رحيل أمبرتو إيكو.. «لم يعد للوردة اسم» / اسكندر حبش

ليست إيطاليا وحدها، من فقدت أمبرتو إيكو، ليل الجمعة ـ السبت الماضي. بل يمكن القول إن ثقافة العالم بأسره، تنحني أمام رحيل هذا الرجل الذي كان ـ وفي الوقت عينه ـ عالم سيمياء وروائياً ومؤرخاً وفيلسوفاً وباحثاً وأستاذاً جامعياً وصحافياً وعازفاً موسيقياً (flûte à bec).. من هنا، لا عجب في أن الجميع كانوا يعتبرونه واحدا من أهم وأكبر مثقفي عصرنا الحديث وبأنه آخر «موسوعييه».

تشعبت اهتمامات أمبرتو إيكو الفكرية، لدرجة تعتقد معها أنك واقف أمام عدد من الأشخاص لا أمام شخص واحد، فكلّ «شخصية» من شخصياته، تتناول حيّزا فكرياً وثقافياً معيناً، من دون أن تتعارض، لا «الشخصيات» ولا الأفكار، فهي تتناغم بانسيابية لا يعرفها سوى المثقف الحقيقي. من دون أن ننسى أن الأهم من ذلك كلّه، أنها تأتي واضحة، من دون تعقيدات، أيّ تطال جميع الفئات ولا تبقى حكراً على فئة معينة، حيث بإمكان الجميع أن يدخلوا إليها. ربما، هذا ما ينقص «الفكر» المعاصر، أي هذا الوضوح، الذي يصيب مباشرة، من دون مواربة أو تعقيدات.

منذ بحثه الأول عن «القديس توما الأكويني»، لم يتوقف أمبرتو إيكو، عن إثارة العديد من الأسئلة، في الفضاء الثقافي العالمي. فكلّ فكرة جديدة يطلقها، وكل كتاب يُصدره ـ مهما كان نوعه ـ أو حتى عندما يتحدث في مقابلة صحافية (كما في مقالاته)، كان يثير الكثير من الأسئلة عبر أفكاره التي غالبا ما تلقى آذاناً صاغية تشدّ الاهتمام لما تتضمنه من تفكير جديّ عميق بكلّ ما يحيط بنا. من هنا، غالبا ما كانت كتبه ـ سواء النظرية أو الروائية ـ تثير الحماسة وتأخذنا إلى عوالم وفضاءات، لا يعرف كيف يصوغها إلا إيكو نفسه. وبدون شك، من يقرأ مقابلاته، يعرف كم أن هذا المثقف، لا يعيش في نظرياته، بل هو على تماس مباشر مع أصغر الأحداث التي يشهدها كوكبنا. هذا التماس مع الأحداث، جعله ينخرط في الكثير من النقاشات والجدل. ومن دون شك، سبّب له ذلك الكثير من «الخصومات»، لكن وبرغم ذلك لا يستطيع أحد إلا أن يحترم مواقف «البروفيسوري» ـ (كما يطلق عليه في إيطاليا وهي تفيد بـ «المعلم» أكثر ممّا تشير إلى «أستاذ») ـ الذي لم يقع في الإسفاف والمواقف المجانية، بل كان نقده يتأتى دوما من ثقافة عميقة ترى الأشياء بوضوح وتجرد من دون أن تنزلق إلى الإلغاء. أليس من هنا، نستطيع مثلا أن نفهم الفكرة العميقة في روايته «اسم الوردة» التي كانت سبباً إضافياً في شهرته العالمية؟

أرسطو العربي

تدور أحداث هذه الرواية في دير يقع في شمال إيطاليا «المتخلّفة» (كما يقول الكاتب في افتتاحية الكتاب)، في القرن الثاني عشر، حيث هناك جرائم قتل غامضة تحدث. يتم استدعاء أحد الرهبان (من الفرانسيسكان بينما الدير يعود إلى الرهبنة البينديكتية) المتنورين للمساعدة في إيجاد حلّ لهذا اللغز، الذي ينتهي بمعرفة القاتل. لكن بعيدا عن هذه الحبكة البوليسية، ثمة «تحيتان» كبيرتان يقدمها إيكو لبعض «معلميه» في الثقافة والكتابة. أولا حين يختار أمين المكتبة شخصاً ضريراً أعمى، ما يحيلنا إلى بورخيس ومكتبته الكونية الأشبه بمتاهة، ولكن الأهم من ذلك كلّه، أن سبب هذه الجرائم هو ضرورة إخفاء كتاب الضحك لأرسطو كي لا يقرأه أحد وكي لا ينجرّ القراء وراءه متناسين «الإيمان». النسخة الوحيدة الموجودة من كتاب أرسطو هذا، ليست سوى الترجمة العربية الوحيدة التي نجت.

وبما أن إيكو سيد «التأويل» والسيمياء، لا بدّ أن تأخذنا المقارنة ما بين العالم الغربي المسيحي الذي كان سائداً، والذي تتحكم فيه محاكم التفتيش (الحاضرة بقوة في الرواية، إذ تمنع كل محاولة للتفكير)، وبين هذه النسخة العربية الآتية من حضارة كبيرة أنجبت فكرها وحضورها، والتي كانت أنجزت الكثير في القرن الثاني عشر. (بالطبع لا ننسى الانحدار الذي وصلنا إليه اليوم، عبر ما نشهده من حركات متخلفة، تضاهي محاكم التفتيش الأوروبية).

في حال إن كانت «اسم الوردة» وجدت ضالتها في الذهاب إلى عمق «جذور اللاهوت الغربي والفلسفة الدينية»، (والتي تعتمد في موقفها الفكري على أطروحته حول توما الأكويني) نجد أن إيكو يحاول في رواية لاحقة له ـ «باودولينو» ـ في «فهم وتفسير» كيفية «تشكل الصيغة العلمانية لهذه المعرفة البشرية». ما من تعارض في فكرتي الروايتين مثلما يتبدّى للوهلة الأولى، بل لنقل إن تاريخ الفكر الغربي الديني أساساً نجح في تخطّي هذه الإشكالية ليقيم حداً فاصلاً بين المجتمع والدين، بالأحرى ما سمح له بذلك، الدين نفسه، لأن المسيحية ليست «لهذا العالم الآني» (على قول المسيح «مملكتي ليست من هذا العالم»).

توابل الكتابة

أضف إلى ذلك كلّه، يجد القارئ في هذه الرواية، جميع التوابل التي لعبت الدور الكبير في توكيد نجاح الرواية الأولى وتوطينها: الميل إلى المفارقات التناقضية، لعبة الألغاز الغامضة، الجنوح إلى المعارضات القريبة من النوع البوليسي، التبحّر في المعرفة المشوبة بالفكاهة، من دون أن ننسى بالطبع تلك المبالغة الحكائية التي يقودها إيكو إلى أقصاها. إلا أن المناخ الخانق، الميتافيزيقي العائد إلى دوران الأحداث في مكان واحد (الدير)، في «اسم الوردة» يخلي مكانه هنا إلى قصة سرد رحلة وسفر يحملاننا إلى تخوم العالم المعروف. الحروب والحملات الصليبية والبحث عن «الغرال» (الكأس التي كرّس فيها المسيح النبيذ خلال العشاء الأخير والتي بها أيضا تلقف يوسف الرامة الدم الذي سال من خاصرة المصلوب) كما البحث عن جمجمة يوحنا المعمدان وملوك المجوس. إننا بهذا المعنى أمام «بعثات» من جميع الأنواع: من هنا نجد أن حياة باودولينو تتبعثر على انقلابات مدهشة الواحدة أكثر من الأخرى، وذلك لأن هذا «الشخص الماهر» ليس سوى «كاذب» لبق وذي «وحي». فميله إلى «الأسطورة» أو إلى الحكاية جلب له صداقة فرديرك بربروس الذي سحر بموهبته الظاهرة للعيان، فعامله الأمبراطور كابن له وجعله مستشاره الخاص، في السراء والضراء.

بعد صدور «باودولينو»، اعتبر العديد من النقاد أن إيكو بنى شخصية الكتاب «من سيرة ذاتية مقنعة»، إذ أن باودولينو ـ بطل الكتاب ـ ولد كما الكاتب الإيطالي في منطقة «البييمونت». بل أكثر من ذلك: نجد الشخصية الرئيسية تشهد ولادة مدينة أليساندريا وهي مسقط رأس عالم السيمياء. وقد كانت لهجة المنطقة حاضرة بقوة في النص الأصلي. وعلى مرّ النص، يعود القارئ ليجد كل انشغالات إيكو، بدءاً من تساؤلاته حول لغة آدم. كذلك لا يهمل الكاتب أبداً عشاق القرون الوسطى (وبخاصة القرن الثاني عشر) إذ نجده يعرض لكل أساطير تلك الحقبة المدهشة، من عملية البحث عن «الغرال» الشهيرة وحتى «السلطة» المنسية للراهب جان، الغامض. قد تكون أكثر القصص إدهاشا هي تلك التي جرت مع «هيباسي»، حبّ باودولينو الأخير.

وإذا كانت الرواية شكلت عند إيكو «وعاء» لتجريبه الفلسفي بمعنى من المعاني، لا بدّ أن نجد أن تجربته في العمل التلفزيوني في نهاية خمسينيات القرن الماضي، جعلته يتآلف مع «التواصل الجماهيري» كما لاحقا مع طرق التعبير الحديثة (ولا سيما نقده الدائم للانترنت). فهناك اكتشف «الكيتش» ونجوم الشاشة، ما دفعه إلى كتابة «حرب المزيفيين» (وفق الترجمة الفرنسية) التي جمع فيه مقالاته حول «حروب الشاشة» وتسطيحها لعقل القارئ. ربما لهذا كان يطالب دائما بالتزام نقدي (وأخلاقي) لوسائل الإعلام، إذ لم تتوقف تساؤلاته عما تقدمه هذه الوسائل «من عنف» يقود بالتالي إلى الحروب التي نعرفها اليوم وعلى جميع الصعد. كل ما كتبه امبرتو إيكو كان ينطلق من «السيميئات» التي ساهم في توسيع حقلها المعرفي. والمعرفة عنده لم تكن تتوقف عند حافة معينة، بل هي تساؤل باستمرار، أو مثلما كان يقول يجب البحث عن المعنى حين لا ترى الجموع أي معنى في أمر ما. هكذا كانت أبحاثه، وهكذا كانت أيضا مقالاته، ربما لأن الكتابة عنده لم تكن سوى التفكير بما كان يحيط بنا.

يرحل أمبرتو إيكو. ويترك خلفه فراغا، من الصعب أن يردمه آخر بسهولة. كان أكثر من مثقف موسوعي. كان كونا قائما بذاته. هو موسم رحيل الخالدين مثلما يقول سيرج مواتي. والأنكى أننا في زمن يسير إلى نهاياته من دون أن نتمسك بأي بوصلة.


تواريخ
ولد في 5 كانون الثاني من العام 1932 في «أليساندريا» (الإسكندرية الإيطالية)، وهي مدينة شكلت حاضنة حقيقية خلال عصر النهضة، تقع في منطقة «البييمونت»، على ضفة نهر «تانارو» وتبعد عن مدينة تورينو حوالي 75 كلم.
1954: دبلوم في الفلسفة من جامعة «تورينو» (تناول في أطروحته القديس توما الأكويني).
1955 ـ 1958: عمل في محطة «الراي» (التلفزيون الإيطالي)
1962: صدور كتابه «العمل المفتوح» الذي يعد النص التأسيسي لكل عمله السيميائي الذي جاء لاحقا، مثلما شكل نقطة الارتكاز للكثير من الدراسات العالمية التي تناولت هذا «العلم الجديد». وقد طور هذه النظرية لاحقا في «البنية الغائبة» (1968)..
1975: كرسي الدراسات السيميائية في جامعة بولونيا.
1980: صدور روايته الأولى «اسم الوردة» التي تحولت بسرعة إلى تحفة عالمية، ترجمت إلى العديد من لغات العالم، كما تحولت إلى فيلم سينمائي في العام 1986، من إخراج جان ـ جاك أنو وبطولة شين كونري.
1985: صدور القراءة في الحكاية أو التعاون التأويلي في النصوص الحكائية»، وهو الكتاب الذي وضعه في مصاف المفكرين الأوروبيين الكبار في نهاية القرن العشرين.
1992 ـ 1993: كرسي الدراسات الأوروبية في «الكوليج دو فرانس».
2015: صدور روايته الأخيرة «الرقم صفر»
2016: (19 شباط) وفاته بسبب مرض السرطان.

إيكو «العربي»
عديدة هي الترجمات إلى العربية التي صدرت في العقود الأخيرة، من كتب أمبرتو إيكو، نذكر منها:
«اسم الوردة» و «مقبرة براغ» وتأملات في اسم الوردة» («دار الكتاب الجديد المتحدة»)، «أن تقول الشيء نفسه» و «السميائية وفلسفة اللغة» («المنظمة العربية للترجمة») ترجمة أحمد الصمعي.
«تأملات في السرد الروائي» و «اعترافات روائي ناشئ» و «دروس في الأخلاق»، و «التأويل بين السيميائيات والتفكيكية» و «العلامة تحليل المفهوم وتاريخه» و «6 نزهات في غابة السرد» (المركز الثقافي العربي)، و «آليات الكتابة السردية» (دار الحوار للنشر والتوزيع) ترجمة سعيد بنكراد الذي تشارك مع حسين عمر في ترجمة «كيفية السفر مع سلمون» (عن «المركز الثقافي العربي» أيضا)،
«لا نهائية القوائم» («هيئة أبو ظبي للسياحة والسفر»)، ترجمة ناصر مصطفى أبو الهيجاء.
«حاشية على اسم الوردة» (التكوين للطباعة والنشر والتوزيع)، ترجمة أحمد الويزي.
«سيميائيات الأنساق البصرية» (دار الحوار للنشر والتوزيع)، ترجمة محمد التهامي العماري ومحمد اودادا، «باودولينو» (المركز الثقافي العربي) ترجمة نجلا حمود وبسام حجار.
«القارئ في الحكاية» (المركز الثقافي العربي) ترجمة انطوان ابو زيد.

قالوا في رحيله
اعتبر رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينتسي أن إيكو كان «المثال المدهش والاستثنائي عن عملية التثاقف الأوربي، جامعاً ذكاء الماضي المتفرد بقدرة لا تنضب على توقع المستقبل».

من جهته أسف مارتن شولتس، رئيس البرلمان الأوروبي، لموت «هذا المثقف الضخم» الذي «ترك وراءه ثقافة وأفكارا وروايات وتعليمات أبدية».

في فرنسا، حيّت وزيرة الثقافة أودري أزولاي هذا «الخالق العبقري الذي تخطت أعماله حدود عالم الآداب والفكر».

المخرج السينمائي جان ـ جاك أنو (الذي اقتبس للسينما «اسم الوردة») اعتبر إيكو ذاك «الشخص ذا المعرفة المزعجة كما المحب المدهش للحياة. هو مزيج من العالم ومن الإنسان الذي يحب الضحك وتناول الطعام».

برنار بيفو، المقدم التلفزيوني السابق والشهير ورئيس «أكاديمية غونكور»، غرّد على موقعه «تويتر» بالقول: «كنّا نعطي إيكو كلمة واحدة، ليجعل منها في روحه سريعاً ذكريين و3 قصص و4 تأملات».

صحيفة «لاريبوبليكا الإيطالية قالت على موقعها الإلكتروني «فقد العالم واحداً من أهم رجال ثقافته المعاصرة»، بينما وجدت صحيفة «لا كوريير دلا سيرا» أننا «سنفتقد نظرته للعالم». بينما اعتبرت «لا ستامبا» أن إيكو «هو الكاتب الذي غير الثقافة الإيطالية التي هي اليوم في حداد».

«حوليات مجتمع سائل»

بعد ساعات من إعلان نبأ وفاته، أعلن ماريو أندريوزي (محرر كتب إيكو «التاريخي») أن كتابا جديداً سيصدر قريبا للكاتب الراحل بعنوان (Pape Satàn Alleppe) وهي جملة لدانتي «لا تعني شيئا» مستلّة من النشيد السابع، «الجحيم» (في «الكوميديا الالهية») مع عنوان فرعي هو «حوليات مجتمع سائل» (هذا المجتمع الذي كان يبحث عن معنى له). ويضم الكتاب مختارات من مقالاته الأسبوعية التي كان ينشرها في مجلة «الاسبريسو»، وقد أشرف إيكو قبل رحيله على «تصحيح المخطوط بأسره».
يصدر الكتاب عن دار «مركب ثي
سيوس» (La Nave di Teseo ) وهي دار نشر جديدة ساهم إيكو في تأسيسها في كانون الأول الماضي (2015) مع العديد من كبار الكتّاب الإيطاليين، الذين قرروا مغادرة منشورات «ريتسولي» بعد شرائها من قبل منشورات موندادوري (التي تعود ملكيتها إلى برلسكوني). يوم الإعلان عن تأسيس هذه الدار قال إيكو إنه يرغب في إيجاد زاوية بعيدا عن احتكارات عالم النشر في إيطاليا مضيفا أن «هذا المشروع، بالنسبة إليّ، طريقة في النضال ضد الألزهايمر. طريقة أكثر فاعلية من الكلمات المتقاطعة». يذكر أن اسم «مركب ثيسيوس» مستوحى من الأسطورة الإغريقية فـ «ثيسيوس» كان ملك اثينا الأسطوري الذي قتل «المينوتور»، وبعد عودته الظافرة، احتفظ الأثينيون بالمركب وبدلوا ألواحه الخشبية ليبقى صالحاً لسنوات مقبلة عديدة. لكن للإسم معنى آخر أيضا: فعبارة مركب ثيسيوس تشير إلى تجربة فكرية تُستعمل في عالم الفلسفة منذ أقدم العصور، وقد أعاد استخدامها الفيلسوف الألماني «لايبنتز» (القرن الثامن عشر) في نظريته التي عالج فيها مشكلة «الهوية» و «الاستمرارية» عبر الزمن كما في طرحة لمفهوم الذات والآخر.

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق