لدى البعض وكراهية شديدة لدى البعض الآخر. أتذكّر عندما كنا كوفد متعدد الجنسيات والقارات بدعوة من وزارة الخارجية في شباط 2008 في زيارة لنا إلى أحد مقرات الحزب الجمهوري في سان فرنسيسكو، أقصد إحدى المناطق المحيطة بها. توزّعْنا هناك بعد اللقاء الرسمي بين قياديي وأعضاء المركز. وتوجهت أنا للحديث مع سيدة وزوجها جلسا على زاوية من بركة مسبح مسقوف كان يضمه المركز الجمهوري. تقدَّمْتُ منهما وقلت للزوج: لفت نظري خلال اللقاء العام أنك قلت أنه ليس مهما اليوم أن يفوز جمهوري بالرئاسة، المهم إسقاط آل كلينتون. ما هذه الكراهية؟

أجابني، بل أجاباني لأنهما تنازعا على السرعة في الإجابة، هيلاري كلينتون عدوة وسيئة وخطيرة. قلت لهما أن هذا ليس رأي الكثيرين المعجبين بها وخصوصا كفاحها إلى جانب زوجها كسيدة أولى من أجل مشروع تغيير وتطوير الرعاية الصحية. فقال الزوج: هذا خداع والثنائي كلينتون يقفان على رأس شبكة فساد لا يجب أن تصل إلى البيت الأبيض مرة أخرى.

لم أكن ولن أصبح مع رأي كهذا حيال سيدة مقاتلة داخل “الاستابلشمنت” الأميركي، وليس خارجه طبعاً، ويمكن أن يشكل وصولها إلى الرئاسة منعطفا في الحياة العامة الداخلية في الولايات المتحدة.

إلا أن المشكلة الآن أن عددا من جاذبياتها، كما يشرح العديد من المعلقين والمعلقات الأميركيين، بات متجاوَزا أو على الأقل ليس بالوهج السابق.

هناك أولاً ما فعله الرئيس أوباما في ملف الرعاية الصحية، الذي رغم نسبيته بل محدوديته من حيث استمرار ملايين من الأميركيين غير مشمولين به قياسا للطموح الأصلي، فقد جعل تجربة هيلاري كلينتون في هذا المجال في التسعينات متجاوزة وإن كانت لا تزال تركِّز على تدعيم الإنجاز وتوسيعه.

المسألة الثانية الراهنة هي ما تسميه جيل كولينز في “النيويورك تايمز”أمس“الانقسام الجيلي” سواء بالنسبة للشباب عموما وخصوصا بالنسبة للجيل الجديد من النساء. لقد كانت تجربة أيوا وخصوصا نيوهامبشر صادمة لكلينتون على هذا الصعيد من حيث نجاح منافسها الديموقراطي برني ساندرز في استقطاب أكثر من 55 بالماية من الصوت النسائي.

المعركة رغم كل شيىء هي في أولها. فأوباما نفسه خسر نيوهامبشر عام 2008 في الانتخابات الأولية أمام كلينتون ثم فاز لاحقا في تنافس مشوِّق. لكن الظاهرة، ظاهرة كلينتون، ستبقى طويلا في حال فوزها أو خسارتها، موضع سجال في الحياة العامة الأميركية.

المسألة الثالثة هي أن المرشح ساندرز يطرح تحديات جديدة على كلينتون أو لم تكن بهذه الحدة سابقا. هي مسألة مدى خضوعها للمصالح المالية الكبرى ورمزها “وول ستريت”. وساندرز يستخدم كونها سيناتورا سابقة عن ولاية نيويورك حيث “وول ستريت”، لتعزيز هذه الشبهة بل التهمة.

ماذا عنا نحن جماعة “المستعمرات” الأميركية في الخارج ولمن “نقترع”؟

بالمعايير التقليدية، ساندرز اليهودي أقرب إلى الراغبين بسياسة أميركية أقل خضوعا للوبي الإسرائيلي! لكن هل لا يزال الموقف من إسرئيل هو معيار الميل العربي أو عدمه من أي مرشح؟ طبعا لا، فهذه حقبة انتهت أو تكاد تنتهي من زمن حتى قبل “الربيع العربي”. وساندرز نفسه هو من الشيوخ والنواب الـ56 الذين لم يحضروا جلسة خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الشهيرة في الكونغرس العام المنصرم وهو عموما مؤيد للخطوط العامة للسياسة الخارجية لأوباما علناً وبنسبة أعلى من كلينتون، كما ظهر في موقفهما، وكلاهما مؤيدان، من الاتفاق النووي مع إيران.

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق