على حافة الهاوية / خالد غزال

على رغم المفاوضات التي أجريت في ميونيخ وتقرر فيها وقف إطلاق النار، فإن القرار لم يكن أكثر من رفع عتب، فروسيا أعلنت صراحة أنها لن توقف ضرباتها ضد المعارضة، والرئيس الأسد يقول صراحة: «إن وقف إطلاق النار لا يعني توقف كل طرف عن استخدام السلاح»، ما يعني رفضاً عملياً لهذا التوقف. والمثير للسخرية في الموقف الروسي اتهامه الأتراك والسعودية بالتدخل وانتهاك القوانين الدولية، فيما يسرح ويمرح ويقتل ويدمر من دون أن يرف له جفن. يطمئن الروسي إلى الموقف الأميركي الذي يتصرف انطلاقاً من إدارة للحرب السورية تتلطخ فيها أيادي الجميع بالدم السوري، فيما يمتنع عن الانخراط في الحرب مباشرة، ما يجعله بعيداً من خسائر بشرية من جنوده. بات من شبه المؤكد أن أميركا وروسيا متفقتان استراتيجياً على إدارة الحرب في سورية وعلى التوجهات المستقبلية. هذا التوافق لا يمنع من وجود تباينات هنا وهناك، يتمّ التعبير عنها استنكاراً ورفضاً لممارسات معينة، ولكن ضمن تصريحات إعلامية فقط.

يطرح هذا المشهد تساؤلات فعلية عن اتفاقات وقف إطلاق النار وعن المفاوضات المفترض استكمالها خلال الأسبوع الأخير من الشهر الجاري. هل يمكن أن تكون هناك بارقة أمل في الوصول إلى نهاية لهذه الحرب؟ إذا كانت روسيا صريحة باستكمال الحرب حتى يتحقق السلام وفق منظور حلفائها، وإذا كان النظام يعيش لحظة نشوة من خلال استعادته بعض المواقع من يد المعارضة تجعله يرفض وقف القتال، وإذا كانت القوى الإقليمية، خصوصاً التركية، محدودة القدرة على التدخل، والمعارضة المسلحة في طور التراجع، فكل ذلك يعني أن الحرب الدائرة ستطول إلى أمد غير معروف.

وسط هذه التطورات، يتصاعد الكلام عن انتصارات حققها المعسكر المدافع عن النظام السوري، بفعل التدخل الروسي، ونشاط إيران وميليشياتها، وقد تجلى هذا الانتصار بصمود النظام واستمراره. ليس هناك أتفه من هذا التبشير بالنصر. فالنظام السوري موجود بسبب هذه الحماية الخارجية، و «النصر المتحقق» يتمثل في تدمير سورية وقتل نصف مليون من أبنائها وتشريد نصف سكانها، ومجاعة النصف الآخر، فأي نصر هذا؟ في الحقيقة، الكل مهزوم في سورية، من النظام والقائمين على حمايته، ومن المعارضة العسكرية والسياسية على السواء. الرابح الوحيد هو من سعى منذ البداية إلى تدمير سورية، كياناً ومجتمعاً وقوى عسكرية، حتى لا يشكل أي نظام آت خطراً على إسرائيل وعلى المصالح الأميركية. إن المنتصر الحقيقي هو أميركا وإسرائيل.

أما الحديث عن محاربة الإرهاب، فلا يعدو أن يكون مهزلة بعدما تبين أن تعويذة محاربة الإرهاب لم تكن سوى شماعة لحروب بديلة على الساحة السورية، وبعدما تبين أيضاً أن الكل متساو في الإرهاب وممارسته، من معسكر النظام ومن يدعي الممانعة إلى معسكر التنظيمات المتطرفة سواء كانت «داعش» أو ما شابهه. فلا الروس أتوا لمحاربة «داعش»، ولا الأميركيون مهتمون بالقضاء على الإرهاب، في ظل نظرية لم تفارق استراتيجيتهم عن حشد الإرهابيين على الأراضي السورية ودفعهم إلى قتل بعضهم بعضاً.

إذا كان الجميع يسعى للهروب من السقوط في الهاوية، فالشعب السوري يغوص اليوم عميقاً في متاهاتها. لا أحد من هذه القوى مهتم بما يعانيه الإنسان هناك، وأكثر ما يتلقاه لا يتعدى بعض الفتات من المساعدات. إنه زمن المهانين والمذلولين.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق