حوار مع مايكل هاردت Michael Hardt: الجمهور والإمبراطوريّة والتَّغيير

تقديم

ولد المنظّر الأدبي والفيلسوف السّياسي مايكل هاردت (Michael Hardt) في الولايات المتَّحدة الأمريكيّة سنة 1960، وهو يشغل حاليًّا خطَّة أستاذ الأدب في جامعة دوك (Duke University)، ويرأس تحرير مجلّة ساوث أنتلانتك الفصليّة (the South Atlantic Quarterly). نشر باكورة كتبه الفلسفيّة بعنوان “جيل دولوز: تمرين في الفلسفة”(i) سنة 1993، وتعتبر ثلاثية “الإمبراطوريّة”(ii) و“الجمهور”(iii) و“المشتركيّة”(iv) الَّتي كتبها بالاشتراك مع صديقه الفيلسوف الإيطالي أنطونيو نيغري (Antonio Negri) أهمّ ما كتب. إلى جانب الثّلاثيَّة الشَّهيرة نشر الثُّنائي هارت ونيغري كتيبا بعنوان “إعلان”(v) سنة 2012 على الإنترنت في أعقاب حركة احتلوا وول ستريت وحركات الاعتصام والتَّخييم حول العالم، بحثا فيه السّياسات الدّيمقراطيّة الجديدة في التَّنظّم وطرق المقاومة والتَّمثيل الَّتي صاغتها تلك الحركات.

يتحدّث مايكل هاردت في هذا الحوار عن مشروعه الفكريّ السّياسيّ الَّذي بلوره رفقة نيغري في أعمالهما المشتركة وعن رأيه في حركات التَّغيير الَّتي تجتاح العالم انطلاقًا من ميدان التَّحرير وباقي الميادين العربيّة وصولاً إلى الحركات المعادية للتقشّف في أوروبا، مرورًا بمنتزه غزّي وبويرتا ديل سول وزوكوتي ومنطقة الإدارة الذَّاتيَّة في شمال سوريا.

نصّ الحوار

– كيف تغيّرت طريقة رؤيتك للعالم بمرور الوقت، وما الَّذي (أو من) حثّ التَّحوّلات الهامّة في تفكيرك؟

قد يكون الأهمّ عندي هو ما لم يتغيّر بعد. فحين كنت بصدد تأليف كتاب “الإمبراطوريّة” رفقة أنطونيو نيغيري، أواخر التسعينيّات، كان حدسنا الأوليّ يقول إنّ الولايات المتّحدة لن تكون قادرة قريبًا على إدارة الشُّؤون العالميّة، أي أنَّها لن تستطيع القيام بذلك لوحدها، بشكل أحادي. لكنَّنا لم نفكّر حينها أنّ دولة- أمّة أخرى، مثل الصين، سوف تحتلّ تلك المكانة أو حتَّى أن يتمكّن تحالف متعدّد الأطراف بين الدُّول الأمم المسيطرة من التَّحكم في الشُّؤون العالميّة. تمثّلت فرضيتنا في أنَّ شبكة قوى كانت بصدد النُّشوء، وهي تشمل الدُّول الأمم المسيطرة إلى جانب المؤسّسات الفوق وطنيّة من شركات ومنظّمات غير حكوميّة وجهات فاعلة غير دولانيّة، للتَّحكّم في العلاقات الدُّوليّة بطريقة متحوّلة واتّفاقيّة.

لقد رأينا ذلك تحديًّا للفرضيّة “الواقعيّة” الَّتي تقول إنّ الدُّول هي الفاعل المركزيّ في السّياسة العالميّة. تظلّ الدُّول مهمّة دون شكّ، لكنّ زعمنا يقول إنّه إذا ما تمّ التركيز على أفعال الدُّول فحسب، فسوف يتمّ إهمال ما يحدث حقًّا.

تلك المقدّمة المنطقيّة لم تتغيّر. لكنّ تركيبة الإمبراطوريّة، أي تركيبة بُنى القوّة العالميّة في تغيّر مستمرّ. فالتراتبيّات والتَّفاعلات بين الدُّول، ومكانة الفاعلين غير الدولانيّين، وتحكّم صندوق النَّقد الدولي والبنك العالمي، يجب تتبّعها وتقييمها باستمرار إلى جانب عوامل أخرى. 

– كنت في الغالب مرتبطًا بالماركسيّة الاستقلاليّة (vi)، لقد تبنّى مؤخّرًا النَّاس المرتبطون بهذه النَّزعة شعارًا، صاغه توماس مانتزر (Thomas Muntzer) في القرن السَّادس عشر، يقول “يجب أن يكون كلّ شيء مشتركاً” (omnia sunt communia). ما هو رأيك في هذه العبارة وكيف يمكنك شرح دلالتها؟

أرى اليوم مطالب منبثقة عن أوساط عريضة من أجل المشترك. ويعني المشترك في تعريفه الأساسي أشكال الثَّروة الَّتي نتقاسمها ونديرها ديمقراطيًّا. وهذا يجعل من المشترك من جهة أولى، مضادًّا بطريقة أساسيّة للملكيّة الفرديّة، ومضادًّا من جهة أخرى للملكيّة العامّة (أو الدولانيّة). ومن أهمّ مجالات المطالب من أجل المشترك، على سبيل المثال، الأشكال غير الماديّة للثَّروة على غرار المعارف العلميّة والمعلومات والمنتجات الثَّقافيّة، وما شابهها. ويوجد مجال ثانٍ يتعلّق بالأرض وأنظمتها البيئيّة، هو ذاك الَّذي لا يرى سوى حلول ديمقراطيّة لتفاعلاتنا المشتركة مع المحيط. وأخيرًا، أعتبر أنّ الحركات الاجتماعيّة الأخيرة الَّتي تشمل الاعتصامات الحضريّة وعمليّات احتلال السَّاحات العامّة، من ميدان التَّحرير إلى منتزه غزّي (Gezi Park) مرورًا ببويرتا ديل سول (Puerta del sol) ومنتزه زوكوتي (Zuccotti Park)، إنّما تهدف (جزئيًّا) لجعل المدينة نفسها مشتركًا، أي جعل الفضاء الحضريّ مفتوحًا للجميع وخاضعًا لأشكال إدارة ديمقراطيّة. 

ومن الضَّروري التَّأكيد في هذه النّقاشات حول المشترك، على الحاجة إلى اتّخاذ القرار بطريقة ديمقراطيّة. فأنظمة النّفاذ الحرّ وإواليّات تشارك الثَّروة ليست عفويّة، ويجب إدارتها بحكمة في سبيل إبقائها. وبينما تكرّس الملكيّة الفرديّة احتكار اتّخاذ القرار، فإنّ المشترك يتطلّب إواليّات ديمقراطيّة.

– منذ نشر كتاب “الإمبراطوريَّة”، تغيّر المعنى الَّذي ألحقته أنت وأنطونيو نيغري بمفهوم الجمهور بمرور الزَّمن، هل يمكنك باقتضاب شرح ما تقصده بالجمهور وتتبّع تطوّره في فكرك؟

لقد قصدنا بالجمهور مشروعًا تعدديًّا للتنظّم السّياسيّ. يمكن فهم ذلك كتوسيع لثلاثة مفاهيم تقليديّة، أو كإضفاء للطَّابع التَّعدّدي عليها: الشَّعب والطبقة والحزب. وليس الجمهور مضادًّا لهذه المفاهيم، لكنّه يكرّس نسخًا تعدّدية ومتناقضة داخليًّا لكل منها. وعلى سبيل المثال، فإنّ مفهوم “الشَّعب” غالبا ما استعمل للإحالة على جمهرة بشريّة متجانسة نسبيًّا، وذلك بهدف إقصاء الآخرين. أمّا مصطلح “الشَّعب الإنكليزي” كما يستعمل في الخطابات السّياسيّة، مثلاً، فغالبًا ما يقصد به بطريقة ضمنيّة أو واضحة، مجموعة بشريّة بيضاء. كذلك مصطلح “الطَّبقة العاملة”، الَّذي لا يستخدم غالبًا لوصف جميع العمّال، بل يستخدم أساسًا لوصف العمّال الصناعيّين الذُّكور. وأخيرًا، غالبًا ما يصف الحزب شكلاً ممركزًا وموحّدًا وتراتبيًّا للتَّنظّم السّياسيّ. ومن هنا، فإنّ القصد من مفهوم الجمهور هو إعادة تصوّر هذه المصطلحات بطريقة تعدديّة وديمقراطيّة: شعب غير متجانس داخليًّا ومنفتح على من هم خارجه؛ طبقة تتضمّن كلّ أشكال العمل، المأجور وغير المأجور؛ وشكل حزبيّ ديمقراطيّ وأفقيّ. 

الحركات الَّتي ظهرت في السَّنوات القريبة والَّتي توصف بأنّها دون قيادة تقع بلا شكّ ضمن هذا الحقل، لكن لم يصل أيّ منها بعد إلى خلق أشكال تنظّم دائمة وفعّالة. فالجمهور ليس عفويًّا، والمصطلح غير مكرّس ليسمّي شيئًا موجودًا بالفعل، بل هو يعيّن بالأحرى الخطوط العريضة لمشروع بناء.

– لاحظنا في السَّنوات الأخيرة تفاعلاً متزايدًا بين الحركات الاجتماعيّة والأحزاب السّياسيّة في أنحاء أوروبا مثل “بوديموس” في إسبانيا. كيف ترى تطوّر حركة- حزب مثل بوديموس في السَّنوات القادمة؟

أرى بوديموس رهانًا أو تجربة لقيس مدى مساعدة المشاريع الإنتخابيّة لازدهار الحركات الاجتماعيّة. صحيح أنّ بوديموس هي في كثير من النَّواحي وليدة حركة 15 مايو(vii) (15 M movement)، أي الاعتصامات الَّتي شهدتها المدن الإسبانيّة الكبرى في صائفة 2011، كما من أشكال النَّشاط العديدة الأخرى الَّتي تبعت ذلك، مثل التَّظاهرات ضدّ التَّقشف في قطاعي التَّعليم والصحّة (viii) المعروفة باسم “مارياس” Mareas (تمثّل الإنتصارات الإنتخابيّة لبرشلونة المشتركة(ix) ومدريد الآن(x) في الانتخابات المحليّة سنة 2015 براهين مهمّة لقوّة هذه الحركات في السّياسة الإنتخابيّة). لكنَّ حركة بوديموس تنطوي، من ناحية أخرى، على بعض البُنى المركزيّة للأحزاب السّياسيّة التَّقليديّة.

ومن هنا، فإنّ الرّهان مزدوج. إذ على الحركات الاجتماعيّة إيصال بوديموس إلى السُّلطة في الإنتخابات الوطنيّة من جهة أولى، وعلى بوديموس خلق فضاء للحركات حتَّى تزدهر، بما أنّها لا يمكنها تمثيلها بصفة كليّة، من جهة أخرى. ولئن كانت النَّتيجتان غير مؤكّدتين، إلاّ أنّ الرّهان بالنّسبة لي يستحقّ المخاطرة.

– ما رأيك في حزب الاتّحاد الدّيمقراطيّ (PYD) الكردي وفي المجتمع الَّذي خلقه في شمال سوريا؟ فهو مجموعة سياسيّة تبنّت لغة الاستقلاليّة والدّيمقراطيّة المباشرة، والحال أنّه ينحدر من خلفيّة سياسيّة ماركسيّة لينينيّة أكثر تقليديّة.

مثل كثيرين آخرين، ألهمني الدّفاع عن كوباني في سنوات 2014-2015 من قبل القوّات الكرديّة ضدّ تنظيم الدَّولة الإسلاميّة. لكن البراعة العسكريّة الفائقة والبطولة لا تهمّني بقدر ما يهمّني التَّجديد السّياسيّ في كلّ من تركيا وروجافا (شمال سوريا). أحد أهمّ التَّطويرات في رأيي حصلت على المستوى النَّظريّ منذ عقد عندما حوّلت الحركة الكرديّة أهدافها من “التَّحرير الوطنيّ” إلى “الإدارة الذاتيّة الدّيمقراطيّة”. فالتحوّل المفاهيميّ من السّيادة إلى الاستقلاليّة، على درجة عالية من الأهميّة (وقد تكون العلاقة بين هذين المفهومين موضوع دراسة شيّقة في النَّظريّة السّياسيّة)، ولعلّ الأهمّ هو طريقة مفصلة الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة على أرض الواقع. لقد كانت الجماعات الكرديّة تجرّب بالفعل أشكالاً ديمقراطيّة جديدة. ففي سبيل محاربة الميز الجندريّ، على سبيل المثال، يجب أن يشمل كلّ مركز في بُنى الإدراة في روجافا رجلاً وامرأة كقائدين. وهذا النَّوع من التَّجارب، يجعل الحركة الكرديّة اليوم إحدى أهمّ روّاد أشكال الدّيمقراطيّة الجديدة. 

– أنت نشط سياسيًّا بصفتك أكاديميًّا. كيف ترى العلاقة بين الالتزام الأكاديميّ والالتزام السّياسيّ؟ هل توجد مسؤوليَّة معيّنة في التزام الأكاديميّين بالنَّظر إلى مكانتهم المميّزة نسبيًّا؟ 

لا أظنّ أنّ “المسؤوليّة” هي الإطار الصَّحيح للتَّفكير في ذلك. وبما أنّ الأكاديميّين في جملتهم ليسوا مؤهّلين أكثر من غيرهم للالتزام السّياسيّ، فإنّه من غير النَّافع أن نحمّلهم المسؤوليّة.

في الواقع، أظنّ أنّه من المهمّ كسر الافتراض المعياريّ القائل بالفصل بين النَّظريّة والممارسة والَّذي يكون بمقتضاه المثقّفون مؤلّفي النَّظريّة، والنُّشطاء ملتزمين بالممارسة. يتمّ في رأيي بعض أهمّ التَّجديد النَّظريّ اليوم بشكل جماعيّ ضمن الحركات، ويوجد الكثير ممّا يجب على الأكاديميّين تعلّمه، ليس فقط ممّا يفعله النُّشطاء، بل وكذلك من طريقة تفكيرهم والمعارف الَّتي ينتجونها. 

المصدر
نشر هذا النصّ على موقع E-International Relations بتاريخ 11 نوفمبر 2015.
رابط الحوار باللّغة الإنكليزية: http://www.e-ir.info/2015/11/11/interview-michael-hardt/ .

الهوامش (من وضع المترجم):

 Hardt (Michael), Gilles Deleuze: an Apprenticeship in Philosophy, University of Minnesota Press, 1993 

– هاردت (مايكل) ونيغيري (أنطونيو)، الإمبراطوريّة: إمبراطوريّة العولمة الجديدة، ترجمة وتحقيق: فاضل جكتر، مكتبة العبيكان ، الرياض، 2002، 592 ص.

Hardt (Michael) & Negri (Toni), Empire, Harvard University Press, 2000, 478 p

– هاردت (مايكل) ونيغيري (أنطونيو)، الجمهور: الحرب والديمقراطية في عصر الإمبراطورية، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربيّة للترجمة، بيروت، 2015، 590 ص. 

Hardt (Michael) & Negri (Toni), Multitude: War and Democracy in the Age of Empire, Penguin Press, 2004, 427 p
 – Hardt (Michael) & Negri (Toni), Commonwealth, Belknap Press of Harvard University Press, 2010, 448 p
 – Hardt (Michael) & Negri (Toni), Declaration. Argo Navis (self-published), 2014

 – الماركسية الاستقلالية (Autonomist Marxism)، هي توجّه فكري لا سلطويّ تتبنّاه مجموعات وحركات سياسيّة. لا يؤمن الماركسيّون الاستقلاليّون بالتنظيم الحزبي المركزي والتراتبي ويسعون إلى إشراك الناس عبر الحركات الاجتماعيّة في صنع القرار بدل فرضه من الخارج من خلال المؤسسات.
 – حركة معاداة التقشّف الإسبانيّة، تشمل الحركة أكثر من 200 منظمة، بدأت سلسلة التظاهرات ضدّ التقشّف في 15 مايو سنة 2011 ومنها أخذت اسمها، شملت التظاهرات أغلب المدن الإسبانية المهمّة.
 – تعني كلمة “mareas” في اللّغة الإسبانية المدّ والجزر وهي تسمية تطلق على التحرّكات الاجتماعية المعادية لخطط التقشّف في إسبانيا.
 – برشلونة المشتركة (Barcelona en comú)، إطار مواطني سياسي مكوّن من يساريّين راديكاليّين ومدافعين على البيئة، شارك في الإنتخابات المحليّة في مدينة برشلونة سنة 2015 وفاز بها.
 – مدريد الآن (Ahora Madrid)، حزب سياسي يساري، حصل في الإنتخابات المحليّة في العاصمة مدريد سنة 2015 على نسبة 31.85% من مجموع الأصوات، دخل في تحالف مع الحزب الإشتراكي العمالي الإسباني وبذلك أصبحت رئيسته مانويلا كارمينا ( Manuela Carmena) عمدة العاصمة. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق